|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
المحطة طويلاً لبثت في المحطة.... وعبثاً لوحت للسيارات الصغيرة والكبيرة وللشاحنات أيضاً. لم تتوقف واحدة منها. لم أكن قد حجزت تذكرة وقدماي تورمتا وهدني الانتظار. وجوه تنخطف من أمامي مثل مرايا متعبة.... وسيارات من كل نوع تمرق. عيناي تتيهان وراء مقعد فارغ وأبحث عن شخص يعرفني ليساعدني. لا فائدة. امرغ نظري فوق الإسفلت المحروث. العجلات تئز مسرعة. عجلات... عجلات. العجلات تنزلق. أيامنا بالتالي تفترسها عجلات خفية. بطيئة أو سريعة. قد توصلنا إلى ما نريد أولا. المهم أنها تدور وكفى. طفلة تقترب مني. شقراء ونحيلة. تشبهني في صغري. تهتز مشاعري. أنحني لأضمها. أين أهلها؟ هل هي تائهة؟ تمد لي يداً كورقة زهر مثقوبة. ما إن أمسك بها حتى تزعق. تفلت مني هاربة وتحتمي بحطام سيارة. ما أفظع أن يقدم المرء أحاسيسه مجاناً للآخرين فلا يجد إلا الصدود حتى ولو كان هؤلاء الآخرون أطفالاً فإن ردة الفعل قاسية. لكنني لم أقترب منها إلا لشيء في نفسي فلماذا انزعج؟ ثم ما شأني بها وبهذه التجربة الصغيرة؟ أنا أمام مشكلة وهي أنني حتماً أريد أن أصل إلى تلك القرية البعيدة وبأي ثمن. المحطة تغدو خالية ولا أمل لي في الذهاب إن حل الليل. حركة الناس تخفت... وأمواج الشفق تنحسر عن الأفق لتفسح المجال للظلام. لا بد أن أجد وسيلة للركوب وإلا ظللت هكذا مصلوبة في الانتظار. أضع حقيبتي على الأرض. كم أشعر بها ثقيلة مع أنها لا تحتوي إلا على أشياء صغيرة ضرورية وأوراق. الأوراق... هي عادة أول ما أحمل ولكن ما حاجتي إليها الآن في هذه الرحلة بالذات؟ سوف أقيم عند تلك الأسرة الفلاحية التي أعرف. وهي لا تملك سوى غرفتين ستفرد لي إحداها. وهي بدون كهرباء ولن يتاح لي أن أكتب في جو يعج بالأطفال والأبقار والحيوانات الأليفة. الأوراق البيضاء تهتز أمام عيني... تغدو مليئة بسواد الحروف ليتني أتخلص منها ولا أكتب حرفا. أنا ألقيت أسلحتي جميعاً وصمتت... لم أحتفظ إلا بالقلم... ليتني أحطمه هو الآخر. إذا كنت لم أعد بحاجة إلى الكلام فما حاجتي إلى الكتابة. ولكن... ربما سأكتب هناك... حيث سأشهد من جديد دفن أبي وأمي وكل أقربائي والذين أحببتهم. كان من عادة أهل مدينتنا أن يدفنوا أمواتهم خارجها... في مكان قصي. وتصادف أن هذا المكان القصي هو حدود القرية التي تملك أسرتنا معظمها. ثم تقرر أن تخطط شوارع... وتبنى بيوت ومدارس ومساجد أيضاً. فقالوا: تعالوا انقلوا رفات موتاكم. ولكن... لماذا اختاروا يوم غد بالذات لعملية نقل الرفات؟ وهل الذين اهتموا بموتاهم غيري كثيرون؟ كيف ذهبوا إلى هناك؟ لا شك أنهم ذهبوا بهذه السيارات والحافلات التي كانت تمرق أمامي. إذن... لماذا لم أستطع أنا أن أذهب؟ الحب أحياناً يغدو عبئاً كالكره... ويرسم السؤال الكبير لماذا؟ وأنا أسأل نفسي لماذا أتحمل هذه المشقة؟ لماذا أوقظ عواطفي الدفينة من جديد؟ أمن أجل زمن مضى واندثر ومشاعر غيبتها في أعماقي؟ عندما سأصل إلى هذا المأتم المتجدد العجيب لن أنطق طبعاً... ولن أسمح لأحد بالكلام واللغط والصراخ... وسألغي دور من يريدون أن يعيدوا الندب والنواح. الصمت... إنه أعظم أنواع التعبير. أنظر إلى أصابعي... هل ستعجز هي الأخرى عن أن تمسك بالقلم؟ ربما. الطفلة تعود إلي. تتمسح بي مثل قطة... ثم تبكي بحرقة، أنظر من حولي. المحطة فارغة والسيارات توقف سيلها. وأنا وحيدة وقد علقت هذه الطفلة مثل شوكة في عجين. أسألها: من هي ما اسمها؟ أين بيتها؟ وأهلها؟ وبلدها؟ لا تجيب... بل كأنها لا تسمع. ارتبك. ما هذا المأزق؟ كيف سأتخلص منها؟ بل كيف سأذهب إلى القرية: حاولت أن أسحبها من يدها وأدخل معها إلى بناء المحطة حيث الحارس لكنها تسمرت مكانها. لم أكن قادرة على حملها. بصعوبة أفلت يدي منها... سقط خاتمي... انحنيت لألتقطه. كانت أسرع مني. أطبقت عليه أصابعها. وتخيلت أنه لابد من معركة بيني وبين هذه المتوحشة الصغيرة حتى أسترده. لتحتفظ به ريثما آتي بحارس المحطة. ما قيمته؟ هو لا يساوي على أي حال ليرات معدودة. لكنه ذكرى عزيزة على قلبي من أمي. صورة قلبين ذهبيين أحدهما فارغ والآخر ممتلئ. آه يا أمي... أي من قلبينا كان الفارغ وأيهما كان الممتلئ؟ كنت تظنين عندما أعطيتني هذا الخاتم وأنا صبية أن قلبي فارغ... لكنك لم تحزري أنني منذ ذلك الوقت قد أترع قلبي بالهموم.... وأنني كنت أشرب أيامي مع المرارة. ألهث وأنا أركض باتجاه بناء المحطة. غيوم تتجمع في الأفق. هل ستمطر؟ نحن لا زلنا في الخريف... وخريفنا عادة لا يسخو بالمطر. أتعثر بخطواتي. الهواء يصفر وسواد في السماء من جهة الغرب يملؤني رهبة. الباب مغلق. أطرقه بيدي الاثنتين. لا أحد. أدفعه بقوة. لا أحد. معقول أن يظل بناء المحطة بلا حارس! المطر يبدأ يهطل. إذن سأحتمي بهذه الجدران ومعي الطفلة حتى ينقطع أو ربما يأتي الفرج بطريقة ما. أرجع إلى حيث الطفلة. محفظتي مفتوحة تتأرجح والريح تعبث بأوراقي وتنثرها في الجهات الأربع أما الطفلة فقد اختفت. هل انشقت الأرض وابتلعتها؟ لا يمكن أن يكون أحد قد أخذها... وأنا واثقة أن ساحة المحطة خالية تماماً. لتذهب إلى الشيطان... ما شأني بها؟ إحساس حاد يجرح قلبي... لا... لا يمكن أن أتركها للمجهول سأبحث عنها. أركض في كل اتجاه. أصرخ بملء حلقي. هيه... أنت... يا بنت... يا من أخذت الخاتم. أين أنت؟ وصوتي يرتد إلي مبعثراً على أجنحة الهواء. ليختف الخاتم... ولتضع الأوراق... لكنه يجب أن أعثر على الطفلة. إلا أن رحلتي قد فشلت. على حجر منسي أجلس ويدي تضغط رأسي. كم مضى من الوقت؟ لا أدري. أثناء الشدة يتضخم إحساس المرء بالزمن. الدقائق بل الثواني تدق في رأسي كالأزاميل. تنحتني.... تتساقط أجزاء مني. أحدق في الأرض.... أقبض على شيء ما بنزق. أمسحه بطرف ثوبي. هل هو ذهب؟ خاتمي مثلاً؟ لكن الطفلة كانت في طرف الساحة الآخر... وما بين يدي ليس خاتماً بل قطعة نقود لا أدري من أي عهد لكنها ذهبية على أي حال. وكما في الحكاية تمنيت لو كانت حلقة سحرية تنفتح عن سرداب.... ألج فيه فأصل إلى مملكة العجائب حيث ملك الجان وأعوانه وفرسانه فأطلب إليهم أن يوصلوني إلى القرية وينتهي الأمر. قطعة ذهبية في ساحة محطة لا يقصدها إلا الفقراء والبسطاء من الناس؟ غريبة هي الحياة بمفاجآتها ومفارقاتها. أضحك بمرارة... يضيع صوتي في الفراغ. ربح... خسارة... خسارة وربح. الخاتم لا يعدل جزءاً من هذه القطعة الذهبية ومع ذلك فأنا خاسرة. خسرت خاتم الذكرى... والطفلة التي تشبهني... وخسرت فرصتي. أحدق في قطعة الذهب. كيف لم يعثر عليها غيري. وممن وقعت؟ مصادفة عجيبة. وتعويض القدر لي بهذه الطريقة لا يعجبني. لا يعود لي سوى أن أستسلم للريح والمطر والخواء حتى ألملم ذاتي وفشلي وإحساسي الغامض بأن القطعة ليست لي ثم أمضي. عندما أرفع رأسي أفاجأ برجل كهل يقف أمامي. في سن أبي يوم توفي. كأنما الأرض انشقت عنه هو الآخر. ـ إلى أين تريدين أن تذهبي؟ ـ إلى قرية العبادية. هل معك سيارة. ـ إذا كنت تسمين هذه العجوز أمامك سيارة فإنها لي. ـ وأنت ذاهب إلى هناك؟ ـ بل إلى أبعد من هناك. ـ تعني..... ـ أعني مغارة الجبل. ـ لكن الجبل يبعد كثيراً عن أبعد قرية... وسيارتك. ـ تقصدين أن السيارة لا تستطيع أن توصلني؟ إنها رحلتي الأخيرة على أية حال. وللهفتي... ولحرصي على الذهاب بأي وسيلة لا أفطن لمغزى عبارته (رحلتي الأخيرة) أثب إلى السيارة بسرعة. وخلال لحظات أجدني في المقعد الأمامي. أسرق نظري إلى الرجل. أحاول أن أخمن من يكون؟ هل هو عامل أم فلاح؟ أو بقايا متهدمة لموظف؟ أم ابن مدينة عاش حياته وراء مقود هذه السيارة حتى أصبحت حطاماً؟ طيب أم شرير؟ له زوجة وأولاد أم متشرد؟ ألوف الأسئلة. أقف عند كلمة متشرد... لكن الإنسان على الأرض متشرد كبير. وكلنا متشردون. أنا وهو. السؤال ثقيل على لساني. أحاول أن أقول شيئاً ما. ينطفئ الكلام. تؤلمني عضلات وجهي وأنا أضغط عليها. نظارتي تبدو لي قاتمة أكثر مما تعودت. أتطلع إلى بعيد... الظلام يهبط بشراسة. هل من المعقول أن نسير هكذا دون أن نتحاور. أدعو في أعماقي أن يبدأ هو الحوار. سيكون موقفي هو الأقوى. سأشعر كما لو أنه هو الذي دعاني إلى سيارته ولست أنا التي فرضت نفسي عليه. يخرج من جيبه علبة دخان ويشعل لفافة. رائحتها تقول إنها من نوع فاخر. لماذا لم يقدم لي واحدة؟ حتى (القداحة) التي استعملها كانت تبرق وكأنها من الذهب ومن علبة السيارة أخرج علبة مناديل ورقائق من الشوكولاته قدمها لي. إذن... هو مهرب في منطقة حدودية. قلبي ينتفض. القضية التي جازفت من أجلها تخرج من يدي. أنا الآن مع هذا الرجل الغريب في سيارة محطمة تقودني إلى مصير مجهول. وجود الرجل إلى جانبي بكثافة أثار في أعماق تفكيري أنني أعرفه بطريقة ما. كيف؟ وأنا لم ألتق به إلا منذ قليل؟ كلما انسكب ضوء من الطريق أحدق في ملامحه. وجهه لا يذكرني بأحد... حتى ولا صوته... أو حركاته أو أي شيء فيه لكنني أعرفه. هذه المعرفة مجهولة المصدر لكنها أكيدة وثابتة بالنسبة لي رغم كل الدلائل بكلمات مضطربة يقول لي: ـ أنا لم أخدعك. قلت لك إن هذه رحلتي الأخيرة وأنت رضيت أليس هذا صحيحاً؟ ـ صحيح... ولكن ماذا تقصد برحلتك الأخيرة؟ إن كنت تقصد أنك ستهجر سيارتك بعد سفرنا هذا فأنت حر... أم أنك تقصـ..... تلمع في خاطري أفكار كالبرق. هل يقصد رحلة حياته هو؟ وما يدريه أنها الرحلة الأخيرة؟ أم هو ينتحر مع سيارته في هذا الجو العاصف الطائش وأنا أقحمت نفسي في هذا المأزق؟ يرد بصوت راجف. أقصد أنني لن أعود من هذه الرحلة. إذ وصلت إلى مغارة الجبل فسوف أموت هناك. وحيداً كما جئت إلى الدنيا يوم وضعتني أمي وهي تموت. وربما... صراخ طفولي حاد يقطع حبل الكلام. قريب وأليم جارح. انتفض... وأتشبث بمقعدي وخوف مجهول يجتاحني: ـ لا تخافي.... إنها ابنتي في المقعد الخلفي. تصوري أنها نامت خلال دقيقتين ريثما صعدت أنت السيارة. إنها الوحيدة التي بقيت لي من الدنيا ولولاها لما عشت حتى الآن. أمها ماتت وهي تضعها أيضاً. أنا تزوجت في سن متأخرة. حاولت أن أحطم الوحشة التي كانت تسكنني... ماتت أمها فأسلمتني إلى وحشة أكبر. لم يكن لي رفيق سوى هذه السيارة... حتى سيارتي أحس أنها تحتضر. هل تحبين الأطفال؟ أليس عندك أولاد؟ بينما ألتفت إلى المقعد الخلفي تتشبث طفلة بعنقي وهي ترتجف وتبكي. أكتشف أنها الطفلة التي أخذت مني الخاتم. ـ تعالي واجلسي معي هنا. على ركبتي لو أردت ولكن لا تبكي. تهتف من بين الدمع: ـ بل أجلس مكانك... إنه مكاني... أخذت مكاني. والرجل يتحدث عن أشياء كثيرة لم أعد أعي منها حرفا. أطلب إليه أن يتوقف برهة لنبدل أماكننا. يضطرب والطفلة تزعق وتتشبث بي.... وأنا أحاول أن أتملص. أكاد أختنق والسيارة لا تتوقف. أصرخ: ـ قلت لك توقف..... أرجوك. يقهقه الرجل وهو يعبث بمفاتيح السيارة ونحن فوق مرتفع أشبه بجبل صغير: ـ السيارة لا تريد أن تقف... ماذا أصنع؟ ألم أقل لك إنها رحلتي الأخيرة؟ دمائي تغلي وقلبي ينخطف من بين ضلوعي. أتسمر في مكاني بينما الطفلة عالقة بي. أغمض عيني. السيارة تنطلق كالسهم. تتزايد سرعتها أو هكذا يخيل إلي. الرجل يستند إلى مقعده. يرفع يديه عن المقود. ولا أدري إن كانت قدماه تضغطان على شيء في أسفل السيارة أم لا. كل ما أعرفه أن رعباً فظيعاً قد اجتاحني وأنني لم أعد أشعر حتى صدم رأسي بواجهة السيارة فأفقت. وأفتح عيني كما لو أنني غير مصدقة أنني نجوت... المطر يهطل بغزارة. والطفلة مرمية في المقعد الخلفي والرجل منكفئ على المقود. أحاول أن استكشف البقعة التي نحن فيها. تفاجئني روائح مختلطة. وأنين قطع من المعادن المهترئة التي اصطدمنا بها أثناء التوقف. أدير بطاريتي الصغيرة. الضوء الخافت يكشف لي أننا في مقبرة ضخمة لجثث سيارات قديمة. علي إذن أن أهبط من السيارة مهما يكن الأمر. لكن الباب محكم الإغلاق بينما الزجاج قد تحطم. لم يعد أمامي ما أحتمي به سوى هذا الرجل بكيانه الذي تقطر منه فاجعة ما. الأمطار تسح أكثر وأكثر... وأشعر أننا سنغرق مع السيارة في الطين والقذارة وروائح العفن والصدأ. ولكن ما ذنب هذه الصغيرة؟ لابد أن أحتضنها فهي لم تتنازل لي عن مقعدها حين بدأت السيارة تدهورها المجنون. الطفلة ممددة في أرض السيارة بلا حراك.. والرجل لا ينطق بحرف بل لا يتحرك، أهزه بغضب. لا يرد. أقفز إلى المقعد الخلفي. أنتشل الطفلة. أضمها. كانت تقبض على الخاتم ويدها تقطر بالدماء. شعرها مبلل ووجهها مثل تفاحة مرغتها عاصفة. لم أعد أهتم بالرجل. أعالج باب السيارة الخلفي. لا ينفتح هو الآخر. أضع رأس الطفلة في متناول يدي وأسحب أعضائي واحداً واحداً حتى أخرج من النافذة. أتنفس هواءً خانقاً رغم نقاء المطر. برفق أسحب الصغيرة فيسقط ثوبها البالي وتبدو لي نحيلة وهشة أكثر مما توقعت. بخفة أحملها وأجلس ثم أضعها على ركبتي. لابد أن يهبط الرجل من سيارته بعد قليل. ألتف بمعطفي شبه الشتوي أنا والصغيرة والمطر يداهمني. يغرق قدمي الكليلتين فلا أقوى على النهوض. ماذا أفعل؟ هل أعطي الرجل كل ما معي والقطعة الذهبية التي عثرت عليها مقابل أن ينقذني. ضحك مرير في أعماقي. إن أموال العالم لا تجدي ونحن في هذه المقبرة ما دام لا يوجد أحد... لا من يتعامل بالذهب ولا بالورق. وهو بدوره ماذا سيفعل ما دامت سيارته قد لفظت أنفاسها الأخيرة؟ هل سيعالج إحدى هذه السيارات القديمة أو يستفيد من بعض قطعها ونجرب حظنا نحن الثلاثة؟ هل سنقبر نحن أيضاً مع هذه السيارات وينتهي الأمر؟ إحساسي بلهاث الطفلة مثل عصفور وقع من عش يعطيني شيئاً من الدفء. يتدفق إحساس الأمومي. لا يهم أن ننقذ أنا والرجل. المهم أن تنقذ هذه البريئة الصغيرة. ما ذنبها أن هذا الرجل هو أبوها؟ أصمم على أن أحتفظ بجلستي هذه ما دامت الطفلة بدأت تتنفس وتتحرك. أضمها أكثر... وأغوص معها في صمت موحش كالعدم. الليل ذئب أسود. أقاوم أن يفترسني. تنخر عظامي برودة موت بطيء. من سيدفننا لو انطفأنا نحن الثلاثة هنا؟ بل من سيعرف أننا في هذه المقبرة الحضارية للسيارات القديمة؟ علينا أن ننتظر ولو كنا جثثاً مغامراً آخر يرمي بحطام سيارته في هذه البقعة. أو ربما يكون منتحراً فلا يعيرنا أي اهتمام. صورة مقبرة الحدود في القرية حيث يرقد أقربائي وأبي وأمي تبدو باهتة مهزوزة وكأنها تنوس في الفراغ. نبض الحياة هو الأثمن... وهذه الطفلة بين يدي تغلق تفكيري. تجعلني في دائرة محكمة ضيقة لا أكاد أفكر معها بشيء سوى الإنقاذ. أجر نفسي إلى الرجل المنكب على مقود السيارة وأنا أحتضنها. بماذا يفكر هو الآخر؟ بل ماذا سيفعل؟ الظلام... والعاصفة التي بدأت تهدأ... وصوت المطر يقرع المعدن.... والسماء التي كأنما عادت ترتفع عن الأرض. أيتها السماء... ساعديني. أمد يداً راجفة. تسقط. أمدها ثانية... وثالثة. تضل طريقها. أعود فألمس شعر الطفلة... استمد منها القوة. أصرخ بالرجل. لا يرد. أمدد الطفلة شبه الميتة على الأرض وأستجمع شجاعتي. أهز الرجل بكلتي يدي. لا يتحرك. جيوش من النمل تغزو جسدي. أتخدر. يا إلهي... لماذا لا يتحرك؟ تجرح ذهني خاطرة كالسكين. هل مات؟ ولماذا؟ ولمن يتركنا؟ أعود فأهزه مرة أخرى وأنا أنشج. ظل ثقيل يقع على كتفي. يداي باردتان كالثلج. أصوات مبهمة تغمرني. الطفلة تضطرب. لم أعد أعي ما حولي. بوابة كبيرة مصفحة بالحديد تنفتح أمام عيني عند ساحة فسيحة... إنها محطمة... لا تشبهها أي من المحطات التي رأيت في حياتي وحارس وحيد يقف أمام البوابة مثل تمثال حجري. أختطف الطفلة... أركض نحوه... كلما قطعت مسافة تبعد عني. أركض لاهثة. أتعثر. أسقط أضواء خافتة تنبض حول الحارس ثم تختفي. أحاول أن أستجمع ملامحه. إنه يشبهه... يشبه الرجل... يشبه أبي... ويشبه آخرين أعرفهم... أضم الطفلة أكثر... تتسع المحطة أمامي أكثر... وتنفتح سماء بلون النحاس عن قمر برتقالي أصفر. دمشق 1987 |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |