جريدة الاسبوع الادبي العدد 677 تاريخ 25/9/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أبعاد ملاحقة عناصر حماس ـــ د.علي عقلة عرسان

أوقف الأردن قيادات حركة حماس يوم الأربعاء 22/ أيلول/ 1999 بعد عودتهم من إيران: خالد مشعل ومحمد نزال، وأعاد موسى أبو مرزوق إلى إيران لأنه لا يحمل الجنسية الأردنية، في تطور تصعيدي للعلاقة مع حماس بعد إغلاق مكاتبها في عمان وتوقيف عدد من العاملين في تلك المكاتب.‏

وقد أعلن رأس الكيان الصهيوني ايهود باراك مباركته لهذه الخطوة مشيداً بالجهود التي تبذلها الحكومة الأردنية لملاحقة عناصر الحركة الإسلامية الذين يراهم "إرهابيين" وخطرين على "عملية السلام.".‏

ومن المفيد أن نتذكر أن بداية التحرك ضد حماس في الأردن واكبت قدوم أولبرايت للمنطقة وتوقيع اتفاق تنفيذ مذكرة /واي ريفر/ في شرم الشيخ؛ وكان لسلطة عرفات دور كبير، ظاهر ومستتر، في التحريض ضد حماس بالتعاون والتنسيق مع الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية، وأثمر جهدها استجابة من الجهات الأردنية المعنية بملاحقة عناصر الحركة الإسلامية لأنها أعلنت موقفاً رافضاً لاتفاق شرم الشيخ مجددة تشددها من اتفاقية أوسلو وفروعها، بعد شيء من اللين والطراوة ظهرا في حضور الشيخ أحمد ياسين لاجتماع عرفاتي سابق في إطار الإعداد للمفاوضات النهائية المبنية على مرجعية أوسلو.‏

لقد حسم أهل اتفاقيات الإذعان موقفهم لجهة المواجهة مع من يواجه الكيان الصهيوني أو يتشدد في رفض الاعتراف به وتطبيع العلاقات معه وتنفيذ ما تم بينه وبينها من اتفاقيات.‏

ويأتي هذا الحسم مواكباً لبداية مرحلة المفاوضات على الحل النهائي أو التصفية الكلية للقضية الفلسطينية بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني، وإعلاناً عريضاً لكل الفصائل والشرائح الاجتماعية الفلسطينية التي تعارض هذا الحل أو تقرر الوقوف بعيداً عنه.‏

وفي الوقت الذي تحركت فيه عناصر وتنظيمات من المعارضة باتجاه سلطة عرفات، خرجت عناصر وتنظيمات من هامش الظل الذي كان يصلها بسلطة عرفات على نحو ما في هذا الموضوع /أو المرحلة/ الذي يمس مصير الشعب الفلسطيني كله والقضية برمتها.‏

وينبغي ألا يخامرن أحداً شك في أن ملاحقة عناصر حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله، وكل الفصائل الأخرى الرافضة لاتفاق أوسلو هي جزء من تنفيذ الاتفاقيات، ومما يتصل بالجانب الأمني منها، الذي يحرص الكيان الصهيوني على تنفيذه بدقة، ويبدو أنه تشدد في ضرورة التنفيذ فلبت الجهات العربية المعنية الدعوة. وإلا فما معنى أن تُلاحق حماس في الأردن في هذا الوقت، وقد كانت مكاتبها السياسية هناك في عهد الملك حسين الذي لم ينقض خلفه سياسته بعد؟!‏

إن المتتبع يلاحظ أن السائرين في أزقة التفاوض القذرة مع العدو الصهيوني أصبحوا أكثر تشدداً في ملاحقة معارضيهم، لأن أولئك المعارضين لم يلتحقوا بهم أو يخضعوا لإغرائهم من جهة، ولأن المفرّطين أخذتهم العزة بالإثم، فاستقووا بالعدو الصهيوني وحليفه الأميركي واستنسروا من جهة ثانية حين وجدوا الأرض من حولهم تعج ببغاث الطير، وأن أحداً لم يغرس شوكة في المقلة المخادعة؛ ولأن أداء المعارضين لاتفاقيات الإذعان لم يرتفع إلى مستوى التحدي المطروح في ساحاتهم. فلا هم نسَّقوا جهودهم ووحدوا صفوفهم، ولا هم كرسوا تحالفاتهم مع قوى تدعمهم، ولا هم استنفروا قوى الناس بالقدر الكافي والضروري، لحماية أنفسهم وتنظيماتهم وتوجهاتهم المبدئية والنضالية.‏

الآن.. نحن على عتبة مرحلة جديدة من مراحل الملاحقة العربية الساخنة لعناصر المقاومة الإسلامية التي تتصدى للاحتلال وتعلن رفضها لاتفاقيات الإذعان. وتنأى بنفسها عن أية مواجهة مع سلطة أو قوة عربية/ أو إسلامية لتكرس جهدها للتناقض الرئيس مع العدو الصهيوني.‏

ويبدو أن ملامح هذه المرحلة تتكشف عن مطلب /شرط/ صهيوني أميركي يملي على الحكومات المعنية بالاتفاقيات بملاحقة عناصر المقاومة والرفض وتصفيتها أو إجبارها على تغيير مواقفها، ويدخل هذا المطلب/ الشرط في الجانب الأمني الصهيوني من جهة، وفي الجانب الأمني للجهة العربية المعنية بالاتفاقيات من جهة أخرى، ويلوّح به أساساً من أسس استكمال مسارات التفاوض والوصول إلى تسوية أو تصفية نهائية للقضية الفلسطينية ومراحل الصراع العربي- الصهيوني.‏

وما موضوع إغلاق مكاتب حماس وملاحقة عناصرها القيادية في الأردن إلا مقدمة لملاحقة عناصر الجهاد الإسلامي وحزب الله والفصائل الفلسطينية الأخرى المعارضة أينما وجدت، وتجفيف مصادر تمويلها ومحاصرة من يتعاطف معها أو يقدم لها الدعم؛ لأن المطلوب إسكات كل صوت يقول لا للكيان الصهيوني ومشروعه التوسعي، وللإدارة الأميركية الصهيونية- أو الصهيونية- الأميركية ومصالحها.‏

إن الامتحان قاس وسيتحول إلى محنة إذا لم تبادر القوى الرافضة للكيان الصهيوني ومشروعه إلى التفاهم والتكاتف والعمل بجدية تامة على أرضية الوضوح التام في المواقف والآراء والاختيارات.‏

ومن الطبيعي أن تتكون حلقة حماية شعبية قوية وواسعة حول هذه النواة الفلسطينية الرافضة لأوسلو، وحول المقاومة التي تتصدى للاحتلال، وحول من يقاوم الاعتراف بالعدو ويرفض تطبيع العلاقات معه.‏

وفي الوقت الذي نأمل فيه أن يتدخل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، ملك الأردن ليضع حداً لتدهور العلاقة بين السلطة وحماس، ويقوم بالإفراج عن المعتقلين من حماس، ويترك لهم مجالاً للقيام بالعمل السياسي من الساحة الأردنية، الأمر الذي تسمح به معظم الدول لمعارضات تعبر عن آرائها ومواقفها ضد أنظمة قائمة في بلدانها، ونرى مثلاً لذلك في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وفي دول أوربية وعربية كثيرة، وفي أنحاء مختلفة من العالم؛ ويضيق به صدر حكومات مازالت معنية أو مسؤولة بشكل أو آخر عما أصاب الفلسطينيين، ومعنية ومسؤولة أخلاقياً أمام مقاومة تتصدى للاحتلال وممارساته العنصرية، وأمام معارضة ترفض نهجاً سياسياً يؤدي إلى التفريط بالأرض والحقوق والمقدسات؛ ويبقى أربعة ملايين فلسطيني خارج أرضهم من دون أملٍ ومن دون وطن.‏

وإذا كان الأردن قد تحمل أعباء من هذا النوع في سنوات المواجهة فهو أقدر على تحمل هذا النوع من الأعباء في سنوات "السلام والتفاهم والتعاون" مع الكيان الصهيوني، في ظل رعاية أمريكية تتفهم أوجاع القريبين منها.‏

ولا نجد أن الفلسطيني الذي يبوء بغضب سلطة الحكم الذاتي والاحتلال الفلسطيني ينبغي أن يشمله غضب كل من على وجه الأرض لأن الإدارة الصهيونية تريد ذلك؟!.‏

وهذا الذي نتطلع إلى أن يأخذ به الأردن، نتطلع إلى أن تأخذ به الدول العربية كلها، وهو أضعف وأبسط ما يمكن أن يطلبه مواطنون من مسؤولين في وطنهم، وأبسط وأضعف ما يمكن أن يترتب لممثلي ثورة وحق وقضية وشعب تربطهم بأمتهم روابط الانتماء القومي والعقائدي، وكانوا مستهدفين ومازالوا من عدو مشترك لأمتهم وأوطانهم ومصالحهم وعقيدتهم وهويتهم الثقافية.‏

وفي الوقت الذي نعلق فيه آمالاً كبيرة على مبادرات تفهم وتفاهم تضع حداً لهذا الوضع المؤسف، نتطلع إلى موقف عربي قوي يشد أزر المقاومة ويتيح لها أن تبقى منزرعة في وطنها، وتمارس حضوراً بين مواطنيها، لأن شعباً لا يحمي مقاومته ومناضليه والرموز التي تمثل قضاياه المصيرية لن يتمكن من حماية نفسه ومصالحه واستقلاله، ولا من تحقيق نهضة من أي نوع، وحضور من أي نوع أيضاً أمام قوى تفرض على حكوماته ما تريد فتخضع حكوماته لما يطلب إليها تنفيذه.‏

إن الملاحقة التي بدأت اليوم لعناصر من حماس لن تتوقف عند ملاحقة المقاومة والمعارضة بكل أشكالهما وفي الساحات جميعاً، بل ستتوسع لتشمل أوساطاً ثقافية وتنظيمات وقيادات نقابية عربية ترفض الاعتراف بالكيان الصهيوني وتقاوم التطبيع معه، وتتصدى لاتفاقيات الإذعان التي تريد أن تفرض شرعية وجوده في المنطقة على حساب فلسطين وشعبها، وتفرض إرادته على كل من لا يخضع لها في مشرق الأرض العربية ومغربها.‏

وإذا كان من شبه المؤكد أن المقاومة للاحتلال والمعارضة لاتفاقيات الإذعان ولسلام الاستسلام لن تنتهي بسجن عناصر من حماس أو ملاحقة قيادات هنا وأخرى هناك من قيادات المعارضة والمقاومة؛ وأن رفض الكيان الصهيوني وشجب ممارسات من يسيرون في ركابه ويخدمون مشروعه ويحمون مصالحه سوف يستمر ويتصاعد، لأنه في صلب اختيارات تنظيمات واتحادات ونقابات سياسية وثقافية ومهنية تمثل الجسم الحقيقي لمؤسسات المجتمع المدني في كل دولة عربية.‏

فإن من المؤكد أيضاً أن توجد في الوطن العربي حكومات وقيادات ومؤسسات رسمية ترفض أن تكون شرطي الكيان الصهيوني، وحامي أمنه، والمدافع عن مصالحه وعن كل من يتحالف معه ويضع نفسه في خدمته.‏

إن قضية قيادات حماس في الأردن هي قضية مقاومة ضد الاحتلال ورفض لإنهاء عروبة فلسطين وتصفية موضوعها على حساب أهلها الأصليين، وهي قضية ذات أبعاد تتصل اتصالاً جوهرياً بالثوابت المبدئية والنضالية وبالحقوق التاريخية للأمة العربية من جهة، وبجوهر حقوق الإنسان وحقوق الشعوب التي تتعرض أوطانها للاحتلال وحقوقها للانتهاك من جهة ثانية.‏

وعلى كل منا واجب حيال ذلك يؤديه بأمانة والتزام وشرف.‏

والله من وراء القصد.‏

دمشق في 23/9/1999‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244