|
||||||
| Updated: Saturday, December 20, 2003 01:32 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
كتاب المقاييس
يبدو من قول ياقوت في
أثناء سرده لكتب ابن فارس: "كتاب مقاييس اللغة، وهو كتاب جليل لم يصنف
مثله"، أنه اطلع على هذا الكتاب ونظر فيه. ولم أجدْ أحداً غير ياقوت يذكر هذا
الكتاب لابن فارس، ولعله من أواخر الكتب التي ألَّفها، فلذلك لم يظفر بالشهرة التي
ظفر بها غيره. معنى
المقاييس:
وهو يعني بكلمة
المقاييس ما يسميه بعض اللغويين "الاشتقاق الكبير"، الذي يرجع مفردات كل
مادة إلى معنى أو معانٍ تشترك فيها هذه المفردات. قال في الصاحبي ص 33: "أجمع
أهل اللغة إلا من شذ منهم، أن للغة العرب قياساً، وأن العرب تشتق بعض الكلام من
بعض، وأن اسم الجن مشتق من الاجتنان". وابن فارس لا يعتمد اطراد القياس في
جميع مواد اللغة، بل هو ينبه على كثير من المواد التي لا يطرد فيها القياس([1])، كما أنّه يذهب إلى أن الكلمات
الدالة على الأصوات وكثيراً من أسماء البلدَان ليس مما يجري عليه القياس. ويفطن
إلى الإبدال فطنة عجيبة، فلا يجعل للمواد ذات الإبدال معنى قياساً جديداً، بل
يردها إلى ما أبدلت منه([2]). نسخ
المقاييس:
وهذا الكتاب لم يسترعِ
انتباه العُلماء إلا منذ عهد قريب، وكانت وزارة المعارف المصرية قد اعَتَزَمتْ
نشره منذُ بضع سنوات، ولكن لم يحقق ما اعتزمته حينئذٍ. وقد أشار بروكلمان إلى أن
كتاب المقاييس قد وضع في البرنامج الذي وَضَعَته دائرة معارف حيدر أباد الدكن سنة
1354 للكتب الّتي انتَوت نشرها، وهذا العَزم لم يحقق أيضاً. ولقدَ دَفَعتُ بنفسي
إلى تحرِيرِ هذا الكتاب دَفْعَاً، بَعد ما آذنَتْ بارتِداد، فإني لم أجِد أمامي
منه إلا نُسخة واحِدة مودعة بِدار الكتب المصرية. وهذا الكتاب لم ينل
حظوة المجمل في كثرة نُسخه وتعَدُّد أصوله، فإن منه نُسخة بالمدرسةِ المَرْويةِ
بالبلاد الفارسية، وعن هذه النسخة أخذت صورتان لدار الكُتب المِصرية، وصورة
للمكَتَبةِ التَّيمورية، وأخرَى لمكتَبَةِ مجمع فؤاد الأول للغةِ العربية،
ورابعَة لأنِستاس ماري الكرملي، فيما أخبرني عن النسخة الأخيرة بعض الثقات. وصورتا دار الكتب
المصرية إحداهما مُوجبَة والأخرَى سالبَة، كما اصطلح أصحاب التَّصوير: فالموجبَة
برقم 652 لغة والسالبة برقم 651 لغة. وقد نشَرْت إزاء صدر هذَا الفَصْلِ
مِنَ المقدَّمة صورة لبَعْضِ المواضع مِنَ النسخة الموجبَة. والنسخةُ في 779 صفحة،
يضاف إليها صفحتان كُرر الترقيم فيهما سهواً، وهما صفحتا 497، 498 وكل صفحتَين
منها في لوحٍ واحد مِنْ ألواح التَّصوير الشمسي، عدد أسطُره سبعة وعشرون، وحجم
الصفحة (12×24). وهذه النسخة يشيع
فيها التحريف والاضطراب، كما أن بها بعْضاً مِنَ الفجواتِ والأسقاطِ، وبعضاً مِنَ
الإقحامِ والتزيُّد. وقد أشارَ بروكلمان إلى
نسخةٍ بالنجف، وزعم أن أصل نسخة القاهرة في "مَرَاكُش"، وهو سهو منه. المجمل
والمقاييس:
لا يساورني الريب أن
"المقاييس" مِنْ أواخِر مؤلفاتِ ابن فارس، فإن هذَا النضج اللغوي الذي
يَتَجلّى فيه، مِنْ دلائل ذلك، كما أن خمول ذكْرِ هذَا الكتَاب بين العُلماء
والمؤلفين، مِنْ أدلةِ ذلك. ولو أنه أتيح له أن يحيا طويلاً في زمان مُؤلفهِ
لاستَولى على بعْضِ الشهرة الَّتي نالها صنوهُ "المجمل". وأستطيع أن أذهب أيضاً
إلى أنه ألَّف "المقاييس" بعدَ تأليفه "المجمل"، فإنَّ
الناظرَ في الكِتابين يلمس القوة في الأول، ويجِد أن ابن فارس في المجمل إذا
حاول الكلام في الاشتِقاق فإنما يحاوله في ضعف والتواء، فهو في مادة (جن) مِنَ
المجمل يقول: "وسميت الجن لأنها تتَّقى ولا تُرَى. وهذا حَسَنٌ". فهو يعجبه
أن يهتدي إلى اشتقاق كلمة واحدة من مادة واحدة، وليس يكون هذا شأنَ رجلٍ يكون قد
وضع من قبلُ كتاباً فيه آلاف من ضروب الاشتقاق، بل هو كلام رجل لم يكن قد أوغل في
هذا الفن. وهو في المجمل يترك بعض
مسائل اللغة على علاتها، على حين ينقدها في المقاييس نقداً شديداً. ففي المجمل:
ويقال: الأترور الغلام الصغير، في قوله: * مِنْ عامِلِ الشُّرْطَةِ والأُترورِ * وفي المقاييس:
"وكذلك قولهم إن الأترور الغلام الصغير. ولولا وجداننا ذلك في كتبهم لكان
الإعراض عنه أصوب. وكيف يصح شيء يكون شاهده مثل هذا الشعر:
على أنه لو أمعنت في
الموازنة بين المجمل والمقاييس لأعضد هذا الرأي، لاقتضاني ذلك أن أكتب كثيراً.
ولكن يستطيع القارئ بالنظر في الكتابين أن يذهب معي هذا المذهب. نظام المعجم
والمقاييس:
جرى ابن فارس على طريقة
فاذَّةٍ بين مؤلفي المعجم، في وضع معجميه: المجمل والمقاييس. فهو لم يرتّب موادهما
على أوائل الحروف وتقليباتها كما صنع ابن دريد في الجمهرة، ولم يطردها على أبواب
أواخر الكلمات كما ابتدع الجوهري في الصحاح، وكما فعل ابن منظور والفيروز اباديّ
في معجميهما، ولم يَنْسُقْها على أوائل الحروف فقط كما صنع الزمخشري في أساس
البلاغة، والفيومي في المصباح المنير. ولكنه سلك طريقاً خاصَّاً به، لم يفطن إليه
أحد من العلماء ولا نَبَّه عليه. وكنت قد ظننت أنه لم يلتزم نظاماً في إيراد
المواد على أوائل الحروفِ، وأنه ساقها في أبوابها هملاً على غير نظام. ولكنه
بتتبُّع المجمل والمقاييس ألفَيْته يلتزم النظام الدقيق التالي: 1 ـ فهو قد قسم مواد
اللغة أوَّلاً إلى كتب، تبدأ بكتاب الهمزة وتنتهي بكتاب الياء. 2 ـ ثم قسم كل كتاب إلى
أبواب ثلاثة أولها باب الثنائي المضاعف والمطابق، وثانيها أبواب الثلاثي
الأصول من المواد، وثالثها بابُ ما جاء على أكثر من ثلاثة أحرفٍ أصلية. 3 ـ والأمر الدقيق في
هذا التقسيم أن كل قسم من القسمين الأوَّلين قد التُزم فيه ترتيب خاص، هو ألا يبدأ
بعد الحرفِ الأوَّل إلا بالذي يليه، ولذا جاء بابُ المضاعف في كتاب الهمزة، وباب الثلاثي
مما أوله همزة وباء مرتباً ترتيباً طبيعياً على نسق حروفِ الهجاءِ. ولكن في "باب
الهمزة والتاء مايثلثهما"، يتوقع القارئ أن يأتي المؤلف بالمواد على هذا
الترتيب: (أتب، أتل، أتم، أتن، أته، أتو، أتي)، ولكن الباء في (أتب) لا تلي التاء
بل تسبقها، ولذلك أخرها في الترتيب إلى آخر الباب فجعلها بعد مادة (أتي). وفي باب التاء من
المضاعف يذكر أوَّلاً (تخ) ثم (تر) إلى أن تنتهي الحروف، ثم يرجع إلى التاء
والباء (تب)، لأن أقرب ما يلي التاء من الحروفِ في المواد المستعملة هو الخاء. وفي أبواب الثلاثي من التاء لا يذكر أولاً
التاء والهمزة وما يثلثهما، بل يؤخر هذا إلى أواخر الأبواب، ويبدأ بباب التاء
والجيم وما يثلثهما، ثم باب التاء والحاء وما يثلثهما، وهكذا إلى أن ينتهي من
الحروف، ثم يرجع أدراجه ويستأنف الترتيب من باب التاء والهمزة وما يثلثهما؛ وذلك
لأن أقرب ما يلي التاء من الحروفِ في المواد المستعملة هو الجيم. وتجد أيضاً أن
الحرفَ الثالث يراعى فيه هذا الترتيب، ففي باب التاء والواو وما يثلثهما يبدأ
بـ(توي) ثم (توب) ثم (توت) إلى آخره، وذلك لأن أقرب الحروفِ التي تلي الواو هو
الياء. وفي باب الثاء من
المضاعف لا يبدأ بالثَّاء والهمزة ثم بالثَّاء والباء، بل يُرْجئ ذلك إلى أواخر
الأبواب، ويبدأ بالثَّاء والجيم (ثج) ثم بالثَّاء والراء (ثر) إلى أن تنتهي
الحروف، ثم يستَأنف الترتيب بالثَّاء الهمزة (ثأ) ثم بالثَّاء والبَاء (ثب). وفي أبواب الثلاثي من
الثَّاء لا يبدأ بالثَّاء والهمزة وما يثلثهما ثم يعقّب بالثَّاء والباء وما
يثلثهما، بل يدع ذلك إلى أواخر الأبواب؛ فيبدأ بالثَّاء والجيم وما يثلثهما إلى أن
تنتهي الحروف، ثم يرجع إلى الأبواب التي تركها. وتجد أيضاً أن الحرف الثَّالث
يراعى فيه الترتيب، ففي باب الثَّاء واللام وما يثلثهما يكون هذا الترتيب (ثلم،
ثلب، ثلث، ثلج)… الخ. وفي باب الجيم من
المضاعف يبدأ بالجيم والحاء (جح) إلى أن تنتهي الحروف (جو) ثم ينسقُ بعد ذلك؛ (جأ،
جب). وفي أبوب الثلاثي من
الجيم يبدأ بباب الجيم والحاء وما يثلثهما إلى أن تنتهي الحروف، ثم يذكر باب الجيم
والهمزة وما يثلثهما، ثم باب الجيم والباء، ثم الجيم والثاء، مع مراعاة الترتيب في
الحرف الثالث، ففي الجيم والنون وما يثلثهما يبدأ أوّلاً بـ (جنه) ثم (جني) ويعود
بعد ذلك إلى (جنأ، جنب، جنث) الخ. هذا هو الترتيب الذي
التزمه ابن فارس في كتابيه "المجمل" و"المقاييس". وهو بِدْع
كما ترى. تحقيق
المقاييس:
حينما طلب إليّ متفضلاً
السيد /مدير دار إحياء الكتب العربية، في أواخر العام الماضي، أن أتولى تحقيق هذا
الكتاب لم أكن درسته بعد أو أحطت به خُبراً، فلما نظرت فيه ألفيتُني إزاء مجدٍ لا
ينبغي أن يضاع، أعني هذا المجد الثقافي العربي، فإن كتابنا هذا لا يختلف اثنان بعد
النظر فيه، أنّه فذ في بابه، وأنه مفخرة من مفاخر التأليف العربي، ولا إخال لغةً
في العالم ظفرت بمثل هذا الضرب من التأليف. ولقد أضفى ابن فارس عليه من جمال
العبارة وحسن الذوق، ورُوحِ الأديب، ما يبعد به عن جفوة المؤلفات اللغوية وعنف
ممارستها. فأنت تستطيع أن تتخذ من هذا الكتاب متاعاً لك إذ تبغي المتاع، وسنداً
حين تطلب التحقّق والوثوق. والكتاب بعد كل أولئك، يضم في أعطافه وثناياه ما يَهَبُ
القارئَ ملكة التفهم لهذه اللغة الكريمة، والظهور على أسرارها. وأذِن الله فشرعت في تحقيقه
مستمدّاً العون منه، وجعلت من الكتب التي اعتمد عليها ابن فارس في صدر كتابه، ومن
كتب أخرى يتطلبها التحقيق والضبط مرجعاً لي في تحرير هذا الكتاب. وعنيت بضبط الكتاب
معتمداً على نصوص اللغويين الثقات. وقد أضبط الكلمة الواحدة بضبطين أو ثلاثة حسب
ما تنص المعاجمُ عليه. وعُنيت أيضاً بنسبة الأشعار والأرجاز المهملة إلى قائليها
وبنصّ الأشعار والأرجاز المنسوبة، إلى دواوينها المخطوطة والمطبوعة، مع التزام
معارضة النصوص والنّسب بنظيراتها في المجمل وجمهرة ابن دريد ولسان العرب وغيرها من
الكتب. وأحياناً يعوز النسخة
بعض كلمات تتطلبها العبارات، فأزيدها من هذه المصادر مع التنبيه عليها، أو أتمها
بدون تنبيه إلا بوضعها بين معكفي الزيادة إن لم أجد لها سنداً إلا ضرورة الكلام. وكنت ارتأيت أن ألتزم
تفسير غوامض هذا الكتاب وتأويل شواهده ونصوصه، ولكني وجدت أدب النشر يردُّني عن
ذلك، ولو قد فعلت لاستطال الكتاب واقتضى بعثه دهراً طويلاً، على ما يكون في ذلك من
عنت وإرهاق. لذلك اكتفيت بهذا القدر الضئيل من التفسير الذي يتطلبه التحقيق. فهارس
الكتاب:
وسيخرج هذا الكتاب بعون
الله في ستة مجلدات، يلحق بها سابع يتضمن الفهارس التالية: 1- فهرس ترتيب المواد. 2- فهرس الألفاظ التي
وردت في غير موردها 3- فهرس الأشعار. 4- فهرس الأرجاز. 5- فهرس الأمثال. 6- فهرس الأعلام. 7- فهرس البلدان. 8- فهرس الكتب. هذا
عدا ما قد يستدعيه الكتاب من ضروب أُخَر. وأما بعد فإني إذ أقدم هذا
الجهد، وأرجو أن أكون قد أصبت من النجح في خدمة لغة الكتاب ما يرضي الله، ومن البر
بهذه اللغة ما ينفع أبناء العروبة، ومن التوفيق ولِزام الصواب ما تَرَاحُ له
النفسُ ويغتبط الضمير. الإسكندرية
في 10 شعبان سنة 1366 مقدمة
الطبعة الثانية
هذه هي الطبعة الثانية من
"مقاييس اللغة" أقدمها لجمهرة الباحثين بعد أن مضى على نفاذ نسخ الطبعة
الأولى نحو ست سنوات حالت بعض الظروف دون المبادرة بإعادة طبعه في حينه المناسب. وقد لقي الكتاب منذ
ظهوره اهتماماً خاصاً من أئمة العلماء والباحثين والهيئات العلمية، التي
حرصت على أن يكون في مكتباتها أكثر من نسخة منه، وعملت على الإفادة منه في أكثر من
مجال علمي. وقد اقتضى نفاد الأعداد
الضخمة التي طبعت منه أن يعاد طبعه في ثوب آخر، فاستخرت الله في ذلك، وأردت بعونه
سبحانه أن تمتاز هذه الطبعة من سابقتها بزيادة في التحقيق والتعليق، وإضافات في تخريج
الشواهد واستكمال نسبة ما كان مجهول النسب منها، مع الإفادة من تحقيقاتي فيما
أصدرته بعد الطبعة الأولى من مختلف كتب التراث العربي. فكان حظ هذه الطبعة الثانية
أسعد من سابقتها. ولست أنسى هنا أن أنوه
بفضل إخواني الفضلاء أصحاب (مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده) الذين لم
يألوا جهداً في العمل على تبني طبع هذه الموسوعة اللغوية الممتازة، وإخراجها في
المعرض اللائق بها، متابعة لما قام به أسلافهم الكرام من تفانٍ في نشر التراث
العربي وتوسيع نطاق إذاعته. فلهم من الله ومن العلم خير الجزاء. ومن الله أستمد العون،
وهو ولي التوفيق. ([1]) انظر للمثال مادة (تبن) و(جعل) من هذا الجزء. ([2]) انظر للمثال مادة (شجر، حجم، جر، جمخ، جهف). |