|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
الفكر العربي والذهنية العربية ـــ د.حسن حميد إن الحديث عن الفكر العربي، هو حديث يقود إلى البحث في ماهية الذهنية العربية من حيث تشكلها، ومعطياتها، والتأثيرات التي خضعت لها، ومن ثم الوقوف على ثوابتها ومتغيراتها، ذلك لأن الحديث عن الذهنية العربية ومكوناتها، وسماتها، وآلياتها، ومؤدياتها (النتائج) هو حديث ذو أولوية وضرورة؛ لأن أي حديث عن الفرد والجماعة والطبقة والمجتمع والنظم المعرفية هو حديث تال للحديث عن الذهنية، والحديث عن الفكر العربي وتشوفاته نحو التطور، والنهوض، والاشتقاق، والابتكار، ومماشاة الأمم والمجتمعات، والتجاوز والتأخر والتقدم والتراجع.. هو حديث تالٍ للحديث عن الذهنية، والحديث عن معطيات الحياة وحراكها في مجالات الزراعة، والصناعة، والتجارة وتشخيصها، وبيان كيفية عملها، والهجس بتقدمها وتطويرها هو حديث تال للحديث عن الذهنية، والحديث عن النظم السياسية والاجتماعية والثقافية، والعقائد الدينية، والروح العسكرية... هو حديث تال للحديث عن الذهنية، والحديث عن العمران، والصنائع، والفنون، والعلوم هو حديث تال للحديث عن الذهنية.. ذلك لأن الذهنية كتاب فيه ثلاث مدونات هي: مدونة الماضي بوصفه أفعالاً وأحداثاً وحادثات حدثت وانتهت... فقرّت، ومدونة الحاضر بوصفه الإنجاز الذي يحققه الفرد والجماعة والمجتمع، أي بوصفه التاريخ الذي يكتب يومياً، ومدونة المستقبل بوصفه خطة عمل أبصرت الحاضر فشخصته، ووعت الماضي فاستفادت من دروسه وتجاربه. والحديث عن الذهنية حديث عن تعريف الفرد والجماعة، والمجتمع لأي شعب من الشعوب، أو لأي أمة من الأمم من أجل معرفة هوية المجتمع، وخصائص أهله، وآليات تفكيرهم، والإيقاعات الاجتماعية التي يعملون وفقها. والحديث عن الذهنية أيضاً هو حديث عن المجتمعات من حيث بداوتها، وتحضرها، ومن حيث تأخرها وتقدمها، ومن حيث خصائصها وسماتها وآليات السلوك لأفرادها كالمسالمة، والعدوانية، والرقة، والجلافة، وقبول الآخر أو النفور منه،والقبول على النظام أو الفوضى، والإبداع أو التقليد... هذا الحديث يقود إلى تساؤل فلسفي / اجتماعي كبير يتمثل في: لماذا تختلف الذهنيات ما بين شعب وآخر، وما بين حيز جغرافي وآخر، وهل الذهنيات هي أداة التغيير الفاعلة في سلوكيات الأفراد، ثم هل الذهنيات هي الصبغة التي تصبغ شعباً من الشعوب أو أمة من الأمم، فنقول: هذا شعب متأخر، جلف، كسول، باهت الحراك، وذلك شعب متقدم، مسالم، نشيط عظيم الحراك،وهل الذهنية معطى طبيعي أو أنه معطى اجتماعي مكتسب؟ ومم تتكون الذهنية؟!.. وللإجابة، وعبوراً نحو الفكر العربي المجسد للذهنية العربية، أقول: إن بيئتين اثنتين أساسيتين تؤثران تأثيراً فاعلاً في تكوين الذهنية وتشكلها وفق خصائص، وسمات، وآليات سلوك، وردات فعل، وقبول ورفض، وإقدام وإحجام، ونشاط وتبلد.. هاتان البيئتان: البيئة الطبيعية (المناخ، الأرض، الأنهار، البحار، السعة، الخصب، القحل، التعدد والتنوع، المحدودية والفقر..)، والبيئة الاجتماعية (العادات، التقاليد، الأعراف، الأحكام، التصورات، العمل، النظام، الفوضى، الزراعة، الصيد، الصناعة، التجارة، الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسة والعسكرية، العقائد، الأمثال، القصص، الأشعار، اللغة، الانغلاق، الانفتاح، الحوار، القطيعة، الادخار، القناعة، الطموح...). هاتان البيئتان هما المدرسة التي يتعلم فيها الفرد والجماعة والمجتمع، وهما الصبغة التي تصبغ بها سمات الشخصية، والجماعة، والمجتمع، وهما معاً من يكوّن آليات السلوك ودوافعه، وهما معاً من يربي قيماً بعينها فيرعاها ويجعلها ناموساً وقانوناً للفرد والجماعة والمجتمع في آن. وهما الهوية التي تميز مجتمعاً من آخر وشعباً من آخر، وأمةً من أخرى، فالطبيعة بوصفها بيئة الأفراد هي السرير الأول الحاضن لهم، والاجتماعية بوصفها النظم المعرفية التي يكتسبها الأفراد.. هما من يجعل المرء يمايز ما بين ذهنية عربية وأخرى صينية، وما بين ذهنية فرنسية وأخرى أفريقية.. هذه الذهنية هي التي تشكل المقومات الأساسية للفكر، فهي التي تحدد مجالاته الحيوية، والحراك الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي والعسكري والعقائدي الذي يمور فيه، وإنه لا سبيل لفهم ماهية الفكر، أياً كان، إلا بفهم ماهية الذهنية. لهذا فإن الحديث عن الفكر العربي، من حيث مقوماته، وآلياته، ودوافعه، وتشوفاته... هو حديث ينهض على معرفة الذهنية العربية. فالذهنية العربية ذات المرجعية الدينية (كل حراك اجتماعي يعاير وفق المعايير الدينية)، وذات البنية البدوية (التواكل، النفور من العمل، الارجاء، الخوف من الآخر والجديد،..) والعاملة وفق هندسة دائرية (ككثبان الرمل) وروح جزيرية / فردية، والمستندة إلى مفهوم (الطارئية) وعدم التخطيط الاستراتيجي... إلخ.. هذه الذهنية هل يشبهها الفكر العربي، بقولة أخرى هل هو نتاجها؟!! الإجابة لا تتوضح إلا بتوضيح ماهية الذهنية العربية، لأن الفكر هو الكائن المعرفي الذي يجسد تجلياتها وخصائصها وتشوفاتها وهو الذي يبدي حراكها. وهذا الأمر يحتاج إلى وقفة قابلة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |