إشكالية الواقع والتحولات الجديدة في الرواية العربية دراسة وعي مجادلة الواقع متغيراته، وتقنيات البنية - د.دريد يحيى الخواجة

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ليلى عثمان التقاليد الظالمة، وظلمة المرأة الظالمة،

والقهر، والقتل، والرغبات المحمومة،‏

والتحدي داخل مكان مغلق.‏

في رواية: "المرأة والقطة" لـ "ليلى عثمان"(i)‏

* مدخل:‏

تجسد رواية: (المرأة والقطة)، للكاتبة الكويتية: "ليلى عثمان"، صورة عذاب مرير، احتل معظم مساحتها (سالم) عندما كان طفلاً ثم زوجاً. وشاركه في لوينات معاناته أمه، والقطة:"دانة"، وزوجته:"حصة". وقد رسمت صورة هذا العذاب بالمخالب... وشرر العينين الأحمر... وبالحنجرة الغاضبة... والصعقات المفاجئة، وبنبضات طير ليلي خائف بسبب (عمته)، التي كانت تجد لذة في الضغط بقوة على ألوان الأسود والأحمر والأصفر في تلك الصورة، لا تدع فرجة، ولو ضيقة، من بياض، بل كانت تدمج بين هذا اللون أوذاك بريشة ساحرة شريرة، تتشكل بها مع ذيفان السم والحقد والضغينة والكراهية ألوان مرعبة تترك في النفس انطباعات مؤثرة عنيفة.‏

* ضوء على الفكرة والشخصيات:‏

فكرة الرواية تصدم مشاعرنا بماتحركه من أبعاد نفسية وجنسية، ومن جرأة في الطرح. إنها رصد حي لأسرة خليجية اندحر فيها رب الأسرة ضعيفاً، متخاذلاً أمام أخته عمة "سالم" التي أدارت مصائر أفراد الأسرة على هواها وتحت تأثير عقدتها النفسية إذ لم تتزوج والتي أورثتها عقدتها الجنسية إذ لم تحب أو تشارك رجلاً في الفراش، وبسبب سوء أخلاقها، ورغباتها المريضة في حب السيطرة، حتى لو وصلت إلى حد ارتكاب جريمة.‏

وهناك أم سالم المسالمة، المنسحبة، التي سمحت لظلم زوجها أن يطلقها دون ذنب منفذاً رغبة أخته التي لا تطيق أن ترى الحب والوفاق يستظل بهما بيت.‏

ثم الأب الذي يبدو لا حول له ولا قوة تنازعه شخصيتان: شخصية الإنسان لا يرضى بالذل والظلم لكن لا يستطيع شيئاً لنفسه ولغيره، وهي شخصية باهتة تظهر بعض كلمات التعاطف أو قلة الحيلة أو كلمات العذر بين يدي أخته... "ودافع أبي بتردد: - لماذا تكرهك؟- راجعي معاملتك الخشنة معها.ص18". و"هذا الصغير.. هل يتربى يتيماً بلا ذنب. ص20".‏

وفي موقع التعاطف نقرأ:"وماذا في ذلك؟ أليست أمه ومن حقها أن تراه؟ص26". وفي مجال تهيبه من العمة التي اغتالت لديه بوادر عدم الرضى أقوال صريحة: "حاول أبي محاورتها... لكن صوت عمتي الشرس الرافض لكل خير علا على صوت أبي، فأخرسته... كان ضعفه أكبر منه. ص 27". هذا الضعف تلبس الشخصية الثانية التي احتوت الأولى وقبرت ملامحها وخنقت الإنسان المسؤول فيه، وليس لدينا الكثير أو مايكفي مسوغاً للصعق والوجل:" هي أكبر منه بسنوات كثيرة. ربته منذ توفي جدي وجدتي...ص27".‏

ثم نفاجأ في أطراف صراع الأسرة بين الخير والشر بشخصية: "دانة" القطة الجميلة المدللة..."الصديق والحبيب ص 16 "لسالم الصغير. وهي شخصية لا تقل أهمية وخطورة في صياغة الأحداث وتأليب مواجع الصراع وشحنه طوال الرواية عن بقية الشخصيات بل تأتي في الدرجة الثانية بعد سالم لأنها كانت تتبادل المواقع مع الشخصيات عند التذكر، وتترك ظلال مقتلها الشنيع في فتحة المرحاض من طرف العمة على نفس سالم، فنادراً ما ذكرت إلا مع "أمه" أو"حصة" ولا تذكران إلا معها على الغالب: "كان وجه دانة أول وجه أحبه بعد وجه أمي... صار مرتعاً لطفولتي... يا حصة اهربي لا تكوني جبانة كدانة..."، ص47.‏

إن دانة تعني بعض أوجه الحرمان: "أبي الذي حرمني وجه أمي، وحرمني مدرستي، وحرمني دانة. ص102".، وتعني الطفولة المشوهة عندما تفقد عزيزاً رفيقاً:" عمتي التي أكلت لحم طفولتي فشوهت نفسي- ص102". كما تعني التفهم، والترفق بضعفه، والحنو، حين بادلها مع نفسه:"مسحت على جسدها مرات ومرات وهي تلعق نفسها، عيناها لم تفارقا عيني... فيهما شكر... وامتنان... فيهما نظرة حانية ترحم ضعفي كتلك النظرة التي أهديتها إلى أبي يوم جاءت أمي. ص32". وإن دانة كانت محركاً تفجيرياً وراء مشاعرإنسانية متنوعة لدى سالم وصاغت محور عقدته النفسية عندما لم يستطع أن يفض بكارة حصة. فمن هذه المشاعر الإنسانية: "كنت لا أجرؤ بعد دفن دانة حيّة بالمرحاض على الجلوس إليه. كنت أتصور أن دانة الميتة لن تستفيق إلا إذا شمت رائحة برازي كي تعاتبني عندما يسقط على وجهها الجميل، فتشردتُ في الحارات... وعلى أسطح البيوت المهجورة لأتخلص من فضلاتي..ص46".‏

وكذلك إضرابه عن الطعام:"لا أريد أن آكل.. لا أريد أن أدخل المرحاض.ص90". ومعاناته عذاب الفراق:"لقد عذبني فراقها.. لقد قتلتها عمتي.ص90". وإدانته للقتل، عملاً غير إنساني وغير مشروع يقف ضد الحياة والحب، أراد مقاومته بكل حرارة وتدفق إنساني وهو يحمي حصة منه في مرحلة المواجهة القاسية مع أبيه وعمته وإن لم يستطع منع يده القاسية ولغته التي لا ترحم: "نعم كنتُ أحميها... كنت لا أنام خشية أن تمتد يد أبي الذي هددني.. أو يد عمتي التي لا ترحم.. فتنام عيون حصة إلى الأبد...ص116". من يحب لا يقتل، ومثلما أحب دانة أحب حصة:‏

"حصة مهجتي... حبيبتي وحياتي.. فكيف أقتل حياتي.ص9". لا...لا... أنا لم أقتلها.. لم أقتل دانة.. فكيف أقتل حصة. ص132".‏

أما الإحباط الجنسي عند سالم الذي أورثه العُنَّة فسببه "دانة" التي انشغل بمراقبتها ذات يوم وهي مستسلمة لهر يدخل فيها، ثم تجيء العمة فتمزق التحام الاثنين بعد أن: "سحبتني عمتي.. رفعتني عن الأرض وحدفتني.ص36- 37".....‏

"فصلتهما بعنف... شيء ما تطاير حتى وصل إلى وجهي الرابض فوق عنقي مشلولاً من الخوف... وفاحت رائحة العشق والتهبت نار في فؤادي... لقد أطفأت عمتي نار دانة قبل أن ينتهي الزيت! هل ياترى سيضيء مرة أخرى". إن الجملة الأخيرة تضي مستقبله الجنسي أيضاً، حيث قتلت فيه هذا الشيء الرائع مع ما قتلته، وبوحشيتها ابتلعت عنده متعة اللحظة، أخمدت شيئاً في داخله، كانت حصة زوجة توقظه آنات ثم يعود مطفأ كما أطفأت العمة نار دانه والهر عندما فصلتهما بعنف ووحشية. ثمة أيضاً أسباب أخرى لهذه العنة تنسج عجزه وتكسر قلعة تمثلها الضغوطات النفسية، والرغبات المكبوتة وفقدان الآمال في الأسرة، وصرخات العمة المتجبرة التي أوهنت أعصابه، أفقدته الثقة في نفسه، واستكثار السعادة على نفسه، قتلت فيه الفرح أو الرغبة، وتعطل الشوق إلى المرأة التي يبادلها مع دانة خوفاً على مصير مشابه، وكذلك خوفاً على الهر الذي كان يبادله مع نفسه في أحيان "تنتصب مشاعري بتوق لاحتضان جسد دانة أمامي... أنا الهر... الليل الصامت".‏

"إن لحظة امتزاج دانة بالهر لا تزال تثير قشعريرة داخل أوصالي كلما تذكرتها.. كان شعوراً فيه مزيج من اللذة، والدهشة، والتساؤل... لكن لحظة الانفصال قتلت دهشتي... وانتفاضة حواسي، دوري يجيء الآن... سأكون أنا الهر... وحصة ستكون دانة ص64"، كما كان سالم يبادل الهر مع الرجال: لماذا أبحث عن هرة الجيران؟ ص90"، الخوف انسحب على كل ذكر يقترب من أنثى. والجلاد ينتظر أن يرى لحظة عناق بين اثنين يولد لهفةعلى المصير ورهبة عاتية من الموت وفقدان للثقة والأمان:" هل أرحب بالعطر؟... بالعروس التي تختارها عمتي؟ هل آمن إليها وهي التي أفقدتني كل ثقة بأنها تملك قلباً آدمياً؟... هل حقاً سَتُهديني عمتي حصة ثم لا تحاول أن تخلعها من أرضي كما خلعت من قبلها أمي.. وقطتي دانة؟... اعترتني لهفة لرائحة الأنثى... وريح خوف تهب تحجب الرائحة وتنذر بريح ساخنة... قد تجلدني... وتجلد الفتاة.... تماماً كما يجلدني هذا الليل الطويل.... ص61". في "سالم" شيء من دانة، وشيء من الهر، وبينهما لحظة الحياة التي تنغل فيها لحظة الموت، لأن الانفصال بينهما مستحيل، والعمة تنتظر اتصالهما حتى تقطع الشرايين بينهما:"لوكانت تعرف كم تكره عمتي عناق الأجساد الدافئة حباً واشتهاءً، لوكانت تعرف كل هذا.. هل كانت تستسلم للهر الزائر الذي بحث عن جسدها المتفتح الجائع.ص46". إن تمازج اللحظتين قطع لحظة الحب عند سالم، وتضادَّت عنده الاندفاعة مع العجز، لنقرأ تصوير مثل هذا التمازج:"حصة أمامي قلعة بريئة محصنّة... انتظرت أن يأتي فارسها... وأنا الفارس... وهذه القلعة الشهية ملكي... تثير كل الشوق الرابض... قفزت إلى السور.. صورة دانة تقفز... تخطيت المسافات والفواصل برفق.. دانة كانت تقطع المسافات.. هرعت إلى الباب الموصد لأعبر الدهليز... وحصة مستسلمة تماماً كاستسلام دانة للهر... وأنا هرُّ حصة.. يدفعني الشوق للحظة التمازج تلك التي جمعت الهر بدانة.. أبدأ... الرعشة اللذيذة تخترق المفاصل كلها.. وحين اقتربت من باب القلعة... صرخ من حولي شيء!.. أحسستُ يداً قوية تشدني.. تفصلني عن حصة.. تتعطل أطرافي... أصاب بشلل.ص70".‏

** سالم:‏

ونصل بعد ذلك إلى شخصية سالم التي تحدثنا عن كثير من جوانبها خلال الحديث عن بقية الشخصيات. وهذا شيء طبيعي لأن في سالم آثارَهَا جميعاً. إنه ضعيف، مريض النفس، عانى من القهر والرعب وفقدان الحماية والحب والحنان والظلم والضرب:"العصا كانت تهتز في وجهي وصوت عمتي يتوعد:- ياويلك من هذه العصا... ستأكل من جسدك كما أكلت جسد قطتك النجسة.ص30". كانت الأقوى، امتدت مخالبها تشدُّ على أذني بلا رحمة.. تسحبني على غرفتي وهناك... انهالت على جسدي النحيل بكفها العريض حتى خمدت مقاومتي... ص 37". ويبلغ القسر مداه حين لا يكفي العمة الضرب، بل لم تغادر الصغير"، حتى تأكدت من أنني قد ابتلعت دموعي ص37". فلا تترك له فرصة التنفيس عن أوجاعه التي ألمت به. إن عمر طفولة سالم مليء بالتهديد الموجه إليه "ياويلك مني. هل فهمت... ص 30". وإلى غيره ممن أحبهم، إلى أمه:"اذهبي إلى زوجك الآخر أيتها المزواجة، ولو جئت ثانية فلن تكون نهايتك إلا على يدي! ورفعت مخالبها في وجه أمي ص25". وامتلأ بالحرمان حتى من أبيه الذي يعيش معه في بيت واحد: "كان موجوداً.. لكن حنانه غائب... لم يكن قادراً على أن يعوضني شيئاً... كان كلما اقترب ليعانقني أو يداعبني تصرخ فيه عمتي: لا تفسد الولد بهذا الدلال. ص23". ولم يكن بمقدور سالم أن ينفرد بأبيه:"هل يجب أن آخذ رأيها قبل مجالسة أبي.ص65". ولا أن يتعزّى بلقاء أمه المطلقة:"كنتُ محروماً حتى من زيارة أمي.ص23".‏

وعانى سالم من الانفراد والإبعاد ومن الملاحقة حتى غدت عمته كابوساً يجثم على صدره صغيراً أو كبيراً:"وجه عمتي يلاحقني هنا، في السجن. وفي المستشفى. هذه الماردة! كيف قتلت قطتي؟ ثم قتلت حصة؟ص29".‏

كما أن هزات نفسية تصل إلى درجة الشدة النفسية تركت بصماتها على تكوينه النفسي بسبب المناظر المرعبة التي ثقبت حواسه وداخله لأنها ضد عواطفه أو مشاعره أو رغباته أو ما ينحصر في اهتماماته أو يتعلق بمن يأنس به أو يحبه أو تربطه به الحياة.‏

هاهي ذي العمة تكره فسحة دانة اليومية..."تبرّح جسدها تبريحاً بلا أدنى رحمة.. حتى تكسرت ضلوعها.. وسال لعابها مضرجاً بالدم... واعتلى ثغرها المجروح زبد ورديّ. تنهدت عمتي وهي ترى القطة ذائبة مفروشة على الأرض... كان الشرر لا يزال يسكن وجهها حين لمحتني قابعاً أنظر إليها مرتعداً.. اقتربت مني.. رفعت العصا في وجهي... وقد تلطخت بدم دانة، فتمنيتُ لو كان بمقدوري أن أجمع دمها نقطة نقطة وأعيده إلى شرايينها.ص30".‏

وهاهي ذي تسحب عباءة أمه البالية التي جاءت تصله بعد فراق: "كنت وأمي في لقاء محموم... نلتحم.. وننسى أن المخالب التي فتحت الباب قد تبعت أمي... و... اقتربت.. لتبتر اللحظة بحدة وقسوة. ص24". وحتى الليل الذي هو لباس الناس كان غصة في فؤاده وقلبه وهو يسمع إلى بكاء أبيه: "لكن بكاء أبي في الليل كان يسري مع النسمة الآتية من السطح إلى فراشي الممدود بقرب عمتي ذات المخالب... فأتذكر أمي... أحس طعم قبلتها يوقظ حنيني.. ويوقظ ثورتي على أبي... هذا الضعيف المستسلم ص22".‏

والحوش في البيت كان صورة من الظلال المؤسية المرعبة، بما جرى فيه من حوادث، وحيث يرقد جده وجدته في قبريهما بعد أن ماتا حرقاً، أيضاً هناك المفاجآت التي كان يتعرض لها في سلوك حصة زوجته بعد أن أخذ يشك في أمرها، ولاحظ (المرتفع) في بطنها، والخوف المستطيل المتنامي على قتل حصة "يتكرر الخوف.. وتصرُّ الصورة أن تأتيني كل ليلة ص86".‏

كل ذلك ولّد عنده حقداً كبيراً على عمته وأبيه أدى إلى ثورته عليهما في نهاية الأمر وتحديهما، لكنهما انتصرا عليه وقتلت حصة وانتقل هو إلى السجن ثم إلى مستشفى الأمراض النفسية والعصبية للراحة والمعالجة ص10".ومن ثم استنطاقه.‏

** حصــــة:‏

وآخر هذه الشخصيات هي (حصة) التي هي صورة عن أمه بسلوكها وتصرفاتها ويختلف وضعها بحماية سالم لها ووقوفه في وجه عمته وأبيه اللذين نجحا في النهاية بقتلها وإلحاق التهمة به.‏

وعلى الرغم من أن العمة هي التي اختارت حصة وخطبتها له لتكسر رجولته، مثلما أرادت أن تكسر شوكة حصة منذ البداية بعد أن اختارتها صغيرة تربيها على يدها، وهي بحاجة لمن يساعدها في البيت، إلا أنّها سرعان ما انقلبت عليها، لأنها لن ترضى "أن تشرق الشمس على أفق اثنين ص60". وخلعتها من أرضه كما خلعت من قبل أمه. كان سالم يعشق حصة وقد بدأت تعوضه عن تعسه، لكن العمة لا تريد أن ترى لحظة عشق مستمرة، وتساءل:"هل هذا هو العشق الذي حرمت منه عمتي لبشاعتها وشرها؟ هل هو نفسه الذي عاشته أمي وحرمتها عمتي منه ص36". كانت حصة مثل الأرض الذائبة.. "مستسلمة حزينة تضربها الفأس بعنف لكنها لا تصل القرار الذي تريد ص 72". تعوضه عن دانة:"صارت ليالينا مبهجة أستعيد فيها ذكريات دانة ص 73"، وفي رطوبة جسدها شيء يذكرني دائماً بلحظة انتعاش دانة ص73".، كما عوضته عن أمه: "أدنو من حصة، يدها الرطبة تندس في كفي.. ألثم رائحة الحناء في يد أمي.. أشم يدها... ص 119". وكان هذا التعويض ينحو منحى ارتياب لولا اعتبار ذلك الجفاف في عاطفة الأمومة لديه وفي جدب الحنان، وادقاع الطفولة التي لم تبتل بصدر أم ترعى وتمسح الآلام...‏

"دسست وجهي ففاحت رائحة عذبة ذكرتني برائحة أمي، حنان يفوح ص68".‏

إن حصة غدت بالنسبة إليه مدينة أحلامه وخلاصه "هذه المدينة التي أكور نفسي قربها كل ليلة يائساً ص 89". وحصة تألقت في تضحيتها وصبرها "لأجلك يا سالم... أحتمل كل شيء ص 76". لكن إحساسه بضعفه إذا لم يجعلها أنثى حقيقية زاد من عدم قدرته على مواجهة عمته، وبالتالي زاد من معاناته وخوفه من اقتحام مدينته من قبل غرباء.‏

*** ضوء على أبعاد الصراع:‏

* طرفا الصراع:‏

* هناك طرفان في الصراع:‏

طرف العمة التي تطوي تحت لوائها الأب بالرغم عنه أحياناً أو بإرادته أحياناً أخرى التي لا تخلو من أثر هيمنة العمة أيضاً، وهو طرف يمثل الشر، والعدوانية، والتسلط، والتحكم بالأقدار والظروف، والجريمة، والخوف، والملاحقة، وإحصاء الأنفاس، والسجن داخل سور البيت... وباختصار إلغاء الآخر أو القضاء عليه حتى ليغدو الإنسان مجرد صرصار زاحف: "صرت صرصاراً يدفن نفسه في الشق... أذرع حوش البيت... عيناي لا تفارقان باب غرفتي... وفي الليل أغلق بالمفتاح .. أدسه في جيبي.. ثم أبقى عند الباب متكوماً أخشى أن يندس أبي أو عمتي من الثقب ص 111". لذلك تكررت صفة شيطان وصف بها الأب وهو يواجه تهمة مشاركة حصة الفعل!.. "ابن شيطان رجيم ص 95"، الشيطان في بيتنا يا أبي ص 95"، وُصفت به العمة أيضاً: لاشيء يصعب على عمتي... كأن الله قد خلقها فقط لتلاحق خلقه... وتستبد بهم.. شيطان كانت.. وما أسوأ الشياطين...ص 56".‏

وطرف ثانٍ يمثله:سالم، والأم، ودانة، وحصة، يبين عليه الضعف والذلة حتى لا يجرؤ سالم أن يشتم عمته في سره: "إنني عندما حاولت أن أشتمها.. تصورت أنها سوف تسمع شتيمتي من داخل صدري وتنقض علي ص 54". وسالم أشفق على ضعفه مثلما أشفق على ضعف حصة:"يحب حصة.. ويحب ثمرتها.. يحب ضعفها.. يحب بؤسها.. يحب وجهها المذلل بين يدي الصمت ص 119". غير أن هذا الضعف مقابل القوة لم يكن عند سالم كما عند بقية الشخصيات التي تمثل جميعاً: "الأنثى" بل اتخذ صراعاً مع الطرف المقابل على (صعيد النفس) حيث يستنكر ويرفض دون تصريح في المرحلة الأولى من المعاناة، وعلى (صعيد الموضوع)، الذي يمثله الطرف القوي المستبد في المرحلة الثانية وحتى حصة كان يظهر منها بعض الأحيان مايدل على الرغبة في المواجهة وحماية النفس: "هدأتني حصة: - لا تخف.. لن تمسني يد عمتك.. أنا لست قطة! ص85". لا تخشَ شيئاً.. لن يفرقنا شيء.. ص 85". لكن هذه الرغبة ليست معلنة، وكلماتها إنما هي محاولة لتخفيف آلام الشكوك في رأس سالم، لأن القبضة الحديدية تبقى السائدة في الصراع:"وفجأة تصمت.. كأنها تخشى أن تتسرب رنة الضحكة إلى الساحرة فتأتي وتنقض على سعادتنا ص80". وتبقى حصة الزوجة نعجة وديعة تظل رقبتها دائماً تحت سكين الجزار.‏

** أما أبعاد الصراع فهي:‏

* البعد النفسي:‏

تبدى هذا البعد في ما يعانيه سالم من آلام وردود فعل تجاه ما يلحق به من ضرر نفسي وفي محاولة الضغط على الداخل حتى يتجمع ويكبر فيه الألم فيصل إلى درجة الغليان والثورة. إنه صراع نفسي ظهر في نفوره من عمته ومن أبيه بل وفي التخطيط للمواجهة والتحدي على الرغم من مظاهر الخنوع والخضوع لهما، ظهر ذلك عندما أخرج سالم من المدرسة: "ولكن: هل أستسلم؟ لقد تولعت بالمدرسة وبعلومها... وقررت أن أتحداها.. على أن يكون التحدي سرياً.. قلت في نفسي: أكسب بعض الرضى.. وأفعل ما أريد وقد فعلت ص55". وظهر هذا البعد في التمسك برغبات النفس وأشواقها وميلها إلى من تحب، فلم تستطع العمة اقتلاع حبه لأمه أو لحصة أو لدانة. والبعد النفسي في الصراع ظلَّ في (المرحلة الأولى) في مسارب غير مباشرة وغير مصرحة، لأنه لم يقو بعد على المواجهة المباشرة ولم يشتد فهو يعرف أن عمته: "تسحق شجاعتي" أفهم بسرعة وتنمو الكلمات في ذاكرتي.. وتمتد الجمل... ولا تدري عمتي بالخط المستقيم الذي بدأ يشق القنوات داخل عقلي ويقوم أفكاري ص56". والطرف المقابل المتمثل بالعمة لاحظ ذلك: "وقد لاحظتْ بأن الشوكة التي كسرتها بدأت تنتصب رويداً رويداً وبدا شبابي يطفح أمامها حيوية ص56". أما البعد النفسي في (المرحلة الثانية) مرحلة التعدي المباشر، فقد ظلت نفسه شلال حزن منهمراً، وبقيت أشجار العذاب، وبقي مغلولاً بأمور نفسية لم يتخلص من دبابيس التصدي مثل ضعفه الجنسي، وأثر عذاب حصة فيه، شكه في أبيه، شكه في عمته أنها تحوك له شركاً أو فعلة شنيعة، أثر الثمرة التي تكبر مثلما يكبر الهم ويدفعه أبوه إلى قطفها..، لكنه مع ذلك، لم يستسلم لنفسه التي تنبت فيها الأزهار. جابه قوة الطرف المقابل بقوة مماثلة: "واقتحمت باب غرفته... قوة هائلة نبتت في كل أوصالي وأنا أواجهه بسؤالي: من تظنه فعل هذا ياأبي؟ ص90".‏

وفي مواجهة أخرى مع عمته: "أصرّت بعنف: طلقها... رُدّها لبيت أهلها الفاجرة. رددت عليها بعزم: لا.. لن أطلقها.. أنا لا أستطيع الابتعاد عنها لحظة. ص92".‏

ورداً على قذف العمة حصة بالفسق، قال سالم: "لم تكوني أقل فسقاً منها في أحلامك.. ونواياك. - لقد نبتتْ لك أظافر... - نعم.. وستطول لتعوض ذل السنوات الماضية. وارتدت عمتي... كانت لها نظرة مغلولة.. لاتستطيع أن تغرسها. ص93".‏

*البعد الاجتماعي:‏

يظهر هذا البعد في دفاع طرف سالم عن (الأنثى) الضعيفة التي لاحول لها ولاقوة. فالأم لم تستطع أن تفعل شيئاً من أجل ولدها أو زوجها، تركت ولدها وأصبحت غريبة عنه في عرف العمة ووفقاً لتقاليد الأسرة فهو ابن أبيه والأم: "جرّة أفرغت ماءها" ويجب أن ينبتّ عنها وتنبتّ عنه، لكن الطفل يهرب إلى أمه خلسة متحدياً أوامر العمة التي وسمتها بالمزواجة والتي ترى بأن أمه لاتملك أدنى حق في رؤيته أو السؤال عنه، بل لاتجد حرجاً في أن ترفسها وتلذ بعذابها وتلقي ملابسها وراءها.‏

إن العمة تمثل سلطة بدائية مارسها كبير السن في الأسرة القديمة، وتعد نفسها بديلة رب الأسرة القديم الذي لايقبل مناقشة في آرائه، ولا أن يجري شيء في ممتلكاته دون علمه ولا أن يسلبه أحد صولته ومركزيته: "هل أستطيع أن أخفي شيئاً عن عيني عمتي وكل شبر في البيت ملك لها! وهل تهجر عمتي ممتلكاتها ولاتتفقدها بين الحين والآخر. ص40". لذلك ضاقت حتى بدانة داخل البيت، وقتلتها في قسوة حين هوت بها إلى فتحة المرحاض الضيقة، ولذلك خاطبت سالماً في حقد: "ولو تركتها فستملأ علينا البيت. ص40". ولعل مثل هذه النظرة هي التي دفعت العمة إلى أن تجبر الأب على طلاق زوجاته الثلاث حتى لاتكبر الأسرة، وتملأ البيت، وتفقد زمام الأمور أو يثقل عليها ألا تراه ممتلئاً بها وحدها.‏

مثل هذه النظرة أيضاً أخفت نقمتها على لحظة العشق والحب التي ترجع إلى قبحها، وعدم زواجها، وغيرتها وشعورها بالنقص الاجتماعي حيث لم تكن موضع اهتمام، أو مثار إعجاب ولم تنجب، كما ترجع إلى تعويضها بامتلاك البيت ومن فيه.‏

وهذا الأب رجل لايمتلك أدنى حد من الرجولة، ترى ما السبب؟ أيمكن لرجل مهما بلغت حالته أن يخضع للعمة بهذا الشكل، أن يخضع للتقاليد الاجتماعية المتمثلة فيها حتى لو كانت تكبره وربته؟ أليس في الأمر سرّ؟ ولكن أين يكمن ذلك السر؟. أين يعمل؟ ومانوع عمله؟ لم تكشف لنا الكاتبة ذلك ولم تشر أبداً إلى مهنة ما يمكن أن نستشف منها موقفاً.‏

إن العمة بما هي عليه من شخصية متشعبة لم تسمح بزواج الأب من جديد وإن سمحت له أن يذهب في بعض الليالي وتطول غيبته. ص65"، فهي لن تقبل "امرأة أخرى في هذا البيت. ص58"، ولكنها سعت إلى صغيرة لأنها "بحاجة إلى من يساعدني. ص59"، ويمكن كسر شوكتها: "آه ياعمتي.. كم من الأشواك كسرت.. وأعجب كيف لم تجرحك الأشواك. ص58- 59". لكن حصة بقيت امتداداً لدانة والأم، وإذا كانت العمة نالت من الأم ومن دانة ولكنها لم تنل من حصة إلا بعد صراع مكشوف زلزل البيت من تحت أقدامها: "لكن الحياة تغيرت في البيت... وعود النخل الأخضر صار مليئاً بالشوك.. عمتي تتحاشى مجرد النظر إلى وجهي.. لم تعد تكلم حصة ولا تأمرها.. وأبي صار يتجاهل وجودي. ص101".‏

صحيح أن القتل وقع على حصة في النهاية من طرف العمة، لكن التحقيق كشف الحقيقة، وسوف يدفع الطرف القاتل الثمن. إن حصة، ودانة، والأم رمز لكل أنثى خليجية وقع عليها الضيم فحرمت من ممارسة حقها في الحب، والحياة، في ظروف اجتماعية عادلة.‏

*البعد الإنساني:‏

**الجفاف الإنساني:‏

انطوى هذا البعد الإنساني على جفاف إنساني في العمة، وتغطيته أو تغليفه أو سجنه أو عدم الاهتمام به بنقله إلى حيز الممارسة والمبادرة عند الأب الجبان، فهي لاتستطيع أن تفهم - إنسانياً- علاقة سالم بأمه، ولاعلاقته بحصة، ولاعلاقته بدانة، وبالتالي علاقة كل هؤلاء بسالم: "حرمتني من أمي.. يتمتني ولم أكن بعد قد نهلت من حنانها إلا القليل.. ثم حرمتني من دانة وقد كانت مؤنسي ورفيقتي في يُتمي... ثم صكَّت أبواب الحياة في وجهي حين حرمتني من المدرسة. ص53".‏

إن العمة لاتعرف مثل هذه المشاعر الإنسانية تجاه القطة: - دانة- "كان أول شيء تعلمته اسمها. فنقشته على جدار البيت، ورسمت ذيلها.. وعينيها.. لقد خشيت أن أرسمها كلها فتذبح عمتي صورتها كما ذبحتها.. ص56".. كما لاتقدر العمة معنى أن تحرم الزوج من زوجته حتى لو بكاها ليلاً، ولامعنى أن تقتل القطة قتلاً غير إنساني بعد أن تحجر قلبها، ولا أن تحرض سالم على قتل زوجته ومن ثم شد الحبل بيدها على عنقها. والأب ضغط على مشاعره الإنسانية تجاه ولده، وتجاه قطته وتجاه زوجته وعاش لنفسه وأرخى الحبل لأخته ولم يتردد في حث ابنه على قتل زوجته عندما اتهمت بالفسق. وهنا يتبدى الصراع برفض الابن سالم لهذا الطلب: "وإذا بأبي يفاجئني: اقتلها ياسالم. ورفضت: لن أفعل. ص97". ويتوهج موقفه الإنساني في تسويغ عدم القتل: "لا.. لن أقتل امرأة قبرت فيها عجزي.. وخوفي.. ومتاعب السنوات.. فاحتملت بذل وصبر.. وأحبتني. ص91".‏

** الخروج على التقليد في الظلم الأسري:‏

* المرأة ظالمة المرأة:‏

إن مايلفت النظر في هذا الصراع داخل فكرة تدين الظلم الأسري، هو أن تكون (المرأة) ظالمة (المرأة)، والرجل إما هو ضعيف، محيد، كما هو الأب، وإما هو يتقاوى، ويقوى بعد ذلك كما هو سالم.‏

* الدلالة الفكرية:‏

لماذا فعلت الكاتبة ذلك؟ هل أرادت من ذلك أن تخرج من إطار الفكرة التقليدية المتمثلة في ظلم الرجل للمرأة في الأسرة! وأن ثمة امرأة تظلم امرأة، وتظلم رجلاً، وتظلم أسرة كاملة. هل أرادت أن توجه عدسة فكرتها إلى أوضاع أخرى من هذا الظلم، وتفضح موقعه الاجتماعي، وتكشف عن بؤر التناقضات التي تعيش فيها الأسرة العربية نتيجة تخلف الوعي الاجتماعي الذي يرسخ علاقات تسيء إلى الإنسان وتدمر حياته وحياة من حوله، أم أن ذلك، إشارة إلى أن المرأة يجب أن تصحح نفسها أولاً قبل أن تطلب من غيرها أن يفعل ذلك وإلى أن المبادرة بيدها أولاً وآخراً، فلا شيء يهدى لها بل تناله بنفسها، وتأخذه، بجسارتها وتحديها، والقبض على زمام الأمور. هل حالة العمة في رواية: "المرأة والقطة" حالة استثنائية لايمكن أن نسحبها على مجتمع الكويت أو الخليج أو الوطن العربي، وهل غدا الرجل مظلوماً إلى الدرجة التي بات معها ضرورياً توجيه النقد الاجتماعي إلى المرأة؟ مهما يكن الجواب، فإنه من خلال هذا الوضع الاجتماعي المشوه نلاحظ إدراكين:‏

1) إدراك متخلف يتمثل في سلطة العمة وجبروتها، وفي الأب المشتت المسلوب الإرادة، وهو (إدراك قاهر) بأثره على من حوله.‏

2) إدراك يعي عذابه ولكنه إما عاجز عن التخطي ويتمثل في الأم وحصة وإما محاولة تجاوز العلاقة الأبوية الظالمة المحكومة عليه اجتماعياً. وهو (إدراك مقهور).‏

وعلى الرغم من محاولة الإدراك القاهر تصفية سالم روحياً بقتل كل شيء فيه ينبض بالحياة وبقتل من أحب جسدياً أو معنوياً إلا أن هذا القتل ما كان إلا تحدياً "للمتلقي" الذي استمع إلى شهادة سالم واعترافاته عبر الطبيب، والذي ينتظر منه إنصاف هذا الإدراك المقهور واتخاذ موقف اجتماعي وإنساني منه موقف معاضد.‏

** أضواء على الحبكة:‏

*الخطف خلفاً وغيابات المشاعر:‏

استخدمت الكاتبة ليلى عثمان طريقة الخطف خلفاً لعرض أحداثها وانطلقت من النهاية حيث تم ارتكاب جريمة قتل "حصة" التي بقيت غامضة بالنسبة إلى القارئ ثم جرى القبض على سالم الذي نقل من السجن إلى مستشفى الأمراض النفسية بعد أن انهارت نفسه وجسده أمام المحقق. وعبر تصورات البطل وذكرياته سارت بنا الأحداث من البداية إلى النهاية. وقد ساعدت هذه الطريقة على تشويق القارئ وانشداده بانفصال البطل عن الواقع عندما كان يغيب عنه بنفسه أو بإبرة المخدر في حين يتهامى اللاوعي عنده بكل مايمزق روحه ونفسه ومايتشابك في أعماقه من مآس وذكريات وتفاصيل دقيقة عن مرحلة الطفولة والشباب.‏

إن رواية ليلى عثمان "المرأة والقطة" رواية نفسية مثل رواية (السراب) لنجيب محفوظ وهي (رواية جريمة) أيضاً، واختيار هذه الطريقة جعل السيطرة في يد الكاتبة التي كانت تقدم لنا شيئاً من الأحداث، والتصوير وسبر أعماق الشخصيات، والمآلات التي أدت إلى الجريمة. تمنع استمرار الأحداث لاستراحة قصيرة حيث يجري تعمية أبعاد بعض الجوانب المتعلقة بالشخصيات أو بوقفة متأملة مع الطبيب يلقي على الأحداث بعض الأضواء من خلال حواره مع سالم المستفيق من غيابات مشاعره وذكرياته كما في الفصل الثامن، ثم تبدأ من جديد لعبة شد الأحداث. ولأن طريقة الخطف خلفاً وظفت في السينما، فإنها استفادت من بعض تقنياتها في عرض أحداث الحبكة حيث فتت الرواية إلى مجموعة حوادث وأحوال في مشاهد تدع القارئ يقوم بتركيبها، كما ساعدت على الانتقال من مشهد إلى مشهد ومن صورة إلى صورة. وكانت تركز العدسة ببطء والاقتراب شيئاً بعد شيء من نفسية سالم خصوصاً بطل الرواية ومن حصة بعده وقصرت في استبطان عميق لبقية الشخصيات تفسر أحوالها ومواقفها.. استبطان ينسجم مع فسحة الرواية، وإن حاول الحوار أن يعوض بعض هذا التقصير. كانت العدسة تكشف عما يحاول المرء أن يستره في جرأة، وتسلط الضوء على معاناة البطل النفسية والجسدية في آن.‏

**ثنائية الحوار والنجوى الذاتية:‏

وعلى الرغم من التركيز أحياناً على حوار المشاعر بكيفية صامتة تجاه حصة على الخصوص، فإن الكاتبة كانت تلجأ إلى رسم أفق من الذكريات والأحلام والتصورات وأحاديث النفس تضمنها في سياق المشهد الصامت حتى يخيل للمرء أنه سيلتقط أقل نأمة تصدر من أحدهما نتيجة ما يجري وراء العيون ومايستند تحت طبقات الوعي... وهنا يظهر الحوار مع حصة ليكشف بعض ما يعتمل في النفس ويؤكده أو ينتقل المشهد عبر السرد إلى تذكر حوارات مع غيرها أو مواقف تعمق السياق ليعود سالم من جديد إلى نجواه الذاتية.." وألتصق بها.. أمسح دمعها أرى البراءة كلها مفروشة على وجهها.. يثور السؤال على لساني: "من ياحصة فعل هذا؟" لكنني أبتلع السؤال.. لا أريد أن أعذبها.. وهل يهم من يكون... لكنها تتوسل:‏

- ارحمني ياسالم.. ارحم أباك.. وارحم نفسك.. طلقني أو اقتلني..‏

- مستحيل ياحصة أن أمسك بسوء.. إياك أن تقولي هذا ثانية..‏

وتصمت صمتاً حاداً. لا أقدر على كسره..آه لو تقول..لو تتكلم..لو تريح الصراخ في رأسي: هل معقول أن تخدعني حصة؟ من ذا الذي رآها؟ وأين؟ إنني آخذها بنفسي لأمها مرة كل شهر.. تبقى هناك ولاتخرج.. أجيء بها بنفسي.. رأسها لايرتفع، وعيناها أبداً لاتريان غيري..إذن؟ كيف انغرست البذرة؟.وكيف ارتفع التل الصغير؟ كيف..وكيف. ويحتد الصراخ..الخ ص100".‏

