مجلة الآداب الاجنبية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 137 شتاء 2009
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الخروج على النص ـــ مدير التحرير

يؤكّد كلُّ ما في الكون أنَّ الإنسان يولد حرّاً... حرّاً كالطيور في الفضاءات العالية، والكائنات في أعماق البحار والمحيطات، والرائحات الغاديات في أحضان الغابات وسراديبها، وكالنباتات والأشجار والينابيع والأنهار، الشلالات والزلازل والبراكين، ويؤكّد كلُّ ما في الكون أيضاً أن الإنسان أجمل المخلوقات وأرقاها، وقد اختِير ليكونَ سيّداً عليها... هكذا قالتِ النواميس... ولكنّ الإنسان عبدٌ في حريته، وكلُّ ما في الحياة يؤكّد عبوديته منذ يوم ولادته إلى يوم رحيله، فالنواميس التي وهبته السيادة سلبت منه حريته، وأيُّ كائن في الطبيعة يتمتّع بنسبةٍ من الحرية تفوق ما يتمتَّع به الإنسان بعشرات المرّات، فهو يُولد حرّاً كأيِّ كائن آخر، ولكنّه يحتاج إلى رعاية طويلة، فيعتمد على أسرته زمناً يفوق أعمار كثير من الكائنات، فيتنازل مقابل ذلك عن حريته، ليُسَجّل أولاً ضمن أسرة محدّدة، وعليه حينذاك أن يتقيّد بنظام هذه الأسرة وتاريخها الطويل، وأن يلتزم بقوانينها الصارمة، وأن ينتمي إلى مبادئها ومعتقداتها وعاداتها وتقاليدها، ويلعب الحظّ حينذاك دوراً كبيراً في مستقبله، فإذا كانت هذه الأسرة ثرية أصابه شيء كبير من الجاه والنعمة مقابل تنازلاته وعاش عبداً لها، وإذا كانت فقيرة معدمة تحمّل التبعات التي كُتبت عليها، وثمة أسَرٌ أخرى أكبر، وهي القبيلة والحيّ والمدينة إلى الدولة، وهكذا، ولكلّ أسرة من هذه الأسر قوانين ودساتير ونواميس، وهكذا يتنازل الكائن البشري مرة بعد أخرى عن شيء من حريته إلى أن يفتقدها تماماً، ويصبح بعد تقدّمه في العمر حارساً لعبوديته، ويعتاد على الأنظمة والقوانين، ومنها قانون السير وقانون العمل وقانون الزواج والطلاق وقانون آداب المائدة وآداب العامة والخاصة وآداب المجتمع والأخلاق، وثمة المحرّمات والمحلّلات، وأيّ خروج على أيّ قانون يعرّض صاحبه للمخاطر، ثمّ ندّعي بعد ذلك كله بأنّ الإنسان حرّ، وهو يتمتّع بحريته إلى أبعد الحدود، وبالمقابل فإنّ في الإنسان شهوةً لحب البقاء وحب المعرفة واكتشاف المجهول، وفيه أيضاً حبّ التفرّد ليكون علماً من الأعلام في مجال من المجالات، وهنا لا بدّ من الخروج على النص والقوانين.‏

إن الخروج على النص والتمرد عليه صعب على من التزم التزاماً حرفيّاً بالقوانين، وإذا ابتدأنا بالممثل على المسرح ـ وهو أبو الفنون كما يقال ـ وجدنا قلّة قليلة تحاول أن تعبّر عن ذاتها إبداعياً بالخروج على النص المكتوب والمحدّد سلفاً، وفي ذلك إرباك للجماعة من جهة وانتهاك لحرمة النص من جهة أخرى، ولكنّ الخروج على النص إذا كان مقبولاً لدى المتفرّجين أراح نفوسهم وأدهشهم وكان ذا فعالية أكبر من فاعلية التقيّد الحرفي بالنّص، ومن الصعب على الممثّل المسرحي القدير أن يظلّ طوال حياته عبداً للنص، ولذلك يخرج مرة هنا ومرة هناك عن حدود النص ليفتح كوّة على خارجه، وربما كانت تجربة الممثل الوحيد من أنجح الأمثلة على ذلك، ففيها قدر من التمدّد وقدر من المساحة النصية التي تسمح لهذا الممثل أحياناً أن يعبِّر عن ذاته بالخروج على الخطوط المرسومة سلفاً لأدائه.‏

وثمّة قيود تكبّل أيدي الباحثين وعقولهم، ومنها التقيّد التام بالمناهج العلمية الصارمة في العلوم الإنسانية، وإذا كانت المناهج صالحة مئة بالمئة في التطبيق على العلوم الأساسية، كالذرة والكيمياء والفيزياء والفلك والرياضيات وسواها، فإنها ربّما كانت في بعض الأحيان قيداً في التطبيق على الموضوعات الإنسانية، لأنّ مادة البحث هنا تختلف عن مادة البحث هناك، والنتائج في العلوم الأساسية حتمية، ولكنّها في العلوم الإنسانية احتمالية، وهي قابلة للحوار والمناقشة، ولذلك تختلف وجهات النظر حول النص الأدبي الواحد بين الباحثين، لأنّ كلاً منهم نظر إليه من زاوية مختلفة، في حين لا يصح ذلك في العلوم الأساسية، فالنتائج فيها لا تحتمل الاختلاف، لأنّ المادة التي يشتغلون عليها ثابتة، في حين أنّ المادة التي يشتغل عليها أصحاب المناهج الإنسانية متحولة دائماً، وهي قابلة للانفتاح، ومن هنا تعرّضت كثير من الأعمال الإنسانية الخالدة (قلجامش ـ أوديب ملكاً ـ هملت ـ الإلياذة ـ الأوديسة ـ عوليس... إلخ) لمناهج علمية تاريخية واجتماعية ونفسية، ثمّ ألسنية (سيميولوجية ـ أسلوبية....)، وما زالت وستبقى عصيّةً على البوح بكامل مكنوناتها، والباحث الكبير هو من يستطيع الإمساك بالمنهج الذي التزمه والنص الذي اختاره، وخاصة في المناهج التي تقوم على الوصف وتبتعد عن المعيارية، ولكنّ الباحث العاشق قد يتمرّد أحياناً على القيد المنهجي، فإذا هو يصول ويجول في عتبات النص ودهاليزه ومخبوءاته، وقد يخلِّف المنهج الذي التزمه وراءه وينحاز إلى النص، ومن هؤلاء رولان بارت الذي لُقِّب نتيجة لهذا الخروج بأنّه فارس النّص.‏

ونأتي أخيراً إلى الشاعر لنتذكر خروج بعض الشعراء العرب على قوانين القصيدة، ففي قانون المنهج تمرّد كثير منهم عليه، ورفضوا الوقوف على الطلل، وخاصة بعد أن انتقل العربي من حياة البداوة إلى حياة الحضارة والعيش في المدن الكبيرة، ويأتي في مقدّمة هؤلاء الحسن بن هانئ أبو نواس الذي هاجم الطلل هجوماً عنيفاً، وقد تمرّد كثير من الشعراء العرب على العمود الشعري، ونتذكر في هذا المجال أبا تمام الذي قيل له باستنكار شديد: لماذا تقول ما لا يفهم؟ فتيسّر له أن يجيب: ولماذا أنت لا تفهم ما يقال؟، وليس الأمر مقتصراً على هذين المثالين، وإنما هناك أمثلة أخرى، فلما نُبِّه أبو العتاهية إلى أنّه خرج على الوزن في إحدى قصائده أجاب بعبارته الشهيرة: أنا أكبر من العروض، ولذلك كان من الصعب على الشاعر الحقيقي أن يظلَّ عبداً لقوانين القصيدة، فثمة شعراء يرون أنَّ هذه القوانين لا تنتج سوى النمطية والمألوف، ولذلك تراهم يتمرّدون على إبداعاتهم السابقة، وينطلقون من جديد لينظموا نصاً لم يَنْظُمُوهُ من قبل.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهر الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244