أصداء دراسات أدبية نقدية - أ.د.عناد غزوان ـ جامعة بغداد

من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:24 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل التاسع الرؤية الإبداعية المركبة في القصيدة العربية الحرة.. نازك والسياب أنموذجاً*

ج‏

1-1‏

إن نقد الشعر هو استبطان لتجربة الشعر الإنسانية حين تغدو تلك التجربة جوهراً لروح الإنسانية، ويصير الشعر فيها رؤية حضارية تستمد حيويتها من جماليات لغته في التعبير عن مضامينه التي يفترض فيها أن تكون أصيلة بعيدة عن الآلية والرتابة والمحاكاة الجامدة والاقتباس المباشر وفقدان المواءمة بين رموزها الفنية، أي رموز اللغة الشعرية وسياق القصيدة -التجربة الشعرية-.‏

لابد لهذه التجربة الشعرية من أن تتمرد على نمطيتها حين تلوذ برموز مطروقة في التعبير، أي أن لغتها الشعرية يجب أن تكون متوهجة ومشرقة ومعبرة بصدق وواقعية لا تخلو من آفاق مستقبلية يكون للخيال وللوهم وللإيحاء وللتصور فيها دور بارز وفعّال في استثمار المجاز البلاغي بمعناه الفني الشامل في القصيدة بعيداً عما سمّي بالعنت اللفظي) أو الوهم اللفظي المتميّز باستغلاقه وعتمته واللاهث وراء اصطياد العلاقات المجازية البعيدة) في تراثنا الشعري العربي الغني بروائع الصور المجازية وفي أغراض شتى.‏

1-2‏

إن القصيدة العربية الحديثة وأعني بها الحرة، على وجه الخصوص، التي ظهرت إلى نور الواقع الشعري في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين ليست بوقاً محضاً، كما يقال، تنفخ فيه ربات الشعر ما يحلو ويطيب لها وليس للقصيدة الحرة إلاّ الاستجابة لهذا النداء بوعي أو بلا وعي من دون أن تكون تلك الاستجابة ذات قناعة ثابتة بمصدر إلهامها، وليست بنا حاجة في هذا المقام إلى الحديث عن الواقع التاريخي والملامح الفنية لهذه القصيدة بقدر اهتمامنا بالرؤية الإبداعية المركبة لها من خلال نصوصها الشعرية وليس من خارجها، بمعنى أن القصيدة هي التي تتحدث إلينا، عن رؤيتها من خلال بنائها الشعري وصورها الشعرية ولغتها الشعرية لتحقق فينا الاستجابة العفوية في تذوقها والإحساس بإنسانيتها التي لا شك في أنها إنسانية واحدة كامنة وراء ذات المبدع وذات المتلقي، علماً أن مناهج النقد الأدبي مهما اختلفت وتعددت بدءاً بالنقد الانطباعي- التأثري فالنقد اللغوي فالنقد البلاغي فالنقد النفسي فالنقد الاجتماعي فالنقد التاريخي وانتهاءً بالنقد الفني- التحليلي، تسعى إلى اكتشاف‏

مستوى العمق الإنساني واستيعابه وفهمه وتذوقه، الذي تحاول القصيدة الحرة التعبير عنه بأمانة وإخلاص وإن القراءة الشعرية بعوالمها الواسعة وأقاليمها المختلفة هي التي تكشف مستوى ذلك العمق الإنساني في القصيدة.. أية قصيدة، بيد أن بعض الشعراء يحاول اغتيال الحدث الشعري المتحرك حين يتجاهل بقصد أو عفوية ساذجة فهم العمق الإنساني في ذلك الحدث الشعري فيقحم في قصيدته ما شاء له من الأعلام المعروفة في التاريخ والرموز الأسطورية والدينية والوقائع والأيام، ظناً منه أنه استطاع تحقيق الاستجابة عند متلقيه ومن ثمّ الوصول إلى عمق الحدث الشعري الإنساني، وهو في كل ذلك يلهث وراء الشهرة ولو على أرصفتها البائسة، متناسياً أن الإبداع والأصالة وليدا القدرة على الدهشة وخلق الانفعال في نفوس المتلقين ومن ثَمّ تعميق إحساسهم بالجمال والمعرفة وإغناء متعتهم بالإنسان والحياة. وذلكم هو هدف الفن ومنه فن الشعر.‏

إن عالم الدهشة في القصيدة العربية الحرة هو مصدر حركتها وتجديدها. إذ لا شك في أن تيار تقليد القديم ومحاكاته بوصفه نمطاً ثابتاً يحتم العودة إليه وإن تيار التجديد المحدث بوصفه نمطاً متغيراً يخضع لتطور الحدث الشعري في بيئته الثقافية والحضارية الحالية يحتم الاهتمام به. إن هذين التيارين يمثلان مفهوم الحركة التجديدية في القصيدة العربية الحديثة الحرة على وجه الخصوص وهما تجربتان أنموذجيتان وليستا غاية ويبقيان فعلاً شعرياً منفتحاً قابلاً لكل تطور.‏

إن الرؤية الإبداعية في القصيدة الحرة تظهر بوضوح من خلال حركة التجربة الشعرية فيها حيث تكون جزءاً من بيئتها العضوية، أي أن لغتها الشعرية لفظاً وتركيباً تأتلف مع المناخ النفسي والاجتماعي والبياني والأسلوبي سعياً وراء تحقيق رؤية إبداعية يكون للصورة الشعرية فيها بكل مستوياتها ودلالاتها دور فعّال ومؤثر في خلق الاستجابة الذوقية والتذوقية عند المتلقي.‏

إن الرؤية الإبداعية في القصيدة الحرة يأتلف فيها ذوقان أدبيان أو شعريان هما: الذوق الفردي والذوق التاريخي. الذوق الفردي المعبّر عن ذات المتلقي نفسه، والذوق التاريخي المعبّر عن روح العصر ممثلاً بجمهوره من المتلقين. تتمتع الرؤية الإبداعية من خلال صورها الشعرية بحيوية مستوييها: النفسي والدلالي في مدى علاقتهما وارتباطهما بقدرة لغة تلك الرؤية على الإفصاح والتعبير عن التجربة في بعدها الإيحائي. ومن هنا كانت الصورة/ الرؤية مفردةً أو جزئية حين تكتفي بذاتها من خلال التشبيه والتشخيص وهو إضفاء صفة الإنسان أو صفة العاقل على غير الإنسان أو غير العاقل حيث تتوحد الدلالة- وتبادل المواقف في التحرك مما هو مألوف ومعروف إلى ما هو غير مألوف ومجهول حيث يبرز عنصر تراسل الحواس)- إلغاء الفروق الوظيفية بين الحواس الإنسانية عن طريق تكوين علائق حوار بين حاستين منفصلتين وأكثر حيث يتحقق ما يسمى بتبادل الوظائف على الرغم من الاختلاف الدلالي بين تلك الحواس- وصورة مركبة أو كليّة يجسدها الصراع أو الحس الدرامي بين الأحداث الشعرية المستند إلى السرد والحوار أو ما سمّي بلغة النقد الشعري المعاصر بأسلوب تيار الوعي) ذي الأصوات المتعددة في القصيدة الواحدة أو التجربة الشعرية الواحدة.‏

إن الرؤية الإبداعية قائمة في تجسيد الحس /الصورة الحسية وتجسيد الذهن/ الصورة الذهنية، حيث يتفاعل في تلك الرؤية كل من المحسوس والمجرد تفاعلاً فنياً عضوياً يتجاوز في بعده الجمالي المستوى المألوف إلى غير المألوف وبالعكس. وهنا يكون للرمز الذي يولد من الإحساس المغمَس بالثقافة الخصبة الثرة، سواء أكان رمزاً تراثياً أم ذاتياً أم طبيعياً في ضوء تكوين شعري من الإحساس الذاتي والثقافة الجمعية من خلال ائتلاف "الذات بالمضمون"/ "الموضوع". ائتلافاً فنياً يجمل مثل تلك الرؤية نواة للإبداع في الحدث الشعري أو القصيدة. وتكون عندئذ رؤية إبداعية مركّبة. فالرؤية الإبداعية المركبة تنتمي في القصيدة العربية الحرة إلى لغتها الشعرية ذات السمات الصوتية والدلالية والتركيبية المتولدة من التغيّر المركب) كما يسميه الفارابي(1) . ولعل ما لهذه اللغة من إيحاء وانفعال وجمال هو الذي يسمو بالقصيدة الحرة إلى مستوى الإبداع والتذوق الذاتي والتاريخي في آن واحد. فالصورة الشعرية الأخّاذة والاستعمال الدقيق الشفاف للرموز والمجاز البلاغي بمعناه الفني الواسع فضلاً عن استثمار الأسطورة أو الأساطير هي مصادر الرؤية الإبداعية المركبة في القصيدة الحرة من خلال نصوصها الشعرية في مضامين مختلفة قد تجمع بين الحس التراثي الخالص والحس المحدث المعاصر الذي يتسم في بعض الأحيان بغموض فني رقيق بعيد عن العتمة والتقليد، ينبع من ذات الشاعر الحر وليس من ذوات الآخرين.‏

فإذا كانت الصورة/ الرؤية عنصراً مهماً من عناصر بناء القصيدة فضلاً عن كونها الشكل الراقي للغة الانفعالية والعاطفية(2) . فإن تركيب هذه الصورة أو تلك في هذه القصيدة أو تلك، هو المعيار النقدي- الفني في البحث عن الجانب الإبداعي الذي يجعل الموازنة والمفاضلة بين صور شعراء القصيدة الحرة، موازنة إبداعية ومفاضلة فنية قائمة على نوعية ذلك التركيب الفني أو تلك الرؤية وليست على كميته من حيث تراكم المجازات والرموز والأساطير فيه، "البحر" عند نازك الملائكة في ويبقى لنا البحر) رمز الوجود واللانهاية في آن واحد.. منبع الحياة والخشوع والرهبة والهموم والآمال.. تخاطبه مع وجهها الثاني في الظهيرة كأنهما طفلان متمردان منفعلان بلا وعي أو ربما بوعي مستقر في"مروج البحر" حيث تصير أمواجه معادلاً موضوعياً لديمومة الحياة وحركتها وشبابها.. فيلح عليها السؤال بقلب يركض خلف السؤال مستوحياً من هذه الطبيعة المتحركة ومن عذوبتها وحنينها إلى اللقاء، حبه إلى استرجاع الذكرى وذكريات الشوق التي وجدتها في رفيقها؛ وجهها الثاني.. وتتحير في الإجابة عن هذا السؤال فهو من سماء على برك ودوالي).. سؤال متجذر في المطلق، منطلق فيه. فبدايته في نهايته ونهايته في بدايته، هو المنبع وهو المصبّ.. في حالة شعرية لا تخلو من تداع حر ينثال على الشاعرة انثيالاً عفوياً وهي تخاطب البحر وتسأل البحر هل تتغير ألوانه؟) وهل تتلون أمواجه؟) وهل تتبدل شطآنه؟) كلا.. إنه عالم الأبدية وسر أسرار الأزل، فاللون والموج والشطآن رموز البسمة والحركة والاستقرار في حياة الإنسان، حين يتحول وجهها الثاني إلى حبيب تناجيه برقة وحنان:‏

"وقفنا على البحر تحت الظهيرة طفلين منفعلين:‏

وروحي يسبح، عبر مروجك،‏

في نهر عينين مغدقتين‏

وقلبي يركض خلف سؤال‏

حملت براعمه عطر مرعى، على شفتيك‏

سؤالك فيه عذوبةُ ريح الشمال‏

وروعة أغنية سكبتها كمنجات شوقٍ مخبأة في يديك‏

سؤالُك لون سماء على بركٍ ودوالي‏

سألت عن البحر هل تتغيرُ ألوانُه؟‏

وهل تتلون أمواجُهُ؟ هل ترى تتبدلُ شطآنُه؟"‏

ويبقى السؤال الحبيب بلا جواب في لحظة ذهول ولحظة تردد تنعكس في وصف الشاعرة الحالة النفسية، حال السائل /الحبيب بيقين تام.. فهو يسأل بكل وضوح وإتقان على الرغم من بعده، فوجهه بعيد كنجم نأى) يمخر في هذا البحر/ الوجود، لم يجد مرفأ يرسو عليه.. حالة اليأس والخوف من المجهول.‏

"سألْتَ وعيناك واسعتان اتساع الرؤى‏

ووجهك نجمٌ نأى‏

وسُفْنٌ مضيّعة لم تجد مرفأ‏

سألت وهدبُكَ دهشة طفلِ‏

ورعشةُ سنبلة، وتموجُ حقلِ‏

وكانت يداكَ شراعية منهمرينْ‏

على زورقينْ‏

وراء المدى والرؤى شاردينْ"‏

ويأتي الجواب بإيجابية وواقعية ورؤية إبداعية، صافية لا تخلو من صوفية تجد في هذا البحر اللامتناهي عالماً جديداً من عوالم الحب الإلهي، وإقليماً رائعاً من أقاليم النجوى والشكوى في آن واحد:‏

"وقلْتُ، نعم، يا حبيبي‏

يغيّر ألوانه البحرُ،‏

تعبر فيه سفائن خضرُ‏

وتطلع منه مدائن شُقْرُ‏

ويشرب حيناً دماءَ الغروبِ‏

ويصبح حيناً بلون الفضاءْ‏

يلملم زرقتَهُ يا حبيبي‏

ويحلم، يرنو بعينين شذريتين‏

سماويتين‏

إلى اللانهاية، يأخذون لونَ الضياءْ‏

صباحاً ويُطْفئ كلّ ثرياته في المساءْ‏

سألْتَ عن البحر، هل تتغيّر ألوانُه؟‏

وهل تتلون أمواجه؟ هل ترى تتبدل شطآنُه؟‏

نعم يا حبيبي،‏

وبحر يلاطمُ وديان نفسي‏

ويرحل عبر موانئ لون وشمسِ‏

وعبر حقول مغيبِ‏

ويغتسل العمق القمريُّ بأمواجه ويبلّل شعره‏

ويلقي إليه سماءً وفكره‏

نعم يا حبيبي، نعم، ويلوَن خلجانَهُ‏

نعم ويغيّر ألوانَهُ‏

فيشربُ صفرة شكي وظني‏

ويصبح أزرق في لون لحني..."‏

ويتكرر سؤال الحبيب، في أكثر من مقطع حيث ينساب الجواب في ذات تلوذ بالشكوى، انسياب البحر حيث يلاطم وديان نفس الشاعرة فتتفجر فيها الحياة وتستيقظ ذكرياتها وحنينها بلغة الألوان.. صفرة شكها وظنها وزرقة لحنها، وشذر أغنياتها ويصبح أبيض وأخضر.. و.. و..‏

"وتبحرُ في شذر أمواجه أغنياتي وسُفْني‏

وتصبح أبيض، تصبح لجَتُهُ ياسمينه‏

ويصبح أخضر، مثل اخضرار العيون الحزينةْ‏

ومثل زبرجد نهر النهاوند في قعر حزني‏

سألت عن البحر! هل تتغير ألوانه؟‏

وعيناك بحر ترامى وضاعتْ‏

حدود مداه وشطآنه‏

نعم، يا حبيبي، يغيّر ألوانه ويصير بلون الرماد"‏

ولكن الشاعرة سرعان ما تصحو من حلم يقظتها، مستذكرة سؤال حبيبها، وجهها الثاني فترسم صورة أقرب إلى الحرمان حين تؤكد أن البحر يغير ألوانه ويصير بلون الرماد) يؤرقها ويزيد من قلقها وحيرتها ولعله رمز موت ذكرياتها حين تكرر لفظة رماد) في هذا المقطع من رائعتها هذه سبع مرات) ولعل توقد الشكوى يستقر في تعبيرها الرائع بحر الرماد) من خلال هذا الحوار الداخلي الذاتي المونولوج) الذي تعبرّ من خلاله عن يأسها وشكواها حيث تجد في هذا الحوار الداخلي راحة نفسية تنقلها من عالم الواقع إلى عالم الأحلام، فتنطلق الروح من أساها وتصبح رؤيتها المركبة بعداً نفسياً يغازل ذاتها بصوفية شفافة:‏

"نعم يا حبيبي، يغيرّ ألوانه ويصير بلون الرمادْ‏

له كل طعم ليالي السهادْ‏

رمادية كل أسماكه. ورمادْ‏

لأليه،‏

اسفنجه‏

اخطبوطاتُه، رماد‏

مدائنه الغارقات القباب. ولون الرمادْ‏

جبين غريق طفا وتوسّد أمواجهُ الملح، مغمى عليه‏

ويبتلع الماء، والملح عوسجةٌ ورماد على شفتيه‏

وبحري وبحرك، بحر الرمادْ‏

حنون الفؤاد‏

له قوة تلثم الجرح، وتفرش لين وسادْ‏

وبحري وبحرك شاكس جسم الغريق الرمادي..."‏

فيتحول الوجه الثاني الغائب إلى حبيب يسائلها وتسائله ويغدو السائل والمجيب بحرين يلتقيان على الذكرى فيستيقظ تيار الوعي عند الشاعرة فتردد ماضيها وذكرياتها القديمة وكأنها تسرح كموجة بحرها مسترجعة تلك الذكريات حين تصف طرفاً من طفولتها وجدّها وألسن النار في بيتها... لتنتهي إلى أن حبيبها وجدّها "قد كان بحراً.."‏

"ويا من تسائلني:‏

هل يغيرّ بحري وبحرُك ألوانه؟‏

ومثل الغيوم يلوّنُ، يرسم، بالزيت والفحم شطآنه،‏

حبيبي لقد كان لي في الطفولة جَدُّ..."‏

وتعود رؤية الشاعرة المبدعة لتكثف سؤالها عن اللون) والبحر) وهما سمتا حبها ويصير الحوار مباشراً يتجاوز الحوار الذاتي بتكرار وأنت) خمس مرات توكيداً على أن حبيبها هو وجودها هو شراعها وألوان بحرها وغيبوبة حلمها وضباب دروبها وقلوعها وذرى موجتها ووردة حزنها عطر شحوبها.. ما أروع هذه الرموز هي تنثال بعفوية واصفة خلجات هذه النفس المحبة، المتلهفة إلى الشوق والحنان.. بحر يناجي بحراً وموجة شوق تبحث عن موجة شوق، بحثاً عن شاطئ مبهم مستحيل.. وتتراءى لها ذاتها وهي عاشقة الليل) وصاحبة شظايا ورماد) قبل أن يغيّر ألوانه البحر)!‏

"عن اللون والبحر تسألني يا حبيبي‏

وأنت بحاري‏

ومرجانتي ومحاري‏

ووجهك داري‏

فخذ زورقي فوق موجة شوقٍ مغلفةٍ، خافية‏

إلى شاطئ مبهم مستحيل،‏

فلا فيه سهلٌ ولا رابية‏

إلى غسق قمري المدار‏

وليس له في الظهيرة لونُ‏

وليس له في الكثافة غصنُ‏

ولا فيه هولٌ، ولا فيه أمنُ‏

هنالك سوف نضيعْ‏

ونأكل دفء الشتاء، ونقطف ثلج الربيعْ‏

ونغزل صوف الصقيعْ‏

هناك لا طول للظل في حُلْمنا لا قِصَر‏

ولا دفترٌ للقدرْ‏

ولا شيء يمكن أن يرتقيه النظرْ‏

سوى موج أغنية تتحدر عبر جبال القَمَرْ‏

ويبقى لنا اللونُ،‏

والبحرُ،‏

والأبد المنتظَرْ..."‏

إن هذه القصيدة بوصفها أنموذجاً للرؤية الإبداعية المركبة قد ضمت أكثر من صورة شعرية رائعة حين استعملت نازك الشاعرة، المجاز والرمز استعمالاً رائعاً بلغة إيحائية، انفعالية، عاطفية فن عينيها)، وقلبها الراكض خلف سؤالها) وبراعم سؤالها) وكمنجات شوقها) ودماء غروبها) ووديان نفسها) وصفرة شكها وظنها) وقعر حزنها) وطعم ليالي سهادها) ورماد لآلئ بحرها) والرمال النبيذية) الشباب الغريق) وذهول الأبد) وألسن النار.. تمضغ الباب وتشتعل لين الستائر) ويغتال اللهيب حتى شباب البيادر)، شتائمه مطر وحنان) وأسورة النار) ونأكل دفء الشتاء ونقطف ثلج الربيع ونغزل صوف الصقيع) وجبال القمر)(3) .. كلها صور شعرية نسجت من التشبيهات والكنايات والاستعارات فصارت كلها نسيجاً مجازياً فنياً رائعاً تجسد من خلال رؤيتها الإبداعية المركبة بأسلوب حواري وسردي اكتملت فيه سمات الحوار المتحرك والصراع الداخلي أو الدرامي في سرد أحداث هذه التجربة الشعورية حيث تؤكد الشاعرة الناقدة أن الفن الشعري والإبداع في القصيدة متأت من التعبير الذي تتجلى فيه موهبة الشاعر قبل كل شيء لأنها تلح على الملمح الجمالي الذي يتحقق لديها من خلال صورها الشعرية التي تراها تشكيلاً لغوياً في نظرتها إلى الشعر بأنه "فن اللغة"(4) .‏

2-2‏

تتجلى الرؤية الإبداعية لقصيدة السياب غريب على الخليج)(5) التي نظمها عام 1953، في تصويرها الدقيق لمفهوم الغربة المرتبطة بالمكان وعاءً وطنياً لزمان وطني وبالاغتراب مفهوماً فكرياً ونفسياً، علماً أن مصطلح الاغتراب) لم يستقر في اللغة العربية حتى الآن فهو الغربة) والتغريب) والاستلاب) والانحراف عن الجوهر) والانسلاخ) والاستلاب) إذ أن مثل هذه الترجمات المتعددة قد تربك القارئ العربي "ولعل أشد التباس يقع فيه القارئ هو عدم التفريق بين الغربة والاغتراب. فالغربة تعني الشعور بالابتعاد المكاني عن الوطن، أي الإحساس بالغربة نتيجة المسافة التي تفصل بين الإنسان عن مجتمعه ومعارفه وعالمه. أما الاغتراب فيختلف عن الغربة اختلافاً جوهرياً إذ أنه يعني فقدان القيم والمثل الإنسانية والخضوع لواقع اجتماعي يتحكم في الإنسان ويستعبده، حينئذ يشعر الإنسان بالانفصال والانعزال عن الآخرين والعالم وحتى عن ذاته"(6) .‏

ويبدو أن السيّاب في هذه القصيدة المعبرّة عن رؤياه البعيدة عن وطنه يجمع بين الغربة المكانية) وبين غربة الذات وغربة القيم الإنسانية) أو الغربة النفسية أو الاغتراب القيمي). جلس السيّاب على إحدى ضفاف الخليج العربي يرنو من بعيد إلى عراقه الحبيب واصفاً هذه اللحظة حيث الريح تلهث بالهجيرة كالجثام على الأصيل.. وما يحيط بها من رموز ودلالات فيستريح هذا الغريب على رمال الخليج ماداً ببصره إلى العراق حيث تتوهج ذاته وينفعل وجدانه فيرى العراق حبيباً يناجيه بصوت مبحوح من قرارة نفس ثكلى، فتنطلق من بين شفتيه الحزينتين لفظة عراق) التي تتكرر في هذا الموضع سبع مرات دليلاً على مدى تعلق الشاعر بوطنه وبعده عنه وتدفق نار الوجد التي تسري في غربته عنه في هذه اللحظة الحزينة المأساوية فتنثال عليه من خلالها ذكرياته البعيدة:‏

"الريحُ تلهث بالهجيرة، كالجثام، على الأصيلِ‏

وعلى القلوع تظل تُطوى أو تُنثَر للرحيلِ‏

زحم الخليج بهنّ مكتدحون جوابو بحارِ‏

من كل حافٍ نصف عاري‏

وعلى الرمال، على الخليج‏

جلس الغريبُ، يسرح البصر المحيّر في الخليج‏

ويهدُّ أعمدة الضياء بما يُصَعّد من نشيج:‏

"أعلى من العبَّاب يهدرُ رغوه ومن الضجيجِ‏

صوتٌ تفجَّر في قرارة نفسي الثكلى، عراق،‏

كالمدّ يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون.‏

الريح تصرخ بي: عراق،‏

والموج يعول بي: عراق، عراق، ليس سوى عراق!‏

البحر أوسع ما يكون وأنت أبعد ما تكون‏

والبحر دونك يا عراق:‏

بالأمسِ حين مررْتُ بالمقهى، سمعتك يا عراق...‏

فيتذكر المقهى الذي كان يرتاده هو وصحبه ويتذكر وجه أمه وصوتها..‏

ويتذكر نخيل العراق وكل ما فيه من روعة وأسى وشكوى ونجوى وحنين إليه.. ويتذكر "تنور" بيته الوهاج تزحم أكف المصلين وحديث عمته الخفيض عن الملوك الغابرين:‏

"وكنت دورة اسطوانه‏

هي دورة الأفلاك من عمري تكور لي زمانه‏

في لحظتين من الزمان وأن تكن فقدت زمانه‏

هي وجه أمي في الظلامِ‏

وصوتها، يتزلَّقان مع الرؤى حتى أنام؛‏

وهي النخيل أخاف منه إذا أدلهمَّ مع الغروب فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفلٍ لا يؤوبُ‏

من الدروب..‏

.....‏

وحديث عمتي الخفيض عن الملوك الغابرين؟‏

ووراء بابٍ كالقضاء‏

قد أوصدته على النساء.‏

أيدٍ تطاع بما تشاء، لأنها أيدي الرجال-‏

كان الرجال يعربدون ويسكرون بلا كلال.‏

وتمر على الشاعر لحظة قناعة وهدوء ينظر من خلالها إلى بقايا من سعادته، ولكنه سرعان ما يربط بين السعادة/ الحبيبة وبين الوطن/ الحبيب الأصيل.. إنه عراق روحه فالحبيبة والعراق جسد واحد وروح واحدة فإذا ما تحقق اللقاء بين الحبيبين، ستكون الفرحة الكبرى التي يتمناها الشاعر الذي بقي يعيش على لقاء تلك الأمنية حتى نهاية عمره مهموماً مغترباً مضطرباً، أعيته الغربة وضاق به الاغتراب حتى الظلام في عراقه أجمل شيء عنده لأنه يحتضن العراق:‏

"أفتذكرين؟ أتذكرين؟‏

سعداءَ كنا قانعين‏

بذلك القصص الحزين لأنه قصص النساء.‏

.... أحببتُ فيك عراق روحي أو حببتكِ أنتِ فيه؛‏

يا أنتما مصباح روحي أنتما- وأتى المساء‏

والليل أطبق، فلتشعّا في دجاه فلا أتيه.‏

لو جئتِ في البلد الغريب إليّ ما كمل اللقاء!‏

الملتقى بكِ والعراقُ على يديَّ.. هو اللقاء!‏

شوق يخضُّ دمي إليه، كأن كل دمي اشتهاء،‏

جوع إليه.. كجوع كل دم الغريق إلى الهواء،‏

شوق الجنين إذا اشرأب من الظلام إلى الولادة!‏

إني لا عجب كيف يمكن أن يخون الخائنون‏

أيخون إنسانٌ بلاده؟‏

إن خان معنى أن يكون، فكيف يمكن أن يكون؟‏

الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلام‏

-حتى الظلام- هناك أجمل، فهو يحتضن العراق‏

واحسرتاه، متى أنامُ‏

فأحس أن على الوسادة‏

من ليلك الصيفي طلاً فيه عطرك يا عراق؟"‏

ثم يبدأ يصف عراقه وما توحيه هذه اللحظة الحبيبة إلى نفسه، فيغني تربته الحبيبة ويشارك الفقراء مأساتهم وهو الذي عانى ويعاني كالمسيح يجر في المنفى صليبه.. ثم تنتهي هذه اللحظة الإنسانية الخاطفة بسؤاله عن عودته إلى العراق، هذا السؤال الذي يظهر على شكل حوار ذاتي أو داخلي يفجّر في أعماقه أكثر من ذكرى وأكثر من همٍّ هو جزء من مدد اغترابه) ويلح عليه السؤال فينزف شوقاً، دماً، حرماناً، لوعة، إلى لقاء العراق قبل رحيل العمر.. فيصحو على واقع أو نداء خفي كأنه لا رجعة له إلى العراق ولن يراه بعد الآن من شدة تدفق هذا الحنان الطاغي في ذاته لرؤية العراق..‏

"واحسرتاه.. فلن أعود إلى العراق!‏

وهل يعودُ‏

من كان تعوزُهَ النقودُ؟ وكيف تدّخرّ النقودُ‏

وأنت تأكل إذ تجوع؟ وأنت تنفق ما يجودُ‏

به الكرام، على الطعام‏

لتبكينَّ على العراقِ‏

فما لديك سوى الدموع‏

وسوى انتظارك دون جدوى، للرياح وللقلوعِ!"‏

إن الغربة في هذه الرؤية الإبداعية المركبة ظاهرة نفسية اقترنت بالاغتراب ظاهرة اجتماعية وذاتية في آن واحد.. ولما كان السيّاب إنساناً في جوهره حياة أو روح، فلا غرابة من هذا الانتقال السريع المفاجئ بين رموز القصيدة وصورها من حال إلى حال، فلا تناقض مع طبيعته الجوهرية حين ينغلق على ذاته، ولا ينسى السياب أن يتكامل مع الكل الحي وهو العراق.. العراق هذه الوحدة المتكاملة، هي الفرد ومجموعة الأفراد.. هي الذكرى الحلوة والأخرى الحزينة الباكية، هي الأنا والذات والنحن في زمن جمالي واحد، هي الفرد والعالم حيث يراها السياب ممكنة بالحب ومن خلاله حيث يحس بالوحدية الكاملة التي لا تبعده عن التوحد بالعراق روحاً وجسداً وفكراً وطموحاً وأملاً مع ما في هذه الدلالات من أسى وشكوى واضطراب وخلجات، فالعراق في هذه القصيدة قوة مبدعة يسعى السياب إلى تحقيق ذاته فيها ومن خلالها على الرغم من قسوة ظروفه وعمق معاناته وفقره وغربته..‏

إن العراق روحه التي تخفف من غربته ولو إلى حين، فانفصاله وابتعاده الحسي والمثالي عن وطنه هو تجسيد لما في ذاته من شوق دفين يرفض الاغتراب بمعنى الانفصال أنه الغربة المغتربة في ذات حساسة مفرطة الحساسية.. وعقل يرى عراقه بواقعية وإنسانية.. إنها الغربة المغتربة التي تبدو عند السياب كأنها ظاهرة حتمية في وجود إنساني لا تخلو من صراع داخلي في ذاته الحزينة.. فروحه المغتربة عن ذاتها وذاته المغتربة عن وجودها العراق هي التي جعلت الشاعر متناغماً مع نفسه ومع عراقه وربما مع العالم.‏

إن الرؤية الإبداعية المركبة في هذه القصيدة من خلال لغتها الإيحائية الانفعالية أو التقريرية الواقعية في بعض الأحيان، ومن خلال رموزها وصورها، تؤكد أن فلسفة الألم الكامنة وراء الإحساس بالحزن والغربة والاغتراب هي مظهر من مظاهر إدراك المأساة. والسيّاب واحد من شعراء العربية المعاصرين والمحدثين الذين وعوا هذه المأساة، فكان تطلعه الشديد المرهف الحساسية إلى بويب) وجيكور) في كل جيكورياته) ولوعته وأساه في أيوبياته) وقصائد غربته، صوراً من معاناته تجاه تلك المأساة المكثفة بالوجد والحيرة والعتمة والألم حتى لقد وصفه أحد النقاد بأنه "نموذج للشاعر القلق المعذب الذي لا يستقر على شيء بعينه لأنه مفرد الحساسية، فقد بدأ قلقاً وانتهى قلقاً ولم يعرف قط راحة اليقين"(7) .‏

* نشر هذا البحث في لغة الضاد) ج3 دائرة علوم اللغة العربية/ المجمع العلمي/ بغداد، 2000.‏

(1) د. عبد الكريم راضي جعفر، نظرية الشعر عند نازك الملائكة، الموسوعة الصغيرة/ 434، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 2000 ص12.‏

(2) د. عناد غزوان، مستقبل الشعر وقضايا نقدية، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1994، ص18، ص120.‏

(3) نازك الملائكة، يغيّر ألوانه البحر، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1977، ص11-24.‏

(4) د. عبد الكريم راضي جعفر، المصدر السابق، ص136.‏

(5) بدر شاكر السياب، أنشودة المطر، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1969، ص9-14.‏

(6) شاكر نوري، مشكلة الاغتراب في الأدب والفن، مجلة الثقافة، العدد6، حزيران، بغداد، 1977، ص 85-110، وانظر: د. محمود رجب، الاغتراب، منشأة المعارف، الاسكندرية، جـ1، 1978، ص13-23. و: د. نبيل رمزي اسكندر، الاغتراب وأزمة الإنسان المعاصر، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، 1988، الفصل الأول بمباحثه ص3-35.‏

(7) لويس عوض، الثورة والأدب، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1967، ص38، وانظر: د. عناد غزوان، أصول نظرية نقد الشعر عند العرب ومدارات نقدية، دار عبادي للدراسات والنشر، صنعاء 1998، ص147- 148.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244