|
||||||
| Updated: Saturday, December 20, 2003 01:31 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ابن فارس الأديب لم يكن ابن فارس من العلماء الذين ينْزَوُون على أنفسهم ويكتفون بمجالس العلم والتعليم، بل كان متصلاً بالحياة أكمل اتصال، مادّاً بسببه إلى نواحٍ شتى منها. شعره: فهو شاعر يقول الشعر ويرقّ فيه، حتى لَينمّ شعره عن ظَرفه وحسن تأتِّيهِ في الصنعة على طريقة شعراء دهره. وهو ملحٌّ في التهكم والسخرية، لا ينسى السخرية في الغزل فيقول([1]):
فيجعل من حجة النحوي في ضعفها على ما يراه، شبهاً لطرف صاحبته الفاتن الفاتر. وهو يستعملها في تصوير حظوظ العلماء والأدباء إذ يقول:
وهو يتبرم بهمذان والعيشِ فيها فيرسم حياته فيها على هذا النحو الساخر البديع:
وهو صاحب حملة ماجنة على من يزهدون في الدّينار والدّرهم، ويطلبون المجد في العلم والعقل، أنشد البِيروني له([4]):
ولابن فارس التفات عجيب إلى السنور، وقد سجل في غير هذا الموضع من شعره أنه كان يصطفي لنفسه هرة تلازمه، وتنفي عنه هموم قلبه ووساوس النفس:
وهو بصير ذو خبرة بطبائع الناس، واستئسارهم للمال، وخضوعهم له:
ويقول:
ويقول أيضاً:
ويستعمل التهكم في أمور أخرى إذ يقول لمن يتكاسل في طِلابِ العلم:
ولمن يقدّر لأمر الدُّنيا، ويَجْري القضاءُ بخلاف ما قدَّر:
وروى له الثعالبي في خاص الخاص ص153:
استعمال الشعر في تقييد مسائل اللغة: ولعلّ ابن فارس من أقدم من استعمل أسلوب الشعر في تقييد مسائل اللغة والعربية. قال ياقوت: "قرأت بخط الشيخ أبي الحسن عليّ بن عبد الرحيم السُّلَمي: وجدت بخط ابن فارس على وجه المجمل، والأبياتُ لـه. ثم قرأتها على سعد الخير الأنصاري، وأخبرني أنه سمعها من ابن شيخه أبي زكريا، عن سليمان ابن أيوب، عن ابن فارِس:
العين: سحاب ينشأ من قَبِل القِبْلَة.
العين هاهنا: عين الإنسان وغيره.
العين هاهنا: عين الركبة. والطرق: ضعف الركبتين.
العين هاهنا: ثقب يكون في المزادة. وتوله الماء: أن يتسرب.
العين هاهنا: الرقيب.
العين هاهنا: العين في الميزان([12]).
العين ها هنا: المال الناضّ. رأيه في النقد: وابن فارس يلم أيضاً بالحياة الأدبية في عصره، ولا يتزمّت كما يتزّمت كثير من اللغويين الذين ينصرفون عن إنتاج معاصريهم ولا يقيمون له وزناً فهو يصغي إلى نشيدهم، ويروي لكثير منهم، وينتصر للمحسن وينتصف لـه من المتعصبين الجامدين، الذين يزيفون شعر المحدثين ويستسقطونه. وإليك فصلاً من رسالة لـه كتبها لأبي عمرو محمد بن سعيد الكاتب([14])، لتستبينَ مذهبه ذلك، وتلمس أسلوبه الفني الأدبي: "ألهمك الله الرشاد، وأصحبك السداد، وجنّبك الخلاف، وحبب إليك الإنصاف. وسبب دعائي بهذا لك إنكارك على أبي الحسن محمد بن علي العجلي تأليفه كتاباً في الحماسة وإعظامك ذلك. ولعله لو فعل حتى يُصيبَ الغرض الذي يريده، ويرد المنهل الذي يؤمُّه، لاستدركَ من جيّد الشعر ونقيِّه، ومختاره ورضيّه، كثيراً مما فات المؤلّف الأول. فماذا الإنكار، ولمَه هذا الاعتراضُ، ومن ذا حَظَر على المتأخّر مضادَّة المتقدِّم، ولمَه تأخذ بقوله من قال: ما ترك الأول للآخر شيئا، وتدع قول الآخر([15]): * كم ترك الأوّل للآخِر * وهل الدّنيا إلا أزمان، ولكل زمان منها رجال. وهل العلوم بعد الأصول المحفوظة إلا خطرات الأوهام ونتائج العقول. ومن قصر الآداب على زمانٍ معلوم، ووقفها على وقت محدود؟! ولمَه لا ينظر الآخر مثلما نظر الأوّل حتى يؤلف مثل تأليفه، ويجمع مثل جمعه، ويرى في كل مثل رأيه. وما تقول لفقهاء زماننا إذا نزلت بهم من نوادر الأحكام نازلة لم تخطر على بال من كان قبلهم. أوما علمت أن لكل قلب خاطراً، ولكل خاطر نتيجة. ولمه جاز أن يقال بعد أبي تمام مثل شعره ولم يجز أن يؤلف مثلُ تأليفه. ولمه حجرت واسعاً وحظرت مباحاً، وحرّمت حلالاً وسددتَ طريقا مسلوكاً. وهل حبيبٌ إلا واحد من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم. ولمه جاز أن يُعارض الفقهاءُ في مؤلفاتهم، وأهل النحو في مصنفاتهم، والنظّار في موضوعاتهم، وأرباب الصناعات في جميع صناعاتهم، ولم يجز معارضة أبي تمام في كتاب شذ عنه في الأبواب التي شرعها فيه أمرٌ لا يدرك ولا يدرى قدره. ولو اقتصر الناس على كتب القدماء لضاع علم كثير، ولذهب أدب غزير، ولضلت أفهام ثاقبة، ولكلَّت ألسن لسِنة، ولما توشّى أحد بالخطابة، ولا سلك شعباً من شعاب البلاغة، ولمجت الأسماع كل مردود مكرر، وللفظت القلوب كل مرجّع ممضَّغ، وحَتَّامَ لا يسأم: * لو كنتُ من مازن لم تستبح إبلي * وإلى متى * صَفحْنا عن بني ذهل * ولمه أنكرت على العجليّ معروفاً، واعترفت لحمزة بن الحسين ما أنكره على أبي تمام، في زعمه أن في كتابه تكريراً وتصحيفاً، وإيطاءً وإقواءً، ونقلاً لأبياتٍ عن أبوابها إلى أبوابٍ لا تليق بها ولاتصلح لها، إلى ما سوى ذلك من روايات مدخولة، وأمور عليلة. ولمه رضيت لنا بغير الرضى، وهلا حثثت على إثارة ما غيبته الدهور، وتجديد ما أخلقته الأيام، وتدوين ما نُتِجته خواطر هذا الدّهر، وأفكار هذا العصر. على أن ذلك لو رامه رائم لأتعبه، ولو فعله لقرأتَ ما لم ينحط عن درجة من قبله، مِن جدٍّ يروعك، وهزل يروقك، واستنباط يعجبك، ومزاح يلهيك. وكان بقزوين رجل معروف بأبي حامد الضرير القزويني، حضر طعاماً وإلى جنبه رجل أكول، فأحسَّ أبو حامد بجودة أكله فقال:
فانظر إلى وجازة هذا اللفظ، وجودة وقوع الأمعاء إلى جنبِ معاوية. وهل ضر ذلك أن لم يقله حماد عجرد وأبو الشمقمق. وهل في إثبات ذلك عار على مثبته، أو في تدوينه وصمة على مدوِّنه. وبقزوين رجل يعرف بابن الرياشي القزويني، نظر إلى حاكم من حكامها من أهل طبرستان مقبلاً، عليه عمامة سوداء وطيلسان أزرق، وقميص شديد البياض، وخُفٌّ أحمر، وهو مع ذلك كله قصير، على برذون أبلقَ هزيل الخلق، طويل الحلق، فقال حين نظر إليه:
فلو شهدت هذا الحاكم على فرسه لشهدت للشاعر بصحّة التشبيه وجودة التمثيل، ولعلمت أنه لم يقصر عن قول بشار:
فما تقول لهذا. وهل يَحسن ظلمه، في إنكار إحسانه، وجحود تجويده. وأنشدني الأستاذ أبو علي محمد بن أحمد بن الفضل، لرجل بشيراز يعرف بالهمذاني وهو اليوم حي يرزق، وقد عاتبَ([17]) بعض كتابها على حضوره طعاماً مرض منه:
وأنشدني لـه في شاعر هو اليوم هناك يعرف بابن عمرو الأسدي، وقد رأيته فرأيت صفة وافقت الموصوف:
وأنشدني عبد الله بن شاذان القاري، ليوسف بن حمويه من أهل قزوين؛ ويعرفُ بابن المنادي:
وليوسفَ محاسن كثيرة، وهو القائل – ولعلك سمعت به-:
وهي مليحةٌ كما ترى. وفي ذكرها كلها تطويل، والإيجاز أمثل. وما أحسبك ترى بتدوين هذا وما أشبهه بأساً. ومدح رجلٌ بعض أمراء البصرة، ثم قال بعد ذلك وقد رأى توانياً في أمره، قصيدةً يقول فيها كأنه يجيب سائلاً:
فكيف تقول لهذا، ومن أي وجه تأتي فتظلمه، وبأي شيء تعانده فتدفعه عن الإيجاز، والدلالة على المراد بأقصر لفظٍ وأوجز كلام. وأنت الذي أنشدتني:
كما أنشدتَني لبعض شعراء الموصل:
فلِمَ لم تخاصم هذين الرجلين في مزاحمتها فحولة الشعراء وشياطين الإنس، ومَرَدة العالَم في الشعر. وأنشدني أبو عبد الله المغلسي المراغي لنفسه:
وأنشدني أحمد بن بندار لهذا الذي قدمت ذكره، وهو اليوم حي يرزق:
وسمعت أبا الحسين السروجي يقول: كان عندنا طبيب يسمى النعمان، ويكنى أبا المنذر، فقال فيه صديقٌ لي:
وهذا الفصل الذي أورده الثعالبي من رسالة ابن فارس، إلى ما
رواه ياقوت في إرشاد الأريب([19])
من مساجلة أدبية بين ابن فارس وعبد الصمد بن بابك الشاعر المعروف، يظهرنا على مدى
اتصال أبي الحسين بالحركة الأدبية في عصره. ([13]) كتاب العين هو المنسوب إلى الخليل، كما أن كتاب الجيم لأبي عمرو الشيباني، رووا أنه أودعه تفسير القرآن وغريب الحديث، وكان ضنيناً به لم ينسخ في حياته ففقد بعد موته. وقال أبو الطيب اللغوي: "وقفت على نسخة منه فلم نجده بدأ من الجيم". انظر كشف الظنون. وروى السيوطي في المزهر (1: 91) عن ابن مكتوم القيسي قوله: "وقفنا على نسخة من كتاب الجيم فلم نجده مبدوءاً بالجيم". وانظر قصيدة تشبه هذه، في معنى "الحال" رواها صاحب اللسان (13: 246-247). |