*تقنية السينما وحركة آلة التصوير:‏

والكاتبة في الرواية لم تستعمل طريقة واحدة في عرض حبكتها التي بنيت بناء حديثاً على طريقة توظيف "تقنية" السينما وحركة آلة التصوير المتسللة إلى العتمات!.. كما قلت سابقاً، بل نوعت بهذه الطرق التي أفادت عملية التوصيل والتأثير، وهذا هو المهم، فليس الغاية في التعدد، وإنما في كل ماينفع في التوظيف الفني فهي إلى جانب استخدام الطريقة الحديثة شكلاً من أشكال عرض الأحداث حيث يتم تصوير البطل من داخله وتُداخِلُ في (الأزمنة) في كثير من الأحيان، حيث تنقل اعتمالات الذات وأحاديثها وتصوراتها وتعليقاتها وتحدياتها من الماضي إلى الحاضر وحتى إلى المستقبل الذي لايريد أن يراه سالم أو يعيشه لأنه فقد أسبابه ومسوغاته بموت حصة "لامستقبل لي دون حصة لقد انتهيت ص14". كانت تُداخل أيضاً في (الأمكنة) فالانتقالات غدت يسيرة تتبع تداخل الأزمنة أو تنتقل خارج السور في أحيان قليلة وخاصة في الفصول الأخيرة حيث الانتقال إلى بيت الأم والسوق، لكن على الأغلب ظلت الأحداث تتحرك داخل سور البيت، وانتقالات الزمن تتصل بمواقفه وتحركاته وخاصة الأحداث التي جرت في الحوش: "المسألة تحتاج إلى جرأة.. إنها المرة الأولى التي أفكر فيها بأن أختلي بأبي.. لأحدثه.. فكيف إذا كانت لحظة يُثار فيها موضوع من هذا النوع؟ وعمتي: هل تترك لي فرصة كهذه؟ هل يجب أن آخذ رأيها قبل مجالسة أبي؟ ماذا أقول لها؟ هل أعترف بأنني أريده أن يعلمني كيف ألامس جسد حصة؟ وقررت أن أعتمد على الصدفة.. وما أقل الصدف التي كنت أجد فيها أبي جالساً وحده في غرفته التي لم أفكر يوماً أن أطرق بابها.. لكن الأمر اليوم مختلف. هناك دنيا جديدة مطلوب مني أن أدخلها بعد أسابيع وأنا أجهل حدودها تماماً، فقط.. أرسم لها الأحلام، صار وجه حصة أولها.. وكأني بها سأصير قوة تتحدى الظلم والذل.. ورغم الحلم الباسم كان يرزح كصخرة فهل أستطيع أن أزيحها.. أن أفتت قساوتها بقدم. إن الخوف شيء رهيب.. مقاومته صعبة.. وعمتي علمتني أن أخاف دائماً منها.. فكيف لا أخاف الآن وهي تهديني حصة؟ صار خوفي مزدوجاً... خوف على نفسي وخوف على حصة ص65".‏

*الترجمة الذاتية:‏

وطريقة الترجمة الذاتية تركت الفرصة للبطل في أن يتكلم عن نفسه ويسرد انطباعاته وعذاباته وينثر الأفكار حول مخاوفه وعلاقاته بأشيائه وأسرته واستعمال هذه الطريقة رفعت من وتيرة الانفعال عند البطل، وتركت له فرصة التعبير عن نفسه والبث النفسي دون تدخل في أكثر الأحوال، ومال اعتقاد القارئ إلى مصداقية مايقول وهو يصدر عن الذات مباشرة دون وسيط: مددت يدي.. إلى الحبل المشدود.. لغته قاسية وصوته هدار.. لغة لاتتآلف إلا مع يد أقسى... وقلب لايعرف الرحمة. هتفت لها.. لعلها تسمع صوتي فتشفق عليّ.. لكنها لم تردّ - حصة.. أنت أيضاً بعد دانة.. وعاتبتها.. لماذا لم تصرخي.. لماذا لاتهربي؟ رفعتها إلى صدري.. ضغطتها آملاً أن تستعيد دقة من دقات قلبي وتنجو من الموت.. دموعي تبلل وجهها.. وأملي لايخيب ص131". وهذه الطريقة مكنت البطل من استخدام وسيلة (الاعترافات) الجريئة لكل ماكان يجري في اللاشعور والشعور معاً حيث تخطى حاجز الخوف والخجل وهو في قمة توتره وانغماسه في بؤرة عذاباته وحساباته لكل ماجرى وما أدت إليه مآلات الأحداث بين يدي العدالة فضلاً عن الصدق الفني الذي أدى إلى القناعة. وكانت تبدو هذه الاعترافات الموجهة إلى القارئ/المجتمع دفاعاً عن النفس بحرارة من يرغب في كشف الحقيقة التي يمكن أن يؤدي ضياعها إلى ضياع القارئ/المجتمع ذاته. وهكذا قدّم البطل سالم حيثيات دفاعه حتى يبرئ نفسه ويدين المتهم. وداخل هذه الطريقة أيضاً جرى استخدام (الذكريات) وسيلة مهمة لإشعال المواقف وتوضيحها وإلقاء الضوء على أبعادها النفسية وشغل القارئ بالبحث والتنقيب عن مزيد من اعتمالات النفس لتقوى الرأفة على مصير البطل ومشاركته". وتحت وشوشة الماء أسمع حركة جسدها.. أتصورها وهي تمسح جسدها بالليفة لتنزع عنه رائحة التعب، وتخرج لي ندية.. معطرة.. شهية كالرمانة.. فأقبل عليها.. أحضنها أعصرها بين ذراعي.. فتتأوه.. كنت أدرك أنها تتعب.. وأن عمتي تستعبدها.. كأنها تقصد أن تهديها لي آخر النهار كالثمرة المعطوبة حتى لاأستمتع بها ونهنأ في الليل الذي صار هو دنيانا التي ننسى فيها كل هموم النهار. حصة لاتشكو أبداً.. لاتتذمر.. لاتتمرد على عمتي كأنها تريد أن تشاركني صبري.. وذلي..‏

"ص75" ذلك الحبل الذي طوحت به يوماً في وجه عمتي هو نفسه يلتف بخشونة على عنقها الطري "معقود بقسوة وأطرافه تتدلى.. جزء إلى صدرها.. وجزء إلى الأرض.. الخ ص130- 131".‏

ومن خلال الذكريات والاعترافات وأحاديث النفس واشتغالات الوجدان وتموجه عرفنا أيضاً جوانب عن هؤلاء الذين يتحدث عنهم، وهنا كانت تتمازج معرفتنا به وبغيره. وكانت النجوى الذاتية تداخل هذه الترجمة الذاتية فتزيد حرارة السياق: "لم تكن الليلة كباقي الليالي (الجو يوحي بقدوم الشتاء) ثمة نسمات باردة تتلاعب بأوراق الحوش، وتخترق أضلاعي" أحس قشعريرة البرد "التفت إلى دانتي الحلوة" ألمح عينيها الجميلتين مفتوحتين نصف انفتاحة أمسح عليها.. أناغيها: ستنامين في حضني كباقي الليالي. ودسستها بين ساقي: اندسي أيتها الرائعة.. ستدفئك جواربي، وحرارة قدمي.. وإن جعت فأسمعيني مواءك الشهي.. سأخرج رغم النسمة الباردة.. وأتسلل إلى مطبخ عمتي.. وآتيك ببعض ماتشتهين ص34.."‏

واستعملت الكاتبة أيضاً طريقة السرد المباشر حيث كانت الكاتبة الراوية تحكيي عن أبطالها بصيغة ضمير الغائب، وقد تكررت هذه الطريقة في البداية لأنها تود أن تفتح سجلات شخصياتها وتدل عليهم، لكن هذه الطريقة لم تستعمل جيداً دائماً، فقد أدت إلى (التكرار) في بعض الأفكار، تلك التي تتعلق بالعمة وبأعمالها مما سيقدمه السياق بعد ذلك بالتفصيل في مجرى الأحداث.. استفاقت عيناه.. دارتا في أرجاء الغرفة.. بحث عن شيء ما.. أغمض عينيه ثانية.. كأنه يتصور نفسه في حلم ص48".‏

**رسم الشخصيات:‏

*تكوين الشخصيات درجات:‏

بدا لنا نقص في تكوين بعض الشخصيات. لانعرف الكثير عن الأب، ولم تربطه الكاتبة ببعض دواعي تصرفاته، ولم تتعمق نفسيته، ولانعرف محاور حياته في الخارج حيث تكون الفرصة في الرواية نرى ردود أفعاله وغالباً ماتنتهي بالقسر والصمت المطبق. ولم تتعمق شخصية حصة أيضاً، لم نطلع على الكثير مما يجري في داخلها إلا من خلال انعكاسات وصفها على سالم ولو تم إخصاب هذه الشخصية تحليلاً وسبراً لقوى من درجة الصراع مع الأطراف المقابلة ولساعد على كشف بعض الجوانب التي لم ترها عين سالم المسلطة عليه.‏

كان الجهد منصباً على شخصية سالم بالدرجة الأولى ثم على العمة. وكان تعرف هاتين الشخصيتين منسجماً مع طبيعة كل منهما إلا أننا في بعض الأحيان كنا نشعر أن لغة الكاتبة تطفو على لغته المقدرة وتحميل وعيه مالا يحتمل في (صورة التعبير) وليس في (صورة التغيير) الكامنة خلف الأحداث والمواقف والأحوال، وكأن حرارة الكاتبة وتعاطفها مع سالم جعلاها تنسى نفسها فحلت محله فأنطقته مافي نفسه دون أن تعزل نفسها عزلاً مناسباً عند الكتابة. فالشخصيات والأبطال في القصة والرواية لا "نتحدث عنهم" ولكن قد "يتحدثون عنا" دون أن يبدو عليهم ذلك: "لماذا يريدون نبش ذاكرتي وقد تخثرت فيها كل سنواتي ولم أعد قادراً على تذويبها وتفتيتها؟ لماذا يريدون انتزاع حياتي من فمي وقد صارت نبتة حنظل تشد جذورها إلى قاع النفس الميتة؟.‏

كل الأشياء تنام بداخلي.. وهم يريدونني أن أقول: أن تلتئم كل المفردات، والأحداث، والصور، وتخلق حقيقة تبرئتي... وتدل على الفاعل!! لماذا أبرئ نفسي؟ ص16".‏

**وأحب أن أثمن هنا الوصف الدقيق والرسم الجميل لشخصية القطة دانة فهي تشي بعاطفة إنسانية متدفقة وبحب خاص لهذا الحيوان الأليف، وقد يدل هذا على تجربة خاصة بالتعامل معه، وهذا ليس شيئاً مهماً بحد ذاته لولا أن وظف في سياق الرواية وكان له أثره الكبير في بقية الشخصيات وردود أفعالها بأسلوب (المبادلة) الذي تحدثت عنه سابقاً.‏

*الطريقة التحليلية:‏

أما الطرق التي استعملتها في رسم الشخصيات فقد لجأت إلى - التحليل- حيث شرح ردود الفعل عند الشخصيات ورصد المشاعر والمواقف خلال التفاعل. هذا التحليل لم يأخذ أبعاده الشاملة بربطه بالبيئة خارج أسوار البيت وبالعصر وبالحياة الاجتماعية في امتداداتها التي يمكن أن تعود لتصب في الحالة الخاصة داخل السور. إن الجنس وفقدان الحب والقسر والعلاقات الأسرية والظواهر غير الإنسانية وغير ذلك يمكن ربطها في توظيف مناسب بما تستوعبه علاقة الخاص بالعام بمجمل اشتراكات الحياة الاجتماعية عامة، ولو جرى توسيع بؤرة هذه الحالة الأسرية في استسقاءات أخرى اجتماعية وإنسانية ونفسية تتعلق بحوادث إضافية تقوي تسويغ الحالة وتركز على مفاصلها واشتداداتها لأعطت تفسيرات أشد غوراً وأخصب تفاعلاً وشخصيات أدل على تموجات النفس واندفاعاتها لدى سالم ولدى بقية الشخصيات.‏

*الطريقة التمثيلية:‏

وهناك الطريقة (التمثيلية) التي استطعنا بها من خلال اعترافات سالم وأحاديثه وسلوكاته أن نتعرف شخصية سالم ونطلع على سماتها. "تمشيت في الحوش.. لمحتها آتية.. أمسكت بذراعها الهزيل.. - أين كنت؟ - همست: في بيت الخلاء.. غرست شوكتين صحراويتين في وجهها.. لماذا انتابني هذا الرعب لمحت وجه حصة مورداً، فتلفت في المكان.. بحثت عن ظل هرٍّ.. ص83".‏

وبهذه الطريقة تعمقت بعض صفات سالم/ البطل عبر حديث شخصيات أخرى تعطي رأيها ببعض مواقفه وتصرفاته: "رق صوت العمة" - ياسالم.. هذا أبوك- لاأريد أبوته.. أتبرأ منها- الظفر لايخرج من اللحم- سيكون ظفري خنجراً.. سأدسه في صدره وصدرك.. - أنت طيب ياسالم- ولهذا استغللتما طيبتي.. أنت.. وهو.. أنت ذبحت دانة، وهو ذبح حصة - عيب هذا الكلام.. لاتتهم أباك - عيب هه.. سوف أفعل العيب ص107"، "أستدير إليها.. أرى وجهها مشرقاً رغم الذبول.. أندس في صدرها.. وتغمرني بحب عذب وتضحك: - أحكي لك قصة من؟ قصة الساحرة - لأ أخاف- رجل وتخاف الساحرة وليست حقيقية- لأ.. الساحرة موجودة هنا ص80".‏

وعبر الوسائل غير المباشرة في هذه الطريقة التمثيلية تتوضح لنا أمور كثيرة عن الشخصيات الأخرى التي تتبادل التأثير مع البطل: "نعم ياعمتي؟ ابتسمت: لأول مرة أرى وجه عمتي يبتسم طبعاً.. أنت الآن رجل ص62".‏

واستُخدمت أيضاً الطريقتان التحليلية والتمثيلية: "كنت ألحظ نظرات عمتي إليّ.. أحسها تخترق ضلوعي وأحس شيئاً ما يعابث رأس الشرير.. كنت متأكداً.. أنها تحيك لي قراراً.. وكنت أنتظر ولم يطل انتظاري.. ذات ليلة.. جاءني صوتها تحاور أبي" - كبر الولد يا أخي. - ماشاء اللّه ونضجه أيضاً يكبر معه.. هل يزعجك أن يكبر. لا.. لكنني أخشى أن تتفتح عيناه على ما لاترضاه ص57".‏

*أنواع الشخصيات:‏

أما أنواع الشخصيات فقد كان بعضها بسيطاً أمثال الأم، وحصة، والأب، والعمة لأنها بقيت تحمل سمة عاطفية واحدة بمواصفات محددة منذ أول الرواية حتى نهايتها.‏

بينما شخصية سالم مركبة كانت عواطفها تجاه الأحداث وتأخذ أبعاداً مناسبة متطورة لم تقف عند حدودها الأولى بل كشفت عن تفاعل حي مع الشخصيات الأخرى ومع ذاتها ومع الأفكار السائدة في وسط الأسرة. وقد حمل سالم صفة التذبذب العاطفي كما يطلق عليها المحللون، فهو في البداية لم يستطع أن يحب أباه كما أحب أمه، وأحياناً كان يشعر تجاهه بالكره، بل إنه في نهاية الرواية أخذ يمزج كرهه العاتي بالحقد والتحدي والتهديد بالقتل. وعلى الرغم من أنه أحب حصة، إلا أنه، مرت عليه أحوال فكر فيها بقتلها بسبب حملها لكن سرعان مايسقط ذنبها على غيرها ويعود إلى حبها الجارف، وموقفه من العمة الموضوع الرئيس الذي ملك عليه عقله وحسه ومواقفه كلها إلى درجة المواجهة المباشرة، ولم يعد بالنسبة إليه موضوعاً ذاتياً بل موضوعياً يتصل بمن يحتويه ويحبه.‏

*السرد واللغة:‏

كانت لغة السرد مقتضبة على الغالب، امتلكت حجمها، وكانت متلونة لاتخلو من نفحات مشاعرية وملائمة للمعاني التي تطرحها الأحداث. إنها لغة قصصية موظفة لم تعطل السياق. وقد عملت هذه اللغة على فعالية الوصف، لكن الوصف قصر أحياناً في خلق التوازن مابين الوصف الخارجي والوصف الداخلي من أجل رصد حالة الشخص النفسية في جدل جانبيها. فشيء مهم أن نرى هيئة الشخصية ونربط ذلك بداخلها، كماهو مهم أن نرى الداخل وهو يصطرع ويترك بصماته على الهيئة في حال تصرفها. هذا التوازن من أدق معاناة الكاتب في أثناء الكتابة لأن المرء ليس مجرد داخل فقط، كما هو ليس مجرد خارج فقط ولايمكن الفصل بينهما. وفي أحيان كثيرة كان الوصف جميلاً مؤثراً يلتقط أدق الملامح النفسية والحسية.. كشفت عنها العباءة فانسدلت عن شعر تفوح منه رائحة البخور.. وحين رفعت "البوشية" انبرى لي وجهه كالبدر. لم أصدق هل يعقل أن تهديني عمتي قمراً؟ كنت أتصور أنني سألقى وجهاً بشعاً جامداً.. حاقداً كوجه عمتي لكن مانظرته يجعلني أشك في أن عمتي لم تر وجه حصة. وإلا لما ارتضت أن تهديني هذا الجمال الوادع المبهر. دسست وجهي كله في وجهها.. في لحظة.. نسيت كل ما قاله أبي ودرسته وحفظته عن ظهر قلب.. صرت وحدي أتصرف وكأنني أعرف ماذا يجب أن أفعل.. وكيف أكون وديعاً مع هذا الجمال، حنوناً، رقيقاً، مع هذه الرقة المتكومة بخجلها أمامي.. ص68". كما أنه كانت تثب بين الحين والآخر، جمل وصفية فيها جدة في تجاوز كلماتها وتعبيرها عن المراد. ص53.‏

*الحوار واللغة:‏

للحوار في الرواية: المرأة والقطة دور كبير كماً وكيفاً، فهي حفية بإجراء الحوار مع الشخصيات والسبب عائد إلى تلك المواقف التي كانت تقع فيها، فتندفع إلى الكلام وإبراز مايودون توضيحه. خاصة وأن هذه المواقف قد بدأت ساخنة عند التعرف إلى جريمة القتل. كما أن الحوار فرضه أيضاً وسط الأسرة وضيق المساحة التي تتحرك فيها الأحداث داخل سور البيت مما يهيئ مواجهات كثيرة وارتطام الأحداث بالشخصيات، كما هو ملائم لشخصية العمة التي تبادر كل شيء وتود أن تعرف عنه مايجب أن يعرف. إن الحوار في الرواية أبعد الرواية عن افتعال الحوادث والتكلم عنها وهيأ الدور له في رصد النفوس وكشفها وتناول الحالات التي تكون عليها في مواقفها، كما ساعد سالم على توثيق سجلاته مع الأسرة عند تذكير العمة ببعض ماجرى فضلاً عما كشفه من معاناته وأفكاره. وقد أوحى الحوار هنا أيضاً بالنية السرية التي يتلقفها المرء من اللغة داخل الأفكار المصرحة من خلال لهجة الحوار الساخرة أو المراوغة. والحوار أخذ دوره كبيراً أيضاً وفي التحقيق وحث سالماً على الاعتراف وكان ملائماً للموقف والشخصية "دخل الطبيب".. رآه في السرير هادئاً.. أحس ارتياحاً تجاهه.. اقترب بهدوء: - ها: - كيف الحال الآن ياسالم.. لم يجد الطبيب ترحيباً، قال سالم: - لاأريد أن أبقى هنا. - أنت متعب بعض الشيء.. ونحن نريد أن نساعدك. - لا أريد مساعدة أعيدوني إلى سجني. فرد الطبيب ذراعيه في الغرفة: - هنا سترتاح أكثر.. لا.. هناك حوائط أرسم عليها وجه دانة.. - ووجه حصة.. ووجه الطفولة.. الخ ص50".‏

وهنا أشير إلى أن الحوار قد استعمل بعض الكلمات العامية المتداولة في الكويت، وهي قليلة جداً، وكان يفضل الاستغناء عنها لأنها ليست مفهومة لدى بعض الأقطار العربية ويمكن أن تحل محلها كلمات أخرى مناسبة، أو يُلجأ إلى شرحها وتوضيحها في الهامش.‏

*كلمة أخيرة:‏

* ظلت الرواية في حدود الأسرة المفردة داخل أسوارها وإذا تحركت الأحداث فإنها تنتقل من الغرفة إلى الحوش وإلى مايحتويه سور يعيش فيه أفراد يكاد انقطاعهم يكون تاماً عن المجتمع الذي يحيط بهم، فلم تتسع دائرة الرواية إلى دوائر يتصل بعضها ببعض ضمن حلقات اجتماعية متصلة تربط الأسرة بالحي بالمجتمع بجريان الحياة بالبلد مما يلائم شمولية رؤية الرواية.‏

* في الرواية لونان الأبيض في أعلى درجات نقائه والأسود في أشد درجات حلكته. وفي رأينا أن الحياة لاتسير هكذا، وإن غلب على المرء لون من هذين اللونين، فلابد في لحظة ما من موقف يفجر أثراً إنسانياً في داخله لايمكن أن يخلو منه بشر وإن عادت سمة الثبات إليه من جديد. وقد رافق ذلك ثبات الحالات في أغلب الشخصيات.‏

* استبقت الرواية الأحداث في أولها، وباشرت أوصافها وأغدقت على الشخصيات أوصافها الكلية قبل أن نلمس ذلك بأنفسنا من خلال الحدث الروائي مع أن في السياق متسعاً. نقرأ مثلاً: "كانت أمي طيبة، وكان شر عمتي يقف بالمرصاد لهذه الطيبة.. أرادت أن تفتت حبل الوصل بينها وبين أبي أكثر من مرة، عاشت أمي حياة مهددة على الدوام.. أن تفقد البيت والزوج والاستقرار.. وأن تفقدني أنا.. الذي كنت حلمها ليل نهار. ص17- 18". هذا المقطع كان في الصفحتين السابعة عشرة والثامنة عشرة من الرواية وهو يكاد يكون تلخيصاً لمجريات الرواية في نطاق العلاقة السابقة. وقد جاء بعد المقطع السابق مايظهر شرِّ‏

ية العمة تمثيلياً في الحوار التالي الذي يغني عن الإخبار:‏

"صوت عمتي الشرير تهادى إلى مسامعي ذات يوم وهي تأمر أبي:‏

- يجب أن تطلقها‏

ورد عليها صوت أبي المرتجف:‏

- ولكنها امرأة طيبة.. خدوم‏

صرخت عمتي بافتعال:‏

- إنها تكرهني.. إلخ‏

- لعل من الأفضل تسمية هذا العمل الأدبي الممتع حقاً على الرغم من ملاحظاتي وبها أيضاً، (قصة طويلة) وهي نوع أدبي بدأ يختلط بالرواية مع أنه له حدوده وصفاته ويحتمل ماانطوت عليه المرأة والقطة. وإن القصة الطويلة قد قصر النقاد في متابعتها وفرز أشكالها وسياقاتها وهي على الرغم من قلة تجاربها إلا أنها موجودة.‏

* إن أمثولة ليلى عثمان في (المرأة والقطة) في تلك الحرارة التي توهجت وراء السطور، وفي تلك (اللغة) التي تميزت بها، وفي (الجرأة) عند طرح أدق المشاعر الجنسية والعاطفية، وفي إحضار بعض واقعات الواقع الأسري أمام أنظارنا وبكيفية موظفة دون خشية (مشهد دخول القط في القطة)، وفي (رفض بعض التقاليد) التي تغل المرأة وتحرمها من حقوقها وإنسانيتها، وفي (طموح تجربتها) الروائية الأولى التي أعطى ثمراته في روايتها الثانية: "وسمية تخرج من البحر"، وفي هذا الاتحاد الحميم والعشق العميق (لشخصية سالم) الذي حلت فيه الكاتبة حلولاً صوفياً جميلاً.‏

(i) ليلى عثمان: "رواية- المرأة والقطة- ": بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر- ط1- 1985م.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244