|
||||||
| Updated: Saturday, December 20, 2003 01:31 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
التعريف بابن فارسبسم
الله الرحمن الرحيم عبد السَّلام محمد هَارُون - رئيس قسم الدراسات
النحوية بكلية دار العلوم سابقاً وعضو المجمع اللغوي لم تعين كتب التراجم
تاريخاً لولادة أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن حبيب الرازي، على حين نجد
الرواة يختلفون في نسبه وموطنه. أما اختلافهم في اسمه
فقد زعم ابن الجوزي- على ما رواه ياقوت، وهو ما رأيته في كتابه المنتظم نسخة دار
الكتب المصرية- أن اسمه أحمد بن زكريا بن فارس([1]). ولكنَّ ياقوتاً لا يعبأ
بهذا القول الشاذ، ويذهب إلى أنه قول "لا يعاج به". وأما موطنه فندع القفطي([2])
يقول فيه: "واختلفوا في وطنه، فقيل كان من قزوين. ولا يصح ذلك، وإنما قالوه لأنه
كان يتكلم بكلام القزاونة([3]). وقيل: كان من رستاق
الزهراء، من القرية المدعوة كرسف جياناباذ". وقال ياقوت: "وجدت
على نسخة قديمة لكتاب المجمل من تصنيف ابن فارس ما صورته: تأليف الشيخ أبي الحسين
أحمد بن فارس بن زكريا الزهراوي الأستاذ خرزي. واختلفوا في وطنه، فقيل كان من
رستاق الزهراء من القرية المعروفة بكرسفة وجياناباذ. وقد حضرت القريتين مراراً،
ولا خلاف في أنه قروي. حدثني والدي محمد بن أحمد، وكان من جملة حاضري مجالسه،
وقال: أتاه آت فسأله عن وطنه، فقال: كرسف. قال: فتمثل الشيخ: [الطويل].
وكتبه مجمع بن محمد بن
أحمد بخطه، في شهر ربيع الأول سنة ست وأربعين وأربعمائة". قال ياقوت: "وكان
في آخر هذا الكتاب ما صورته أيضاً: قضى الشيخ أبو الحسين أحمد بن فارس رحمه الله
في صفر سنة خمس وتسعين وثلاثمائة بالري، ودفن بها مقابل مشهد قاضي القضاة أبي
الحسن علي بن عبد العزيز. يعني الجرجاني". فهذا النص الذي أورده
ياقوت يكسب أبا الحسين بن فارس نسبتين أخريين: هما "الزهراوي"
و"الأستاذ خرزي"، غير نسبته المشهورة "الرازي" إلى مدينة
"الريّ" قصبة بلاد الجبل. ولعل في كثرة اضطراب
أبي الحسين في بلاد شتى، ما يدعو إلى هذا الخلاف في معرفة وطنه الأول. ويروي
القفطي أيضاً أن "أصله من همذان، ورحل إلى قزوين إلى أبي الحسين إبراهيم بن
علي بن إبراهيم بن سلمة بن فخر،… فأقام هناك مدة، ورحل إلى زنجان إلى
أبي بكر أحمد بن الحسن بن الخطيب راوية ثعلب، ورحل إلى ميانج". ويروي ياقوت عن يحيى بن
مَنْدَه الأصبهاني، قال: "سمعت عمي عبد الرحمن بن محمد العبدي يقول: سمعت أبا
الحسين أحمد بن زكريا بن فارس النحوي يقول: دخلت بغداد([5])
طالباً للحديث؛ فحضرت مجلس بعض أصحاب الحديث وليست معي قارورة، فرأيت شابّاً عليه
سِمَة من جمال فاستأذنته في كَتْب الحديث من قارورته فقال: من انبسط إلى الإخوان
بالاستئذان، فقد استحق الحرمان". فهو كما ترى قد تنقل في
جملة من البلاد ساعياً للعلم، شأنَ طلاب العلم في ذلك الزمان، فاكتسب بذلك جماعة
من الأنساب. إقامته
بهمذان:
ولكن المقام استقر به
في معظم الأمر بمدينة همذان. قال ابن خلكان: "وكان مقيماً بهمذان".
ويقول الثعالبي([6])
في ترجمته: "أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، المقيم كان بهمذان. من أعيان
العلم وأفذاذ الدَّهر، يجمع إتقان العلماء، وظرف الكتاب والشعراء. وهو بالجبل كابن
لنكك بالعراق، وابن خالويه بالشام، وابن العلاف بفارس، وأبي بكر الخوارزمي
بخراسان". وقد تَلْمَذ لـه في
أثناء إقامته الطويلة بهمذان أديبها المعروف "بديع الزمان الهمذاني"
الذي يرجع الفضل كل الفضل في تكوينه وتأديبه إلى أبي الحسين أحمد بن فارس. قال
الثعالبي في ترجمته بديعَ الزمان: "وقد درس على أبي الحسين بن فارس، وأخذ عنه
جميع ما عنده، واستنفد علمه، واستنزف بحره". انتقاله إلى
الرّيّ:
ولما اشتهر أمره بهمذان
وذاع صوته، استدعي منها إلى بلاط آل بويه بمدينة الري، ليقرأ عليه أبو طالب بن فخر
الدَّولة علي بن ركن الدَّولة الحسن بن بويه الدَّيلمي. وهناك التقى برجل خطير كان
يبغي من قبل أن يعقد صلة بينه وبينه، حتى لقد أنفذ إليه من همذان كتاباً من
تأليفه، هو "كتاب الحجر([7])". ذلك الرجل الخطير هو
الصاحب إسماعيل بن عباد([8]). وفي هذه الآونة زال ما كان
بين أبي الحسين وبين الصاحب من انحراف، كانت علته انتساب ابن فارس إلى خدمة آل
العميد([9])
وتعصبه لهم. واصطفاه الصاحب حينئذ، وأخذ عنه الأدب، واعترف له بالأستاذية والفضل، وكان يقول
فيه: "شيخنا أبو الحسين ممن رزق حسن التصنيف، وأمن فيه من التصحيف([10])". شيوخ ابن
فارس وتلاميذه:
كان والد أبي الحسين
فقيهاً شافعياً لغوياً، وقد أخذ عنه أبو الحسين فقه الشافعي، وروى عنه في كتبه([11]).
قال ابن فارس: "سمعت أبي يقول: سمعت محمد بن عبد الواحد يقول: إذا نُتِج ولدُ
الناقة في الربيع ومضت عليه أيام فهو رُبَع، فإذا نُتج في الصيف فهو هُبَع، فإذا
نتج بين الصيفِ والربيع فهو بُعَّة([12])". وأنت تجد في مقدمة ابن فارس
لكتاب المقاييس نصاً على أنه روى كتاب المنطق لابن السكيت عن أبيه فارس بن زكريا. وكان
أبوه أيضاً رجلاً أديباً راوية للشعر. قال ياقوت: "وحدث ابن فارس: سمعت أبي
يقول: حججت فلقيت ناساً من هذيل، فجاريتهم ذكر شعرائهم فما عرفوا أحداً منهم، ولكني
رأيت أمثل الجماعة رجلاً فصيحاً، وأنشدني:
ومن شيوخه أيضاً أبو
بكر أحمد بن الحسن الخطيب راوية ثعلب، وهذه الأستاذية تفسر لنا السر في أن ابن
فارس كان نحوياً على طريقة الكوفيين. ومن شيوخه كذلك أبو الحسن
علي بن إبراهيم بن سلمة القطان. وقد أكثر ابن فارس من الرواية عنه في كتابه
"الصاحبي" ونص في مقدمة المقاييس أنه قرأ عليه كتاب العين المنسوب إلى
الخليل. وفي عداد شيوخه أبو
الحسن علي بن عبد العزيز صاحب أبي عبيد القاسم ابن سلام، وقد روى عنه ابن فارس
كتابَيْ أبي عبيد: غريب الحديث، ومصنف الغريب، كما نص في المقدّمة. ومنهم أبو بكر محمد بن
أحمد الأصفهاني، وعلي بن أحمد الساوي، وأبو القاسم سلمان بن أحمد الطبراني. والشيخ الذي كان يسترعي
انتباه ابن فارس وإعجابه الشديد، هو أبو عبد الله أحمد بن طاهر المنجم. وفيه يقول ابن
فارس([13]):
"ما رأيت مثل أبي عبد الله ابن طاهر، ولا رأى هو مثل نفسه". وأما
تلاميذ ابن فارس فكثيرون، وكان من أشهرهم بديع الزمان الهمذاني، وأبو طالب بن فخر
الدَّولة البويهي، والصاحب إسماعيل بن عباد، كما أسلفنا القول. وقال ابن الأنباري: "وكان له صاحب
يقال له أبو العباس أحمد بن محمد الرازي المعروف بالغضبان، وسبب تسميته بذلك أنه
كان يخدمه ويتصرف في بعض أموره. قال: فكنت ربما دخلت فأجد فرش البيت أو بعضه قد
وهبه، فأعاتبه على ذلك وأضجر منه، فيضحك من ذلك ولا يزول عن عادته. فكنت متى دخلت
عليه ووجدت شيئاً من البيت قد ذهب علمت أنه قد وهبه، فأعبس وتظهر الكآبة في وجهي،
فيبسطني ويقول: ما شأن الغضبان! حتى لحق بي هذا اللقب منه، وإنما كان يمازحني
به". ومن تلاميذه أيضاً علي
بن القاسم المقري، وقد قرأ عليه كتابه (أوجز السير لخير البشر) المطبوع في الجزائر
وبمباي، ويفهم من هذا الكتاب أن ابن فارس أقام في مدينة الموصل زماناً وقرأ عليه
المقري فيها هذا الكتاب. وفاته:
لم يختلف المؤرخون في
أن ابن فارس قد قضى نحبه في مدينة الري، أو المحمدية([14])،
وأنه دُفن بها مقابل مشهد قاضي القضاة أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني. ولكنهم يختلفون في
تاريخ وفاته على أقوال خمسة: فقيل توفي سنة (360)
كما نقل ياقوت عن الحميدي، وعقب على ذلك بأنه قول لا اعتبار به. وقيل كانت وفاته
سنة (369) ذكر ذلك ابن الجوزي في المنتظم، ونقله عنه ياقوت. وعَدَّه ابن الأثير
أيضاً في وفيات سنة 369. وذكر ابن خلِّكان أنه
توفي سنة (375) بالمحمدية. وقيل إنه توفي سنة (390) ذكر ذلك ابن
خلكان أيضاً، وابن كثير في أحد قوليه في كتابه البداية والنهاية، وكذا اليافعي في
مرآة الجنان، وصاحب شذرات الذهب. وأصح الأقوال وأولاها
بالصواب أن وفاته كانت سنة (395) كما ذكر القفطي في إنباه الرواة، وكما نقل
السيوطي عن الذهبي في بغية الوعاة، قال: "وهو أصح ما قيل في وفاته".
وذكره أيضاً في هذه السنة ابن تَغْرِي بِرْدِي في النجوم الزاهرة، وابن كثير في
البداية والنهاية. وهو الذي استظهره ياقوت، إذ وجد هذا التاريخ على نسخة قديمة من
كتاب المجمل([15]). وذكر في معجم البلدان
(7: 339) أنه وجد كتاب تمام الفصيح بخط ابن فارس، كتبه سنة 390. وفي إرشاد الأريب أنه
وجد خطه على كتاب [تمام] الفصيح تصنيفه وقد كتبه سنة 391. فهذا كله يؤيد القول
أنه توفي سنة 395. وروى أكثر من ترجم له
أنه قال قبل وفاته بيومين:
([1]) تجد هذه التسمية أيضاً فيما سيأتي من نقل عن ياقوت في ص5 عن يحيى بن منده الأصبهاني. لكن ابن فارس نفسه يسمي والده في مقدمة المقاييس ص5 وكذلك في خاتمة الصاحبي 232: "فارس بن زكريا". وهو نص قاطع. ([2]) إنباه الرواة (1: 94).مصورة دار الكتب المصرية. ([3]) ممن ذكره بنسبته "القزويني" أيضاً،
السيوطي في بغية الوعاة. وقال ياقوت: "وذكره الحافظ السلفي في شرح مقدمة
معالم السنن للخطابي، فقال: أصله من قزوين". ([4]) انظر زهر الآداب (3: 100). ([5]) من العجب أن الخطيب البغدادي لم يترجم له في
كتابه تاريخ بغداد، مع أنه من شرط كتابه. ([6]) يتيمة الدهر (3: 214). ([7]) في إرشاد الأريب: "كان الصاحب منحرفاً عن
أبي الحسين بن فارس، لانتسابه إلى خدمة آل العميد وتعصبه لهم، فأنفذ إليه من همذان
كتاب الحجر من تأليفه، فقال الصاحب: ردّ الحجر من حيث جاءك. ثم لم تطب نفسه بتركه
فنظر فيه وأمر له بصلة". ([8]) هو أبو القاسم إسماعيل بن عباد بن العباس بن
عباد. وهو أول من لقب بالصاحب من الوزراء، لأنه كان يصحب أبا الفضل بن العميد،
فقيل له "صاحب ابن العميد" ثم أطلق عليه هذا اللقب لما تولى الوزارة، وبقي
علماً عليه. وقيل إنما سمي الصاحب لأنه صحب مؤيد الدولة أبا منصور بويه بن ركن
الدولة بن بويه الديلمي، وتولى وزارته بعد أبي الفتح علي بن أبي الفضل بن العميد،
فلما توفي مؤيد الدولة في سنة 373 بجرجان استولى على مملكته أخوه فخر الدين أبو
الحسن علي، فأقر الصاحب على وزارته. توفي سنة 385 بالري. ([9]) كان من أشهر آل العميد أبو الفضل محمد بن
الحسين. والعميد لقب والده الحسين، لقبوه بذلك على عادة أهل خراسان في إجرائه مجرى
التعظيم. وكان أبو الفضل عماد آل بويه، وصدر وزرائهم، وهو الذي قيل فيه:
"بدئت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد". قال الثعالبي في
اليتيمة ([10]) ابن الأنباري، وياقوت، والسيوطي في البغية. ([11]) مما هو جدير بالذكر أن ابن فارس ظل دهراً شافعي
المذهب، ولكنه في آخر أمره حين استقر به المقام في مدينة الري، تحول إلى مذهب
المالكية، ولما سئل في ذلك قال: "أخذتني الحمية لهذا الإمام أن يخلو مثل هذا
البلد عن مذهبه، فعمرت مشهد الانتساب إليه حتى يكمل لهذا البلد فخره، فإن الري
أجمع البلاد للمقالات والاختلافات في المذاهب، على تضادها وكثرتها".
انظر نزهة الألباء 393. ([12]) نزهة الألباء 393-394. ([13]) نزهة الألباء، وإرشاد الأريب. ([14]) المحمدية هذه محلة بالري، كما حقق ياقوت في معجم
البلدان. ([15]) انظر ص4 من هذه المقدمة. وكذا ما سيأتي من
الكلام على "تمام فصيح الكلام" في مؤلفات ابن فارس، إذ تجد نسخة منه قد
كتبت في سنة 393. |