جريدة الاسبوع الادبي العدد 677 تاريخ 25/9/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

عشق الشجرة ـــ موفق نادر

لو أراد المتفائلون منا أن يرسموا الحياة التي يبتغون، لما وجدوا في مساحات أحلامهم الطازجة أشهى من تخيّل شجرة وارفة الظل، سابغة اللطف، تطرح للعاملين ثمارها الطيبة، وتعصر في الأفواه أنساغها البهيجة، لتمثل الكائنات بعذوبتها. وتنتشي الأرواح بسحر بهائها!‏

فمن خضرتها انتشر الوجود، واكتنز باللون والمعنى!‏

ومن انغلاق بذرتها المباركة تشكلت حرارة المهج، وولدت القصائد والسحر الحلال في جوهر الفن العظيم.‏

على جذعها خطّ العشاق الصغار حروف أسمائهم فبدتْ مثل وشم خالد يحمل عبق الطفولة ويرسم الخطا اللاهثة نحو المجد والحرية، فإذا الشجرة تصير رمزاً لكل حضارة عظيمة، تعلي قيمة الإنسان، وتؤمن بكرامته وكبريائه، فشمخت تزهو على أعلام الأوطان والدول حتى جاوزت الشموس والنجوم! فكيف لا تنحني لها الريح وهي تتلو مزاميرها القدسية عن أقدامها؟!‏

وكيف يعجزها أن تجعل حرارة شمس الصيف ظّلاً رخيماً تندى برقته الأرواح والقلوب؟!‏

فلا غرابة إذاً أن تحتل الشجرة فضاءات واسعة في آداب وفنون العالم مثلما تحتلّ أكبر المساحات في أرواحنا المتعبة.‏

وهي التي شهدت طفولتنا نأمة نأمة حتى سكنت ذاكرة كل واحد منّا وصرنا لمجرّد أن نطبق أجفاننا نحسّ أغصانها تمتدّ نحونا، والعصافير تتنقل فوق أفنانها، تنقر تينها ورّمانها، وترشف من حلاوة أعنابها قبل أن يطلق المساء تراتيله .. وداعاً للنهار! بينما..‏

تظل الأشجار وحدها شامخة يقظة تحرس البساتين والدور إذا راحت الكائنات تغطّ في سباتها الثقيل، واثقة أن الحياة مستمرة تجسّدها هذه الأشجار الباسقة وقد زرعتها يدا الجدّ فنمتْ وطابت، وروّاها الآباء والأبناء بعرقهم وكدّهم فابتسمت ومدّت غرّتها الخضراء زهواً تكاد أن تلمس الغيوم السابحة!‏

ولكم أثارني عود الحور الذي خلعوه عن أمه ليجعلوه دعامة للشجيرة التي غرسوها مثل كثيرات من رفيقاتها على امتداد الرصيف!‏

وأعجبني أكثر أن أراه يتحدّى الموت، فتبدأ براعمه تتفتح قبل براعم رفيقته بمجرّد أن تنشّق رطوبة التراب، فإذا ما اكتمل البدر، وقد استوى الربيع فصلاً سيّداً انطلقتا معاً شامختين بالحياة والخضرة مثل حبيبين في لحظة عناق دافئ!!‏

فإذا كان عيد الشجرة راحت المنشار تذبح ذلك العنق الذي تحدّى الموت ثم صيرّته حطباً ثم رماداً فأصبح الموت احتفالاً وحشيّاً بالعيد، ووصمة عار تنسجم مع اتّساق الأرصفة والأحذية والغبار!‏

فلجّ القلب يهتف:‏

إنّ سلوكنا نحو الشجرة يعكس أخلاقنا، ويسقط أقنعتنا الزائفة كيلا نضبط متلبّسين بالوهم والدجل..‏

نعم، إنني لا زلت أحلم أن التقي ذلك المهندس الإنسان الذي غيرّ مسار الشارع بكامله لكي لا يضطرّ أن يقطع شجرة فتية.‏

فهل نستطيع أن نكبح جماح حماقاتنا فلا نمدّ أيدينا لنعيث خراباً في رئاتنا الخضراء؟!‏

ولنعلن جميعاً: إننا في زمن الفحم والهباب محتاجون جداً أن نهيم عشقاً بأشجارنا، وأن نشدّ على يد ذلك الذي ينحني ليغرس ويغرس، فنحيا وتعلو قاماتنا مثل أشجار الوطن.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244