|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:48 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الخطاب الواقعي وآفاق التجريب رحلة العبور التجريب وانهيار الثوابت: 1) تقديم: "إنّ قوّة الرّوائي هي في أنّه فعلاً يخلق بكلّ حريّة وبدون نموذج"؟.. (1) تلك هي عبارة الآن روب غرييه وقد كان أحد كبار روّاد حركة إبداعيّة، عُرفت بالرّواية الجديدة في فرنسا، وهي تلك الحركة التجريبيّة "السّاعية إلى التحرّر ممّا هو مفروض ومصطلح عليه وميت، والمتجهة نحو ما هو حرّ وصادق وحيّ(2). والعبارة الأولى الّتي أحلنا عليها تؤسّس المبادئ الأساسيّة الّتي يقوم عليها مفهوم التّجريب الرّوائي. إنّ الرّواية التّجريبّية هي رواية الحريّة إذ تؤسّس قوانينها الذّاتيّة وتُنظّر لسلطة الخيال وتتبّنى قانون التجاوز المستمرّ. ولذلك فهي ترفض أيّة سُلطة خارج النصّ. وتخوّن أيّة تجربة خارج التّجربة الذاتيّة المحض، فلكلّ وقائع مختلفة أشكال من القصّ مختلفة، وكلّ رواية جديدة تسعى إلى أنّ تؤسسّ قوانين اشتغالها في الوقت الّذي تتيح فيه هدْمها. بيد أنّ رفض سلطة النّموذج والدعوة إلى الحريّة المطلقة ينبثقان من الوعي العميق بضرورة إعادة النّظر في علاقة العمل الرّوائي بمرجعيّته الواقعيّة والاجتماعيّة، فالواقعيّة بأشكالها المختلفة مأزومة، والتّشخيص الوصفي بما هو إعادة بناء عالم قائم ومعيش وهْم في واقع متغيّر على الدّوام أصبح من الصّعب الإمساك به، وتحديده. لكنّ الرّواية العربيّة، أليست بطبيعتها رواية تجريبيّة باعتبارها رواية حداثيّة نشأت منقطعة عن تراثها السّرديّ ونهضت مواكبة لأشهر تحركات التجديد والتجاوز في الرّواية الأوروبيّة والغربيّة عموماً؟ تلك وجهة نظر قد تجد من يتبنّاها، ولكنّ الرّواية العربيّة مع ذلك عاشت فترة استقرار ساد فيها النموذج البلزاكي بمفاهيمه العامّة وهيمن فيها التّشخيص الوصفي للّعالم. ولذلك ظهرت حركات أدبيّة تجادل السّائد وتبحث عن التّجارب المتفرّدة منذ منتصف الستينات في مصر وفي تونس (3)، وفي غيرهما من البلاد العربيّة، ويمكن الآن أن نلاحظ أنّ المدّ التّجريبي في الرّواية العربيّة قد أفرز أكثر من اتّجاه واحد، إلى درجة أنّ الإبداع في فنّ الحكي أضحى موسوماً بنزعة مستمرّة إلى التّجاوز وهدم الحدود وأمسى مؤمناً بحرّية الخلق والإنشاء لدى جيل قرأ الرّواية الأوروبيّة واطلع على عيون النّصوص الرّوائيّة العربيّة. وبدا على اتّصال واع بالتراث الأدبيّ السّرديّ وهو يريد أن يشقّ له طريقاً خاصّة عبر مسّلك لابدّ منه وهو مسلك التّجريب. فما فروع هذا المسلك، وما تجليّاته وما حدود إبداعه؟ للإجابة عن هذا التّساؤل نستنطق فيما يلي مجموعة من النّصوص الرّوائيّة الحديثة ظهرت في أزمنة متفاوتة نسبيّاً وفي بلاد عربيّة مختلفة. 1 ) ـ في التّجريب اللّغوي: "النخّاس".. لصلاح الدّين بوجاه: 2. 1. تتميّز تجربة الكاتب التّونسي صلاح الدّين بوجاه بنزعة تجريبيّة تختلف عن التّجارب الرّوائيّة العربيّة السائدّة، إنّ طموح هذا الكاتب الشابّ هو في أن يكون أحد ورثة تجربة إبداعيّة ذاع صيتها في تونس، وهي تجربة الكاتب المبدع محمود المسعدي مؤلّف كتابين شهيرين هما: حدّث أبو هريرة قال والسدّ، ومجموعة من النّصوص القصيرة الأخرى. وهي كلّها نصوص سرديّة قد تشذّ في كثير من الأحيان عن الأساليب السّائدة ويصعب دائماً تصنيفها ضمن. خانة الأجناس الأدبيّة المعروفة وإذا كانت كلّها تعالج قضايا الإنسان المعاصر معالجة هي إلى الفلسفة اقرب، فإنّما تحتفي باللّغة والأسلوب إلى درجة أن استعمالات المسعدي المبتكرة أسّست نمطاً في الكتابة استقطب بعض المريدين والأنصار من الكتاب والشبّان يُعدّ صلاح الدّين بوجاه أحد المتحمّسين منهم. لقد كتب صلاح الدّين بوجاه إلى الآن أربعة نصوص روائيّة أوّلها مدوّنة الاعترافات والأسرار(4)، وآخرها رواية النخّاس(5)، موضوع حديثنا في هذا التّحليل. ومنذ الرّواية الأولى حدّد المؤلّف نهجه التّجريبي في الكتابة: فهو يطمح إلى صياغة "تجربة مضادّة للرّواية العربيّة الحديثة والوسيطة"(6).. ويزعم "افتتاح السّبيل أمام الرّوائيين العرب المؤمنين بالتّجريب باعتباره درباً نحو إمكان بناء ما اندكّ ورتق ما ترهّل" (7) ثمّ تحدّث عن أشكال التّشخيص في الفنّ الرّوائي، وأشدّها واقعيّة ذاك النّمط الّذي لا يدّعي بأيّ وجه من الوجوه دقّة فعليّةً في تصوير الواقع المرجعي الخارجي، أو على الأقلّ ـ ذاك الّذي يقرّ بامتلاكه لحدّ أدنى من تلك الدّقة في المحاكاة". ويشير إلى ما يُشبه التّشخيص الرّمزي الّذي يُحيلُ "على واقع روائيّ داخليّ صرفّ"، ويبني عالماً روائيّاً يُحيل على ذاته مُلتمساً جلّ عناصره من بناه الدّاخليّة، عندما "يُدّعي امتلاك أحداثه الخاصّة وشخصيّاته المتفرّدة". ثمّ يتحدّث عن ضرب ثالث من التّشخيص يسمه بالواقعيّة اللّغويّة عندما تُصبح الرّواية تشخيصاً لواقع "لغتنا الّتي نهوى ونعشق، هذه الّتي تسكننا ألماً جميلاً ونسغاً حلالاً يروي كرامة غدنا غوْصاً في تربة ماضيناً"(8).. في هذا النّهج الثالث يُدرج المؤلّف تجربته الرّوائيّة. فهو يبشِّر بكتابة رواية جديدة يسمّها بالرّواية اللّغوية ويعتبرها ـ في شيء من الادّعاء ـ "الوريث الموضوعي للرّوايّة الذّهنيّة والرّواية الواقعية في الآن ذاته، انطلاقاً من احتوائها لخصائص كلّ منهما وتجاوزهما معاً نحو عمق استقراء لغة وفكر وثقافة بأكملها.(9). إنّ هذه المقدّمة النظريّة للرّواية الأولى ذات أهميّة بالغة تُسهّل على القارئ المتمعّن فهمْ آليات الحكي وأهدافها في روايات صلاح الدّين بوجاه.. فقد سعى إلى تجسيد هذا الطموح في رواياته الأولى ولكنّه تبلّور في هذا العمل الجديد الموسوم بـ"النخّاس".. 2.2. ـ إنّ رواية النخّاس هي رواية التّجريب اللّغوي بمعناه الدّقيق، بطلُها كائن لغويّ ورقيّ هو السّارد الّذي لا نعرف عنه شيئاً كثيراً سوى أنّه كائن يعلم خفايا الصّدور، يروي لنا حكاية مركب بحريّ يعبر البحر المتوسّط، هو الكابو ـ بلا، ويحوي مجموعة من الشّخوص منهم: غابريلو، قائد السّفينة وهو رجلٌ غريب تعلّم في صباه العرافة والشعوذة وعلم الغيب (10)، ثمّ انتسب إلى مدرسة البحريّة، ورشّحته بعض حريفاته الأثيرات لخطّة غامضة فوق مركب مالطيّ حكوميّ، ثمّ تدرّج في الرّتب البحريّة حتّى فاجأ نوتية الكابو ـ بلا ذات صباح بدخوله الجنائزي البارد"، ليصبح قائد المركب (11)، وتاج الدّين فرحات، هذا الرّجل التونسي الّذي يسافر إلى إيطاليا ليتسلّم جائزة أدبيّة طالما حلم بها ولكنّه لن يظفر بها، تساوره، رغبة في التّنقيب والكشف قويّة تطوّح به بعيداً، تنتشله من ذاته انتشالاً كي يتلصّص على الأبواب، وأسْفل النوافذ الدّائريّة الصّغرى..(12).. ولورا ابنة القائد غابريلو وهي امرأة غريبة الأطوار ولكنّها لا تقلّ غرابة من امرأة قيروانيّة وهي شريفة الزواغي.. ثمّ جرجس القبطي بائع القطن... وشخوص آخرون يُبعثون من التّاريخ القديم وآخرون يُذكرون ذكراً عابراً أو في مقاطع قصيرة تجمعهم كلهم أحداث قليلة ولكّنها غريبة وغامضة غموض الشّخوص أنفسهم: فهذه تونسيذة تُقتل ويُرمى بها في البحر، وهذه مومياء تُكتشف في قاع السّفينة ثمّ تختفي، وهذا مخطوط يُسرق ويتلاشى متنقّلاً من يد إلى أخرى، وهذا مركب "الكابو ـ بلا" ـ تُنهكه أسراب سمك القرش، وهذا قائد المركب يرقص رقصته الجنونيّة على طريقة "زوربا اليوناني"، ثمّ يُلقي بنفسه في الماء فريسة طيّعة للقرش والوهم وخرافات السّبل التحتيّة، (13)، ثمّ في النّهاية يُرفع تاج الدين فرحات ـ النخّاس ـ من الكابو ـ بلا" وقد شوهد أسفل جبل المقطّم يحمل محفظة مخطوطاته على ظهره يكاد ينوء بحملها..(14)، إنّها لشخصيّات غريبة في بناءها وتركيبها تعيش وقائع لا تقلّ شذوذاً وغرابة وغموضاً.. ولعلّ أكثرها غرابة طبيعة الشّخصيّة الرّوائيّة ذاتها. فهذا تاج الدين فرحات، هذا الرّجل الغريب المتلصّص الّذي لا يمكن أن يشكّ أحد في أنّه شخصيّة روائيّة خياليّة، يحيل على الكاتب إحالة علنيّة صريحة، فهو مؤلّف كتاب "مدونة الاعترافات، والأسرار"... ونستشف ذلك من هذا المقطع السّرديّ: "ويقال إنّ النصّ مثبت في رواية له بعنوان: "مدونة الاعترافات والأسرار": حولي تحلّقوا وكونوا كثيرين/ ولتنصتوا إلى ما يُرد على لساني من فضل ومين وأحابيل/ ها هنا مستهل الحكايات جميعاً، فلتكونوا من الأمر على يقين"(15)، ومن يعود إلى الكتاب المذكور سيدرك أن الأشطر المتضمنّة قائمة فيه فعلاً. إضافة إلى ذلك يتعمّد المؤلّف تجسيد حضوره العلني من خلال بناء عالم فنطازي غامض في كثير من الأحيان، فلا الشخصيّات واضحة بما يكفي، ولا الأحداث تبلغ نهايتها ووضوحها، إنّها لعبة الإمكانيات العديدة والافتراضات الممكنة. ومع ذلك تظلّ الشخصيّات والأحداث الّتي تمارسها باهتة محدودة إزاء ذاك الكائن المستبدّ بالنصّ القائم به وهو السّارد. إنّه البطل الرّئيسي بدون منازع، وشخصيّته الرئيسيّة هي اللّغة، ليتحول النصّ الموسوم بـ "النخّاس إلى مهرجان للّغة تحوم حول ذاتها، شأن ـ الكابو بلا ـ المختالة عروس المتوسّط فتتيه الشّخصيات في مسارب الألفاظ وحلقات الكلم، يَطغى المجاز تعابير استعاريّة ("الجائزة تحلّ مئزرها وتدعو"(16)، وتشابيه مقصودة (لقد كان يجيد الانقضاض على الفريسة نظير أحد طيور السّاف المروّضة أو بعض صقور المرتفعات الغرانيطيّة الكثيرة المبثوثة في الرّيف الفرنسي" (17)، وتكلّفاً متعمّداً ("وقد يعلو غداً صوت بعض من يلزم الصّمت الآن ناقراً دُف الغيب موصداً بوّابات عالم السّهاد"(18)، وتراكيب جاهزة تتكرّر أكثر من مرّة واحدة كأنّ اللّغة تحوم حول ذاتها سجينة طقوسها (غبّ ليلة باردة/ غبّ رذاذ خفيف/ غبّ موسم حصاد ناجح/ غبّ عيشي/ الخشب والحديد والعناصر/ في وجه العناصر/ ويمسك بخصر العناصر/ تأخذ النّاس والأشياء والعنّاصر...")، وتنادِيَ ألفاظ (تراب/ وحلي ومعادن وبرديّ وخشب وفحم وطروس وألغاز، آبار، وحفر وأنفاق ودهاليز وأنهار سفليّة حارّة دافقة ونقوش وأختام وصناديق وتوابيت ومومياء")،(19)، وهل لذّة الحكي غير متعة، "تطحن ذاتها وترتدّ أواخرها إلى أوائلها فتستوي صفاءً صرفاً وخيراً جمّاً وفتنة آهلة"، (20)، وهل هناك متعة غير متعة اللّغة؟.. إنّها مستويات عديدة من الكلم تتجاوز حيناً وتتقاطع حيناً آخر، لغة تنفجر من التاريخ القديم تنشد العتاقة والقدم، حيّز لا يدرك منتهاه غير من طال رحيله طيّ المدوّنات، تقتفي الكتب العتيقة حيناً وترتدّ إلى تجلّياتها المعاصرة عبر كاتب فذّ أصبح سلطاناً على مؤلّف النخّاس كما كان معلّماً في مدوّنة الاعترافات والأسرار، إنّه محمود المسعدي الّذي يكاد ينطق في مقاطع سرديّة عديدة: "قالت به: ما سعيك إلى الفتق والرتق وأنت تبدو منكفئاً على نفسك مثل عميل سرّي، فقال لها كالوسنان يخذه الكرى: صدّى بعيد يسكنني ويثور في داخلي، يهتزّ طويلاً وتتصاخب أمواجه قبل أن أنصت إلى هدير الباطن"، (20)، ثمّ تنزل اللّغة من عليائها لتعانق تلك اللّهجة التونسيّة العتيقة كما صاغها شعراء الأغنية في تونس الأربعينات والخمسينات عبر أغان مضمّنة تعوّدتها الآذان والأسماع، ثمّ تخرج من جلدها تماماً لتستنجد بلغات شمال المتوسّط، إيطاليّة وفرنسية أدبيّة لشعراء معروفين مثل رامبو أو فرنسيّة موضوعة من تأليف الكاتب نفسه صلاح الدّين بوجّاه، تتقاطع مع لغة الضاد عبر أسلوب المعارضة أو التضمين، ومن خلال التعدّد اللّغوي تتواشج نصوص عديدة بعضها مُعلن صريح وبعضها مخفيّ، بعضها قديم عتيق، وبعضها الآخر حديث ومعاصر. وهكذا يتّضح لنا أنّ التّجريب في هذا النصّ الرّوائي هو تجريب لغويّ إذ يدخل الكاتب عبر سارده مغامرة اللّغة عبر منعرجاتها ونتوءاتها، إلى درجة أن النصّ أحياناً يتحوّل إلى سبر في أغوار مفردة من مفرداته، فيغوص المؤلّف في البحث عن مدلول مادة "نخس" مستنجداً بـ"لسان العرب" لابن منظور الإفريقي (22) وبذلك يتجلّى مفهوم التّجريب لدى الكاتب صلاح الدّين بوجاه في إثارة إشكاليّة التشّخيص، فلم تعدّ الرّواية تشخّص واقعاً اجتماعياً موصوفاً بل أضحى همّها تشخيص اللّغة والمكتوب بدرجة أساسيّة. ولذا تتنادى النّصوص: سفينة جبرا وغرفه الخزي، وحدّث أبو هريرة قال للمسعدي، وكتاب التجلّيات لجمال الغيطاني، ولسان العرب لابن منظور، وأزاهير الشر لبودلير، وأغاني الصّادق ثريّا، وكتاب المستجاد في أخبار الجموع والآحاد، إنّها لقطيعة إذن مع المرجعيّة الاجتماعيّة والتّاريخيّة لتنشأ مرجعيّة جديدة، وهي المرجعيّة النصيّة، ليُحيل النصّ على النصّ وتستنجد اللّغة باللّغة وتؤكّد ذاتها بذاتها وتكتفي بها. 3 ـ في التجريب الرمزي: 3. 1. "عين الفرس" للميلودي شغموم: ولكن تجلّيات التجريب في الرواية العربية الحديثة متنوعة وعديدة. فهذه الرواية للكاتب المغربي الميلودي شغموم والموسومة بـ "عين الفرس"(23)، تضعنا منذ البداية أمام حيرة كبرى تتعلق بطبيعة هذا العمل الرّوائي: فهل نحن إزاء خرافة من الخرافات الشائعة عندنا، أم أننا إزاء قصة من قصص الخيال العلمي، أم أننا كذلك إزاء قصة واقعية؟.. إنّ الرّواية عبر فصولها تؤكد أي مشروع من هذه المشاريع في القراءة وتبطله في الوقت نفسه. فالعنوان أولاً عنوان مثير، فعين الفرس في البداية استعارية لفظية لأحد مكتشفات عصرنا، وهو مضخم الصوت الذي يستعمله هذا الحاكي (السارد) محمد بن شهرزاد الأعور وهو يمسك "برأس الحية" كناية عن الحكاية، وبالتالي ستجسد "عين الفرس" سلطة الحكي. ثم "عين الفرس"، هي هذه المدينة الخيالية التي جرت فيها أحداث حكاية السارد:"هذه يا مولاي هي الحكاية التي وقعت في تلك المدينة البعيدة جداً عن إمارتكم" (24)، لكن الأحداث تكشف أن "عين الفرس" مدينة الحكاية، هي مدينة قائمة في الواقع ينفي إليها الحاكي أو السارد، وتكشف أن أحداث الخيال هي أحداث الواقع: "وها أنت ترى يا سيدي أن هذه الحكاية حكاية عين الفرس، وربما بفضل الصدفة كما أظن وربما بفضل شيء يجري على الدوام، ويوجد لها مكان لم أكن أعرفه إلا أنّا ولا أنت ولا الأمير نفسه"(25)، تقوم الرواية في الواقع على حكايتين: 1 ـ حكاية السّارد مع الأميرال أبي السعد بنسعيد الذي يصرّ على أن يؤدي وظيفته وهي وظيفة الحكي في جزء أول، ثم ما لحق السّارد بعدما استمع الأميرال إلى الحكاية. 2 ـ الحكاية المضمنة، وهي حكاية مدينة "عين الفرس" التي رواها محمد بن شهرزاد الأعور، والحكايتان فيهما من العجب الشيء الكثير. فالحكاية الأولى (حكاية السّارد مع الأميرال) تحدث التباساً كبيراً بالنسبة إلى القارئ لغرابة أحداثها وغرابة الإطار العامّ الّذي جرت فيه هذه الأحداث. فالوقائع الغريبة (هكذا وصفها السّارد)، تبدو من زاويةٍ وقائع خرافيّة: فنحن من ناحية إزاء سارد متزهّد في الحياة اعتكف مدّة عام في بيته، مكثراً من الصّلاة والصّيام والتأمّل في أحوال العمران وتبدّل بنيانه وفي أصل الطبيعة وألوانه، منتظراً أن يلقى الله والجسد قد خفت أدرانه، عاملاً على استخلاص العبرة من متاعبه وإخفاقاته وأحزانه(24)، ونحن من ناحية أخرى إزاء أميرال يعيش بين "غلمانه ومؤنسيه من شعراء مهرّجين وعلماء" حياة الأمراء في العصور الخوالي. لكنّ الإطار العامّ يوحي بالواقع المعيش: فالعصر هو عصر مضخمّات الصوت، وعصر الاستعانة بالمهندسين الرّوس(25)، غير أنّ زمن الوقائع يذهب أبعد من ذلك، فالأحداث تجري سنة 2081، ولكنّها لا تأخذ شيئاً من الخيال العلمي. والحكاية الثّانية هي الحكاية الموضوع، تلك الّتي رواها السّارد هذا الكائن الخرافي الّذي يعيش ويموت ويعيش من جديد، وسمعها الأميرال وبقيّة النّاس، فيها كما يقول السّارد شيء من الصّدق أو الغرابة أو الكذب... فقد روّج حميد ولد العوجة ـ بعد تجربة غريبة عندما أراد أن يبلغ سفينة راسية في البحر وتراءت له أشعّة وتبادرت إليه أصوات، لكن مصدر الأصوات والأشعّة على البعد نفسه من عينيه وأذنيه (26)، ـ أنّه توجد في البحر أطنان من البسطيلة اللّذيذة الّتي تكفي لإطعام عين الفرس عاماً على الأقل"(27)، وأنّ الصيادين الأمريكيين يصطادون السّمك والحوت باللحم المشوي(28). وعندئذ غرق الصيادون في البحر طمعاً في المشويّ الّذي تُلقي به السّفينة الأمريكيّة. والحكاية لا تحسم الأمر، ذلك أنّها تجعل القارئ يتردّد في تفسير طبيعة الحدث. إنّ هذا التردّد يصبح في الرّواية من المعاني الأساسيّة. فالسّارد يقول: "والتاريخ أقول إنّي كثيراً ما طرحت على نفسي هذا السّؤال الّذي طرحه منْ قبل أولئك الأبطال الضحايا، ما الواقع وما اللاواقع؟ ما المعقول وما اللامعقول؟ من يعرف الحدود الدّقيقة الفاصلة بين هذا الزّوج من الحدود؟"..(31)، ويقول أيضاً: "لم يعدالواقع واقعاً، زالت نشوة الحكاية، ولا المعقول معقولاً، إذا انفلت مني خيط الحكاية، فما يجري في ما نسمّيه الواقع لم يكن كذلك، وما يجري في ذهني لم يكن معقولاً. العقل صار ممزقاً، والواقع أصبح مفككاً. 2.2 ـ أبواب المدينة "لإلياس خوري": قال الملك: عندما ـ بعد موتي ـ يأتي طائر غريب ويحوم سبع مرّات فوق القبر، فأعلموا أنّ مرضاً خطيراً سينتشر في المدينة ويقتل الجميع. وعندما يموت الجميع سيأتي ملك من بلاد بعيدة ويركب البحر ويهدم الأسوار. إنّه الملك الّذي لا أعرفه، ولكنّي انتظرته وها أنا أموت ولن يأتي إلاّ بعد موتي(32)، هذا هوملخّص حكاية أبواب المدينة لإلياس خوري. فالرّجل الغريب، وهو الشّخصيّة المحوريّة في الرّواية يأتي مدينة عجيبة على طريقة الخرافة:"لكنّه يذكر أنّها قالت إنّها ستفتح له الباب وعليه أن يدخل، لكنّها رفضت أن تدخل معه، تدخل أنت أوّلاً ثمّ حين تصل إلى وسط المدينة سوف ترى باباً من النصب، تدخل دون أن تقرع الباب وهناك تجدني في انتظارك"(33) ويعيّن فيها أحداثاً هي إلى الخوارق أقرب، وتختلط فيها الحقيقة بالحلم: "هكذا حُلم، أنّه حين يصل إلى تلك المدينة البعيدة يأتي من سيمسك بيده ويدخله حماماً من الرّفاه والدّفء(34)، لكنّ الحلم لا يفسّر العجيب ولا يضع حدّاً فاصلاً بينه وبين حكاية الخوارق، بلْ يعمّق اللبس في ذهن المتلّقي ويؤكّد أنّنا فعلاً إزاء حكاية عجائبيّة، وهذه مظاهرها: فعلى مستوى المكان نحن في مدينة عجيبة ذات أسوار عارية وعالية وذات أبواب حديديّة، والشّوارع فيها تقود إلى شوارع، والأزقّة تنتهي إلى أزقّة، ساحتها بيضاء، وتُرابها أبيض وسماؤها بيضاء، وفي السّاحة تابوت داخله جُثة من الحجر. والزّمان مُطلق سرمديٍّ، حيث تختفي أيّة إشارة لها صلةً بالتّاريخ. وأمّا الشخصيّات فهي: سارد غريب الأطوار يصعب حصر علاقته بالشخصيّة المركزيّة الرّاوي يروي الذي رآه، والرّواي يشهد على الّذي شهده، والشّاهد يموت كما تموت الضحايا، والشاّهد لا يعرف أكثر من أسوار وأبواب. وعيون تحترق فيها الأيدي، وأيد تمتّد إلى حيث العيون المحترقة، والّذي شهد يكتب عن عينيه ويمشي إلى جانب الرّجل الّذي مشى ولا يتركه وحيداً ولا يكون إلاّ حيث وجد نفسه: (35)، ورجل غريب هكذا يصفه السّارد في الرّواية ـ هي محور الوقائع والأحداث ينتقل من وضعيّة غريبة إلى أخرى، وتختلط لديه الحقيقة بالحلم والكابوس.. ورجل شيخ يشبه الأجداد وهو الذي يدّل الغرباء على ساحة المدينة، ولكنّه لا يقل غرابة إذ لم يكن له عينان وهو ذو جبين عريض مُلئَ بالشعر الأبيض ووجه يغيب خلف خطوط داكنة وشعر خفيف يزنّرُ الوجه ويتناثر كالهواء (36)، و"سبع نساء يظهرن الواحدة تلو الأخرى إحداهن عذراء ولها ثلاث بنات، والأخرى لا يخرج الكلام من فمها بل من بطنها... وجثّة ملك في تابوت، تتحوّل إلى كائن حيّ، فالملك النّائم منذ سنوات لا تُحصى ينهض في اللّيل ويمشي في الطّرقات الترابيّة"(37).. والأحداث بدورها لا تقلّ غرابة عن الشّخوص: فالملك أوصى أن تختار المدينة سبع عذارى ينتحبن على قبره، وحين تموت إحداهن تُدفن إلى جانبه وتُستبدل بعذراء جديدة(38)، والقمر يختار امرأة كلّ ثلاث سنوات ويسمح لها أن تأتي مع الرّجل إلى بيتها ليوم وليلة، وإذا هرب الثّعبان ستموت المدينة، وإذا ماتت المدينة يتهدّم قبر الملك، وإذا تهدّم القبر انتهى كُلّ شيء (39)، ثمّ في النّهاية الطوفان الّذي ينهض ويدمّر كلّ شيء(40). إنّ جماليّة التّجريب الرّمزي هي جماليّة التعامل مع العجيب. ولعلّ أبسط تعريف للعجائبي يتمثّل في أنّه يبدو في شكل فضيحة أو تمزّق أو ولوج عنيف يكاد يكون غير محتمل في العالم الواقعي. وعندما نتأمّل في هاتين الروايتين نلاحظ أنّهما تستجيبان إلى حدّ بعيد إلى هذا التّعريف، فحكاية السّارد محمد بن شهرزاد الأعور في علاقتها بمدينة "عين الفرس"، مولجة في العالم الواقعي الّذي يعيش فيه الأميرال أبو السّعد بن سعيد إيلاجاً عجائبيّاً تمّ داخل الحكاية ذاتها. وهناك عالم واقعي هو عالم الصيّادين في هذه المدينة، غير أنّ طريقة اختفائهم وعلاقتها باللّحم المشويّ والسّفينة الأمريكيّة وحياة السّارد أثناء نفيه إلى المدينة هي من باب العجائبي. لكنّ رواية أبواب المدينة تعرض تجربة من نوع خاصّ فالحكاية كلّها من باب العجائبي، فإذا استثنينا بعض العبارات الّتي وردت في مدخل الرّواية (مبتدأ) والّتي تهيّئ الواقع للدخول في العجائبي: "لم يرو قصّته لأحد، لم يكن يعرف أنّه قصّة تُروى، كان يعتقد، كان يؤمن كما نؤمن نحن وكان كما كان الجميع ولكنّه لم يخبر أحداً (41)، أو اعتبرنا علاقة الحكاية بالمتلقّي، فإنّه فيمكن أن نقول إنّها تعنيف للقارئ يكسر الشرعيّة اليوميّة الواقعيّة والولوج المفاجئ في مافوق الطبيعة بدون سابق إعلام. بيد أن الإشكال يتمثّل في الحدّ الفاصل بين العجائبي والأجناس المجاورة. إنّ سلّم الأجناس المتعاملة مع مافوق الطبيعية في السّرد هي كما حدّدها بعض علماء الأدب: الغريب البَحْت/ العجائبي الخارق/ الخارق البحت. والعجائبي البحت، هو هذا الحدّ الفاصّل الغريب، والعجائبي الخارق. وإذا أردنا أن نجسّد هذا الحدّ الفاصل، فإنّنا لن نجد أفضل من العبارة التّالية: "إنّ الفنّ العجائبي يعرف كيف يبقى في الالتباس".. اعتماداً على هذا المفهوم لا نجد في رواية أبواب المدينة أي إشارة سرديّة تضع حدّاً فاصلاً للأحداث الّتي تخرق الطبيعة، فالسّارد ينهي أحداثه وهو يوهم القارئ بأنّها وقعت فعلاً. ولذلك فهي أقرب إلى حكاية الخوارق منها إلى الحكاية العجيبة رغم توفّر شرط يعتبره جُلّ النقّاد أساسياً في الحكاية العجائبيّة، وهو معنى الخوف، فالرّواية فعلاً هي لعبٌ بالخوف: "لكنّ الرّجل الّذي أمضى تلك الأيّام الطويلة، وهو يبحث عن المدينة شعر بالخوف/ شعر الرّجل الغريب بالخوف/ قال إنّه يخاف/ شعر الرّجل الغريب بتعب ينحدر على ظهره. هل أنا خائف؟ ولماذا أخاف؟.. ولكنّ رواية عين الفرس تظلّ نموذجاً أقرب إلى الحكاية العجائبيّة، فباستثناء إشارة زمنيّة وحيدة في مستهلّ الرّواية تجعل من السّارد شخصيّة أسطورية عاشت الأزمنة الثلاثة، وذكر أن هذه الأحداث وقعت في زمان غير زماننا، فإن النسيج الحدثي يُبقي إلى النهاية هذا اللبس المتعلق بطبيعة الأحداث الروائية. وهذا يعني في نهاية الأمر أنّ الرّوائيّ العربيّ لا ينشغل انشغالاً كبيراً بطبيعة الجنس الحكائي وبكل هذه التفاصيل المتعلقة بالمفاهيم. بل إن ما يعنيه أساساً هو طبيعة الحدث الذي يخرق عالمنا ويشرخ الواقع مهما كان الجنس الذي ينتمي إليه. فاستعمالنا لمفهوم العجائبي يجب أن يظل استعمالاً مرناً يقصد به أساساً كل حدث روائي يكون بمثابة القطيعة مع العالم المعترف به، وبمثابة بروز مفاجئ لما لا يمكن قبوله في قلب الشرعية اليومية التي لا تتغير. 4 ـ التجريب والصحافة: "ذات" لصنع الله إبراهيم: تستمد رواية (ذات) لصنع الله إبراهيم (42)، حداثتها من نزعتها التجريبية التي تطرح من جديد إشكالية التمثيل وطبيعة الجنس الأدبي. ولاشك أن المتتبع لأعمال صنع الله إبراهيم منذ صدور الرواية الأولى الّتي كتبها: تلك الرائحة، إلى بقية الرّوايات الّتي تلاحق (نجمة أغسطس، واللجنة وبيروت بيروت)، يدرك بجلاء هذه النزّعة المتواصلة إلى خلخلة البنى السّردية السّائدة في الرّواية العربيّة وزعزعة طقوس التلقي التقليدية التي ربطت القارئ العربي بالرواية العربية زمناً طويلاً. يكمن البعد التجريبي في "ذات" في هذه المفارقة العجيبة بين نمطين من الخطاب: خطاب توثيقي صحفي يعتمد الأسلوب المباشر، ويخلو تماماً من أي نزعة سردية يمكن أن تلحقه بخطاب السرد عامة، وخطاب سردي روائي يعيد هذا المؤلف إلىجنسه الأصلي وهو الرواية. النمط الأول هو مجموعة من العناوين والمقاطع والصور المجتثّة من الصّحف المصريّة القوميّة منها والمعارضة، وهي تحتلّ في النصّ الروائيّ حيّزاً واسعاً يبلغ 141 صفحة من 350 صفحة أي 9 فصول من 19 فصلاً هي جملة الفصول التي تقوم عليها هذه الرّواية، وقد نبّه النَّاشِر إلى هذه المقاطع الإعلامية بقوله: "الوقائع الواردة في بعض فصول هذه الرّواية منقولة عن الصّحف المصريّة القوميّة منها والمعارضة ولم يُقصد بإعادة نشرها تأكيد صحّتها أو المساس بمن تناولتهم، وإنّما قصد به المؤلّف أو يعكس الجوّ الإعلامي العامّ الّذي أحاط بمصائر شخصيّاته وأثّر فيهم". إنّ التجربّة ما قبل الأخيرة في مؤلّفات صنع الله إبراهيم "ذات" تكتسي أهميتها في أنّ خطاب الوثيقة لا علاقة بنائيّة له بالنص الحكائي. إضافة إلى أنّه يخلو تماماً من وظائفه السّردية العامّة وصفاً وحكاية، إذ لا نعثر علىعلامات بنائيّة تحيل الواحد على الآخر. فإذا كان النصّ الحكائي بمثابة سيرة امرأة تُدعى "ذات" وتجسّد من خلالها مجموعة من الأفعال اليوميّة في البيت أو في مقرّ العمل ولكنّها ترصد تحوّلاً جذريّاً في حياتها من مرحلة التحرّر والميني جوب وعشق عبد النّاصر إلى مرحلة الحجاب، وتثلّج العواطف الإنسانيّة وخروج العفاريت والجري وراء المواد الاستهلاكية، فإنّ النص الوثائقيّ حشدّ لمجموعة من التصريحات والإعلانات والأخبار تتعلّق أساساً بشخصيّات سياسيّة في الدّولة تُذكر بأسمائها، وتتعلّق بمؤسّسات حكوميّة وأخرى تابعة للقطاع الخاص. ولئن تقاطع النصّ مع النصّ الحكائي، فإنّه يقوم بذاته، إذ استطاع الكاتب أن ينتقي مادته الإعلامية وأن يركبّها تركيباً فنياً خاصّاً يمنحها دلالتها العميقة. فالخبر يناقض الخبر، والصّورة تدعّم المقطع الإعلامي، والتعليق الصحفي يفنّد الإعلان، وهكذا دواليك. فيتحوّل النصّ الوثائقي إلى خطاب حياديّ في ظاهره، مثقّل بذاته، إذ يغيب السّارد ليجد القارئ نفسه في مواجهة نتف ممّا نُشر في الصّحافة الرسميّة والمعارضة لا علاقة بنائية لها بالنصّ الحكائيّ أي قصّة "ذات" لكن العلاقة تبدو في مستوى الدّلالة، فإذا غاب السّارد في النصّ الوثائقي فإنّه حاضر في النصّ السّرديّ، ويتجلّى حضوره المهيمن من خلال الرؤية من الخلف الّتي يتبنّاها في كامل النصّ، وكذلك من خلال تدخّله التبريري المباشر لسلوك الشخصيّة المركزيّة "ذات" وبقيّة الشخصيّات المتّصلة بها. يعتبر هذا النصّ مغامرة روائية جديدة تخرج على الأنماط السرديّة السّائدة وتؤكّد أن الإبدّاع تجاوز مستمرّ ورفض للنّمط، إنّها تجريبية نصيّة تشخّص الصّورة والكلمة الإعلاميّة، إنّه خطاب إعلاميّ يدنو من الواقع ويشخّصه الرّوائي: فإذا كان نصف الأثر أو دونه بقليل نصّاً وثائقياً يبلغ فيه السّرد درجة الصفر، فإلى أيّ حدّ يمكن في الواقع أن نعتبر هذا النصّ رواية؟ (43)... خاتمة: هكذا نلاحظ، أن التّجريب في الرّواية العربيّة ألوان، وأن لغته ألسنة عديدة، ولكن غايته واحدة. فهي تملّص من التشّخيص الوصفي، وإقرار بأنّ الواقع أضحى زئبقاً يصعب مسكه، وأن الثّوابت انهارت، والقاعدة الأيديولوجيّة الّتي كثيراً ما كانت قاعاً للنّصوص السرديّة العربيّة تلاشت، ولذلك لابدّ من البحث عن لغة جديدة يتعامل عبرها الرّوائيّ العربيّ الحديث مع الواقع الجديد. إنّ التّجريب إذن هو هذه الرّاوية بحث عن هذه اللّغة الجديدة، وإنّ التشّخيص النصيّ، والتشّخيص اللّغوي والتشّخيص الرّمزي (العجب) هي هذه اللّغة الجديدة، وهي في الوقت نفسه من تجليات التجريب في الرّواية الحديثة تعكس أزمنة الرّوائي العربي في تعامله مع الواقع الجديد المتغيّر بسرعة مذهلة منذ نهاية الثمانينات في هذا القرن المحتضر. فالعجائبي، على سبيل المثال، ظاهرة حديثة في الرّواية العربيّة، إذ لم نلمح تجلّياته بصفة واضحة في أعمال الروّاد، ولا في أعمال الأجيال اللاحقة إلى حدود نهاية الستينات... في حين أنّ الرّواية العجائبيّة في أوروبا ارتبط ظهورها بالرّومانسيّة على أساس أنّها كانت بمثابة الاحتجاج على العقل. إنّ العجيب في الرّواية العربيّة الحديثة يطرح مسألة التّجاوز في مستوى التشّخيص، فمن سمات الرّواية التقليدية أنّها تشخص لكائن خارج النصّ.. في حين أنّ العجيب لا يشخّص واقعاً خارج اللّغة. ولذلك فالعجيب يوفّر إمكانيّة خلخلة التشخيص التقليدي ويسعى إلى تحرير الرواية العربيّة من أسر العلاقة التقليدية بين الأدب والواقع ومن قواعد إحالة الأوّل على الثّاني وكذلك من الفهم التقليدي للعمل الفنّي، وهي الغاية ذاتها الّتي يرمي إليها التجريب اللغوي، وقد كان صلاح الدين بوجاه كما أسلفنا واعياً عميقاً بهذه الغائية الجديدة... إنّ التّجريب في النّهاية سعي دؤوب في مسارب جديدة لم تطأها قدم، وهو تجاوز مستمرّ للقاعدة والقانون، وهو مخرج الرّواية العربيّة الجدية من ترهلها، ولكنّه في الوقت نفسه يعكس حيرة تعاملها مع واقعها في زمن انهيار الثّوابت. ـ من خلال ما تقدّم يتبيّن لنا إذن أنّ للتّشخيص في الرّواية العربيّة الحديثة اتّجاهات عديدة لم تكن متبلورة تبلوراً واضحاً في النّصف الأوّل من هذا القرن ولا في السنوات القليلة الّتي لحقته. ونحن إذ سعينا إلى رصدها من خلال نماذج محدودة فلكي نؤكد ثراء التّجربة الرّوائيّة الحديثة وتنوّع مسالكها، ومع ذلك فإنّ مثل هذا المبحث في الرّواية الحديثة يثير مجموعة من المسائل: 1 ـ إن المسألة الأولى تتعلّق بمشروعيّه المبحث في حدّ ذاته. فنحن نعتقد أنّ التّشخيص هو عنصر أساسيّ من عناصر شعريّة النصّ الروائي، فالرّواية لا تكون رواية إذا لم تكن تشخيصاً لكائن خارج عنها، ولذلك فهي تشخّص أكثر ممّا تعبّر ومنذ القدم امتدح أفلاطون هوميروس في الإلياذة لأنّه يشخّص الوقائع والأحداث أكثر ممّا يحاكيها(39).. وقد لاحظنا أنّ بعض نقّاد الرّواية المحدثين يهتمّون بجلّ العناصر الشّكليّة الّتي تقوم عليها الرّواية ولكنّهم يهملون هذا المبحث... 2 ـ بيد أنّنا عندما نتأمّل النّصوص الإبداعيّة، وما يصحبها أحياناً من تصريحات كتابها ومواقفهم من أبرز القضايا الفنيّة المطروحة عليهم، قلّما نجد موقفاً واضحاً من مسألة التّشخيص إذا ما قارنا ذلك ببعض الحركات الأدبيّة في أوروبا الحديثة إذ تكثر التّعليقات النّقديّة المتّصلة بموضوع التّشخيص تبريراً لتلك الأشكال الرّوائيّة الجديدة، وكثيراً ما يكتفي المبدعون والنقّاد باستعمال مصطلح "واقعيّة جديدة" تنبيهاً إلى نقلة نوعيّة مرّت بها الرّواية العربيّة منذ تجربة نجيب محفوظ في بداية الستينات بدون تحديد طبيعة هذه الواقعية الجديدة في مستوى علاقتها بالتّشخيص وهذا يعني أنّ إشكالية التّشخيص قائمة ولكنّها ليست واضحة فهي لا تعدو أن تكون وعياً بضرورة التّجاوز دون أن يتحوّل إلى صراع فني معلن بين القديم والحديث. 3 ـ وما يؤكّد هذه الملاحظة تعايش أشكال التّشخيص في الرّواية العربيّة الحديثة لدى الكاتب الواحد والرواية الواحدة أحياناً فقد لاحظنا أنّ رواية "ذات" لصنع الله إبراهيم تقوم فنيّاً على تقاطع شكلين من التشخيص: التشخيص الوصفي من خلال: حكاية امرأة "ذات" وعبر متابعة مراحل حياتها ورصد مجموعة من الأفعال اليوميّة الّتي تمارسها والتّشخيص النصّي من خلال تلك المقاطع الصّحفيّة الّتي تشخّص بدورها الحياة العامّة في مصر، وقد لاحظنا الأمر ذاته في رواية "نجمة أغسطس".. الّتي تقوم في نفس الوقت على تشخيص الواقع والمكتوب.. وهذا يعني في نهاية الأمر أنّ التشخيص لعبة فنية بالنسبة إلى الكاتب العربي أكثر من كونه رؤية فنية واعية تتصل بفلسفة الكتابة. فهي تندرج في إطار عمليّة التّجريب وترمي إلى كسر الكتابة النمطيّة.. 4 ـ وللتّشخيص اتّصال وثيق بحداثة النصّ الرّوائي، فعلاقة النصّ بالمادة المشخّصة تنعكس على البناء العامّ للرّواية، فقد اقترن تجاوز التّشخيص التقليدي بنزعة تجديديّة واضحة، أقلّ ما فيها تجاوز الحبكة التقليديّة وأدواتها الفنيّة وكسر النمطيّة سعياً إلى التجربة الخاصّة. 5 ـ ومع ذلك فإنّ "النصّ الدنيويّ" يظلّ في الرّواية العربيّة سيّد النّصوص المشخّصة، ذلك أنّ الواقع العربيّ المتقلّب بتناقضاته الاجتماعيّة، يظلّ دائماً مادّة ثريّة يسعى الرّوائي العربي إلى تشخيصها، وإلى إبراز مقدرته الفنيّة داخل التشخيص التقليدي.. وأخيراً، لقد حاولنا من خلال هذه الدّراسة أن نؤكّد أنّ نوع التّشخيص، يحدّد أسلوب السّرد. إنّ صورة العالم المشخّص تتّصل اتّصالاً وثيقاً ببنية الشّخوص و صورة المكان وكيفيّة التعامل مع الزّمن والآليات المختلفة الّتي يستخدمها السّارد في عرض مسروده وهذا يعني أنّ لكل نمط من أنماط التّشخيص في الرّواية العربية الحديثة إنشائيّته الخاصّة وقد حاولنا أن نبرز الكثير من مظاهر تجلّياتها في هذه الدراسة. إنّ تنوّع أساليب التّشخيص يؤكّد أن الرّواية العربية الحديثة نشأت رواية تجريبيّة. فقد كانت طيلة القرن الماضي أقدر الأجناس الأدبيّة على الانتقال السّريع من أسلوب إلى آخر، وعلى استيعاب أساليب التّحديث الّتي عرفتها الرواية العالميّة وعلى معايشة الحداثة وتجسيدها. ** الإحالات: (1) ـ الآن روب غربية: من أجل رواية جديدة. (2) ـ ناتالي ساروت: عهد الريبة. (3) ـ انظر الأدب التجريبي، لعزّ الدّين المدني. (4) ـ سيراس للنشر للجنوب، تونس 1995، (5) ـ سيراس للنشر للجنوب، تونس 1995، (واقرأ تحليلاً ثانياً لهذه الرواية بقلم صبري حافظ، في هذا العدد ـ الآداب). (6) ـ م.ن.ص11 (7) ـ م.ن.ص14 (8) ـ م.ن.ص14-15 (9) ـ م.ن.ص16 (10) ـ انظر النخاس، ص 24. (11) ـ انظر م.ن.ص36 (12) ـ انظر م.ن.ص17 (13) ـ انظر م.ن.ص140 (14) ـ انظر م.ن.ص148 (15) ـ انظر م.ن.ص129 (16) ـ انظر م.ن.ص20 (17) ـ انظر م.ن.ص35 (18) ـانظر م.ن.ص42 (19) ـ انظر م.ن.ص91 (20) ـ انظر م.ن.ص75 (21) ـ انظر م.ن.ص80 ـ اقرأ مثلاً الفصل الموسوم بـ "ذكر امرأة عرفها النخاس في صباه"، فهو يحيل مباشرة على بعض المقاطع السردية في حدث أبو هريرة قال. (22) ـ انظر م.ن.ص142-143 (23) ـ دار الأمان، ط1، 1988. (24) ـ عين الفرس، ص 34. (25) ـ انظر م.ن.ص6 (26) ـ انظر م.ن.ص9 (27) ـ انظر م.ن.ص17 (28) ـ انظر م.ن.ص20 (29) ـ انظر م.ن.ص29 (30) ـ انظر م.ن.ص59 (31) ـ عين الفرس: ص 59. (32) ـ أبواب المدينة، دار الآداب، بيروت، ص 88. (33) ـ انظر م.ن.ص13 (34) ـ انظر م.ن.ص12 (35) ـ انظر م.ن.ص8 (36) ـانظر م.ن.ص22 (37) ـ انظر م.ن.ص101 (38) ـ انظر م.ن.ص28 (39) ـانظر م.ن.ص81 (40) ـ انظر م.ن.ص109 (41) ـ انظر م.ن.ص6 (42) ـ دار المستقبل العربي، 1992. (43) ـ لمزيد التعمق راجع كتابنا في نظرية الرواية، دار سيراس للنشر، 1996. (44) ـ انظر الجمهورية، الكتاب الثالث، تعريب عبد الرحمن بدوي، الهيأة المصرية العامة للتأليف، 1985- 260-262. *** |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |