مجرة الرغبات - زهـير غانم

شعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:08 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الشعر 1997 الشعر 1998
 

فداحـــة الياسمــين..!

الياسمينُ يموتُ يا للجرحِ.. كنتُ أدلُّ نوعاً ما‏

إلى ملكوتِ أمي، كنتُ أوقظُ طفلها المفقودَ كي تنسى،‏

وكي تتوافرَ الحسراتُ فيما بعدُ..‏

فيما قبلُ كانتْ جثتي تختطُّ درباً غامضاً‏

وتجولُ في رحمِ الأساطير القديمةِ... في جوى أمي،‏

وقد أترعتُها بالياسمينِ، وكنتُ أصغرَ من حمامٍ زاجلٍ‏

يرتاحُ في كفينِ مائيينِ كي يحيا..‏

وعشتُ الماءَ في أحلامها البيضاءِ..‏

عشتُ شقاوتي في العشبِ والأحجارِ...‏

كنتُ موزّعاً بينَ المنازلِ والبراري..‏

غيرَ أني لمْ أكنْ متوحلاً في وحدتي‏

كانتْ تردُّ الخوفَ عني.. تحتوي شغبي‏

بصدرٍ من حنانٍ اللهِ..‏

كنتُ أحسّ أنّ الأرضَ تنبضُ في تجليّها‏

وأشعرُ بالينابيعِ الدفوقةِ منْ مغانيها..‏

وحين يهدّني ليلٌ، وتصحبني العفاريتُ القبيحةُ‏

تصطفيني بالملائكِ، والفراشاتِ الجميلةِ والغناءِ‏

تهزُّ قلبي أو تؤرجحني على أشجانها‏

وتفلّ شعري من بقايا القشّ في ولعِ النهارْ‏

لأنامَ في فيءِ العيونِ السودِ ترمقني‏

وترحلُ بي إلى غَياّبةِ الأحلامِ‏

أحلمُ بالجنائنِ وهي تجري في حفيفِ ثيابها‏

أو وهيَ تنقلُ خطوها في الغرفةِ الدكناءْ....‏

والياسمينُ يعيشُ-يوشكُ أن يعيشَ-‏

كأنما فرحي يطيرُ إلى السماءْ..‏

الأرضُ واقفةٌ على أحزانها‏

والأرضُ تقفزُ في الفضاءْ..‏

والأمُّ توقفنا على أعمارنا..‏

كي توقفَ الأرضَ التي تبغي الفرارْ..‏

ما زهرةٌ تلكَ التي آثرتُ أن أشتاقها..‏

وأنا أعاني ما تناهى في البعادِ..‏

هيَ المسافةُ تفترينا كي ندورَ مع الزمانْ..‏

وتظلُّ تعصفُنا إلى دربِ الضياعِ..‏

ولا نبالي حينَ يأسرنا المكانْ..‏

كبرتْ مواجعُنا، وإني لا أسرُّ سوى دمي..‏

يغلي بأطيافِ المنافي..‏

أو أسرُّ طفولتي في الياسمينِ..‏

وكيفَ تنهضُ بي كما النيرانْ..‏

سأظلُّ أذكرُ كالضبابِ بأنها تنداحُ في جسدي‏

وفي روحي تهبُّ هبوبَ عطرٍ فاغمِ النسيانْ..‏

ولا أنسى الشقاء، وما تخثّرَ من معادنَ في‏

مويجاتِ الحنينِ، وما ترامى من أنينٍ في الجنائزِ‏

إنها ثكلى ومعولةٌ، وتُرعدُني إذا تبكي..‏

لكأنّها تمثالي الأبديُّ محمولاً على غيمِ البكاءْ..‏

تَوّجتُها كمليكٍة في القلبِ.. أو حُلُمٍ على عرشِ الطفولةِ،‏

غيرَ أن العرشَ مهدورٌ ومدميٌّ من الأشواكِ..‏

لكنّ البراءةَ سوف تبسطُ ظلّها في الماءِ يوماً ما‏

وترشدني إلى حبي...‏

أحبُّ الياسمين الحيَّ إن يحيا..‏

وحينَ يموتُ.. سوفَ أحبُّ عطرَ الياسمينِ‏

لأنه يجلو رياحينَ المسرَّةِ في عراءِ الروحِ‏

ثم سأكتفي بالوقتِ‏

كي أمضي إلى عشق إلهيٍّ أُحاولُهُ..‏

ويصعبُ في فمي،‏

بل يرتمي في المستحيلِ يدقُّ أبوابي‏

ويكسرُ ما تبقّى من شبابي‏

ثم يهمزني إلى الألم..‏

وكيفَ أكونُ في الأضدادِ..‏

ضوءاً في الظلامِ، وعتمةً في الشمسِ‏

إن شموسَ هذا الياسمينِ تنوحُ فيَّ‏

وتكتوي جسدي بأسياخٍ محمّاةٍ من الندمِ‏

لماذا لا أقايضُ وجدَها بالشوقِْ؟‏

لماذا لا أكونُ مولّهاً فيها..؟‏

لماذا يا إلهي، كنتَ أكرمَ ما تكونُ لأنها أمي‏

وثمّ خذلتني حين انجرحتُ إلى أقاصيها؟‏

فيا بؤسَ الحياةِ، كأنني وحدي الذي‏

يرضى تجافيها..‏

بيروت 14/6/1996‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244