|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:20 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
آخِرُ هدايا المُعلّم الثالث: البياتي(1) "نصوص شرقيّة"(2) 1 في آخِر لقاء مع البياتي في دمشق في: 23/2/1999 قُلتُ له: علمتُ أنّكَ مُتّ ودُفِنْتَ إلى جوار شيخك محي الدين بن عربي. وقد ذهبتُ إلى هناك بحثاً عن قبرك فلم أَجدْهُ. ولمّا سألْتُ قيل لي: أنّك حملْت قَبْرَكْ ورحلْتَ إلى بغداد لتُقيم في جوار إمامك الشيخ عبد القادر الجيلاني في "باب الشيخ". قال: نعم. ولكنني تفاجأْتُ بأَنّ الشيخ الجيلاني نفسه قد حمل قبره ورحَل إلى كلْكتا. لأّنّ الفقراء لم يَعُدْ لديهم ما يُقدمونه نذوراً. فَعُدْتُ لأمَوتَ وأُدْفَنَ في جوار ابن عربي. قلتُ: وأين هو قبرُكَ. فأَنا لم أَجده! قال: "يظهرُ أَنَّ أَحَداً ما قد نبش قبري وأَزالهُ ودفنني في مكانِ آخر لا أَعرفُ أَين هو الآن!" ص89 تضم هذه المجموعة (نصوص شرقيّة) ستة نصوصٍ هي: (سجون أبي العلاء، مدينة الورد، أوراق بغدادية مجهولة، بكائية إلى حافظ الشيرازي (سبق نشرها في عمل مُستقل) -نصوص شرقية، ليل المعنى). في هذه النصوص نلمس غُصّةَ البياتي، بل غُصّةَ كلّ مبدع عربي، وحيرُته في هذا (الصّنفْع الشاسع)- المُسمّى الوطن العربي- لا يعرف أَين يموت؟ حيث القبور والمنافي تملأ الرّحْبَ، ودفين فوق بقايا دفين! في قصيدة (سجون أبي العلاء): لم يعد المُعّرى -قناع البياتي هنا- رَهينَ المحبسين: لزوم بيته وعماه. بل بات السجن سجوناً، والعذاب لا نهاية له: (فسُجوني كَثُرتْ وعذابي طال) ولم تَعُدْ عبارةُ المُعرّي: (هذا جناه عليّ أبي..) عبارة تجريم عند البياتي، بل عبارة الكليم: "فلماذا، يا أبتي أَنجبْتَ حصاناً غجريّاً أَعمى لا يعرفُ في هذا الصّقْعِ الشاسعِ أَينَ يَمُوتْ؟"(ص12). إنّ محنَة أبي العلاء -قناع البياتي هنا- في قصيدة (سجون أبي العلاء) هي غير محنته في قصيدة (محنة أبي العلاء) في ديوان (سفر الفقر والثورة). فتلك محنةٌ وجودية. أما هذه فمحنة إنسانيّة. محنة الإنسان الذي بعد طول معاناة وعذاب، يجد نفسه ضائعاً، حائراً في بحثه عن أراضٍ يلْقُمها جسَدَهُ: "مَنْ يَرْوي جسدي لأَطوفَ به حول الكعبة، أَدفنُهُ في جبل "التوباد" فلعلَّ نسورَ الفجر الدامي تأْكُلُه، وتُبقِّي بعضَ عظامي طَّلسْماً لطفولة أعمى ضَيَّعَ في بابِ اللّهْ سِحْرَ الأَلوان"(ص7) أو قوله: "مَنْ يَدْفُنُ بعضَ عظامي لأَراها تخضرُّ وتنمو في طين الأنهار لأَصْنَعَ منها مزماراً ينفخُ فيه الرعيان"(ص8) وكما هو شأن البياتي في استذكار المكان: بغداد، وباب الشيخ. يستذكر في (نصوص شرقية) أماكن كثيرة، سبق له ذكرها في أعماله الشعرية والنثرية: (بخاري، سمرقند، نيسابور، دمشق، الحدائق الطاغورية، مكتبة آشور باينبال.. الخ) فضلاً عن شخصيّات مثل: المعري، المتنبي، أبي تمام، الخيّام.. والمُلْفِتْ للنظر أنّ البياتي لأول مرّة في هذه النصوص، يلحّ في ذكر أبيه(3) والاستنجاد به، مما يُذكّرنا بالسيّاب الذي أكثر من ذكر أُمّهِ والاستنجاد بها في قبره..) لكن البياتي إذْ يستذكر هذه المرّة، يستذكر ليس عن طريق (الموت في الحياة) لأنّ الموت في الحياة، موتٌ تعقبه ولادة أو ولادات أُخرى. بل يستذكر عن طريق (الحياة في الموت). أي من (بيت الأموات) حيث هنا حسب، يكتشف الإنسانُ (البُعْدَ الخامس للموت) ويكتشف: "صهيلَ حصانِ الأُسطورةِ، في شِعر المتنبي ورمادَ مواقد أَجدادي في حوران" (ص10) ويعرف موتَ الأَبد! ومن جملة ما يستذكر البياتي من بغداد، يستذكر (مقبرة الغزالي) ومقابر بغداد الأخرى. كما يستذكر من حيٍّ في هذه المجموعة، وكما هي الحالة الإبداعيّة عند البياتي، إذْ نجد دائماً في كل عمل جديد، شيئاً جديد مُختلفاً على مستوى اللغة والأداء والفكر. في هذه المجموعة -وباستثناء قصيدة (بكائية إلى حافظ الشيرازي) التي سبق أن نُشرت في عمل مستقل- يُنوّع البياتي خطابه الشعري ما بين خطاب يلتزم فيه الوزن والقافية والرويّ المُوحّد، كما في قصيدة (مدينة الورد) والمقاطع: (43-47-48-50) من قصيدة (نصوص شرقيّة). وبين خطابات أُخرى ذات تشكيلات نسقيّة مختلفة. على أننا يمكننا أن نقول، أنّ هناك خاصّتين تُميّزان (نصوص شرقية) هما: 1-السرديّة 2-فكرة: (الحياة في الموت) وأعني بالسردية أنّ قصائد المجموعة هذه جميعاً تنحو منحى سرديّاً بصيغ السرد المختلفة: الحكمة، الخبر، التاريخ، الحكاية، تقديم فكرة.. الخ. ومثلاً على ذلك: 1-الحكاية: "أَميرُ بخارى سأل جاريته ماذا يمتلك هذا العابر ليجعلك تبتسمين دائماً شعبي. تلك الأُنثى التي حاولت بـ (مكر الأُنثى) أَنْ تسلبه (قوّة روحه وينابيع النار)- كما فعلت البغيُ (شمخة) مع (أنكيدو) حيث بعد أن سلبته قوّته وحريّته عبر ممارسة الجنس معها، أَسلمته للموت! لكنّ البياتي نجا ومانجا من (مكر الأنثى) هذه: نجا بفعل وصيّة إمامه (غيثُ الدين البغدادي) التي جاءت في هامش مخطوطه (سحر الأُنثى) وما نجا، لأنّه بعد أن عرف هذا السحر: عشقُه زاد! على أَنّ الأخطر والأهم فيما إستذكر البياتي، هو اعترافه بما كان يقرأوه في السّرّ منذ صباه، والذي كان يُخفيه تحت سرير النوم عن عيون أبيه: "أَقرأُ يا أبتي كُتباً منعَتْ مُنْذُ عصور منها كُتبُ السِّحْرِ ومنها كُتب السيمياءْ، ومنافي الموتى وحضارات الماءْ وأُحاول تحوليَ رمادَ الحُبِّ إلى ذَهَبٍ أو كلماتْ وأُحاولُ ترميم الباقي منها بدموعي أو أكتبُ في الصفحات البيضِ مراثي ملكات "الوركاءْ" واحدةٌ منهنّ رأيتُ ضفائرها الذهبيّة في مُتْحفِ برلينَ وأُخرى صُوْرَتَها في خَتمٍ طينيٍّ أَفْرُكُهُ فيضيءُ البَرْقُ أَزقَّةَ بغداد"(ص22) في هذا الخطاب المعرفي يُثير البياتي جملة شجون وشؤون منها: أولاً: المخطوطات على القاريء: كتب السحر، كُتب السيمياء، ذكر المنافي، وعلم الحضارات. ثانياً: سعي الخيميائي والساحر- ومنه عمل الشاعر بالطبع- إلى تحويل المعدن الرخيص إلى معدن ثمين. والبياتي يُشير إلى عملية الخَلْق من رماد الحرائق، ومن الكلمات السائرة المُنتهكة، واستقداح النور من ختم طينيّ قديم. ثالثاً: سرقة منجزاتنا الحضارية القديمة وتوّزعها في متاحف العالم الآخر. قالت: لأنه كان يمضي إلى نهر المجرّة ولا يملك خنجراً أو حصاناً" (ص56) 2-الخبر: "يتساقط المطرُ فوق الحدائق الطاغوريّة وأَنا في سرير المطر أرضعُ ثدي الغزالة وأسمع نحيبَ امرأةٍ يأتي من بعيد" (ص72) 3-فكرة: "المرأةُ قادرةٌ على الاحتفاظ بحرارة جسدها، وبطعم قُبَلِ عُشّاقها، وبرائحة الورد والياسمين حتى بعد موتها"(ص52) 4-تاريخ: "في مكتبة آشور بانيبال عُثِرَ على رقيم كتبه شاعر مجهول يقول: إذا ما إلتقينا غداً في بستان الحُب فَسأُعرِّيكِ وأُغطّي جسدَكِ بالورود وأٌقبّلكِ من موضع كل وردة"(ص82) لقد بدا البياتي وكأنّه يخشى أن يُدركه الصباح- أقصدُ: صباح الموت! وأنَه لم يَعُدْ لديه متّسع من الوقت لتأجيل عمل اليوم إلى غد، وأنه ذاهب بلا عودة، فسارع في أن يُفرغ "الثمالة" بل وسارع فأحرق سُفنه، وأحال المدُن التي لثم خدّها، يوماً، إلى رماد. لا رماد العنقاء، بل رماد العدم. وهزَ ما يُفسّر -ربّما- لماذا لم يَرِدْ في هذه النصوص أيُّ ذكرٍ للولادة والقيام من الموت. إنه في النصوص هذه، يتحدّث كميْتٍ لم يخطر بباله أبداً أَنْ ينهضَ من موته ويعود إلى الحياة. بل إنّه ليخشى أَنْ ينبش قبره لصوص الآثار ليسرقوا جسدَه، ظنّاً منهم أنه مومياء فرعونيّة: "في حجرة "خوفو" جلستْ تبكي قالت: هل سيسرقُنا لصوصُ الآثار نحن أَيضاً؟"(ص50). بل إنه ليلتذُّ بهذا الموت حيث يستطيع ممارسة الحُبّ مع الموتى: "ضاجعتُها في المرآة، وكان قد مضى على موتها، أكثر من ثلاثين عاماً"(ص51)(4) وأخيراً أقول: أولاً: (نصوص شرقية) هي إلتماعات، إشراقات تعتمد الفكرة الواحدة، وتُؤدّى بـ (العبارة الواحدة) وهي بهذا أقرب إلى نظام قصيدة (الهايكو) اليابانيّة. مثلاً: 1-خُبْزُ جسدها ونبيذُ دمها جعلني أقاوم الموت سبعين عاماً" 2-"الخريفُ ترك كنوزه في عتبة داري ولكنني لم أَعُدْ بحاجةٍ إلى الكنوز" (ص83-84) ثانياً: لم أر البياتي، لا في شعره، ولا في مجالسه. على هذا القدر من الشعور بالإحباط والإحساس العميق بالموت، موت الأبد، قدر ما أجده في مجموعته هذه. يقول -مثلاً- في قصيدة (ليل المعنى): "لم يبقَ أحَدْ يتحدّى الوحشَ الرابضَ في بوابة "طيبةَ" أو يرحلُ مجنوناً بالعشقِ إلى شيرازْ غيرَ الشعراءْ"(ص105). لكنه مع ذلك، وكواحد من هؤلاء الشعراء المُرْتحلين - لم يطلب من (أَبَتهِ) أكثر من: (قَبَساً من بَرْق الكلمات) ليواصل رحلة موته، وكشاهد عصر: رأى كلّ شيء. ولكنه- كأنّه لم يَرَ شيئاً! أو بالعكس: "لم ير شيئاً ورأى كلّ الأشياء" الإشارات: 1- اعتاد البياتي أن يهديني كلّ ما يصدر له أو عنه من أعمال. واعتدتُ ألاّ أُهديه إلا ما أكتبه عنه، بعد نشره بالطبع. وآخر هداياه هذا الكتاب (نصوص شرقية) الذي وصلني من دمشق قبل وفاته بحوالي أسبوع. إما بالنسبة لـ (المُعلّم) فمعروف عند العرب، أن المُعلّم الأول هو أرسطوطاليس، والثاني هو الفارابي. أما الثالث (البياتي) كما أَنْعَتُه هنا، فهو بالنسبة لي معلّم عندما درّسني (اللغة العربية وآدابها) في الصفّين الثالث والرابع في ثانوية الرمادي عامي 52-1953 وهو مُعلّم بمعنى المُعَلْمَيْن الأوّل والثاني. 2- نصوص شرقية: إصدار دار المدى- دمشق- 1999 3- طبعاً، لن نأخذ القصد- من كلمة (الأب) - الأب الفعلي حسب بل قد يجيء (الأب) بمعنى الرّب أو رجل الدين أو المخُلّص، أو الرجل الكبير المحترم.. الخ. 4- جاء في المأثور النبوي: (إنّ في الجنّة لسوقاً ما فيها شراءٌ ولا بيعٌ إلاّ الصُوَرُ من الرجال والنساء، فإذا اشتهى الرجلُ صورةً دخل فيها" فهل ذهب البياتي في هذه (الصورة) هذا المذهب! |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |