|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
انتشار الجنس الروائي ـــ د. خليل الموسى انتشرت الرواية في القرن العشرين انتشاراً واسعاً، وذاعت بين الأمم ذيوعاً لافتاً للنظر، ولا شكّ في أنّ لهذا الانتشار والذيوع أسباباً وجيهة، وبخاصة أنّها تربعت على سدّة العرش الأدبي، وزاحمت أجناساً أدبية معروفة بعراقتها، كالشعر والمسرحية، ثمّ تجاوزتها إلى أمد بعيد حتى كأنها الفرس المجلّي الذي غاب عن أنظار المتسابقين، وجعل بينه وبينهم مسافات لا يدركها أصحاب النظر العادي. إذا تساءلنا عن أسباب هذا الانتشار فلا شكّ في أنّ للمطبعة نصيباً كبيراً، فقد كانت أهم حدث وراء هذا الانتشار، وقد يذهب معترض ليبيّن لنا أنّ المطبعة لم تؤد إلى انتشار الرواية وحدها، وإنما أدّت إلى انتشار العلوم والفلسفة والآداب والفنون وسواها من المعارف الإنسانية، وهذا أمر صحيح وبدهي، ولا يحتاج إلى طول تأمل وتبصر، ولكن يمكننا أن ندّعي بأنّ شأن المطبعة مع الرواية غير شأنها مع سواها، فقد غدت المادة الأساسية للقراءة، وقد شملت قطاعاً واسعاً من القراء، بل غدت الطبق الشعبي لكلّ الجماهير، وبخاصة النساء، في حين ظلّ الشعر والفكر والفلسفة والعلوم بأنواعها مقتصرة على قرائها. وثمة سبب آخر لا يقلّ خطورة وأهمية عن المطبعة، وهو انتشار التعليم في العصر الحديث، وبخاصة بين النساء، فقد كانت النسوة في الغرب والشرق محرومة إلى حدٍّ ما من التعلّم، واقتصر تعليمهن في العصور الوسيطة على فئات قليلة ومن طبقة محدّدة، واختلف الوضع تماماً في العصر الحديث حين انتشرت مدارس الإناث في أوروبة أولاً ثمّ في الأماكن الأخرى في العالم ثانياً، ولولا النسوة لما عرف هذا الجنس الوليد هذا النجاح والذيوع، وبخاصة أنّ كبار الأدباء كانوا ينظرون إلى الرواية على أنها جنس أدبي منحط، ودعا الأخلاقيون ومن لفَّ لفّهم إلى الحذر من وقوع الروايات بين أفراد الأسرة، لما تحمله من إباحية وصراحة وتهديم للعادات والتقاليد والقيم، ولكنّ الإقبال الشديد والسريع على قراءة الرواية في بدايات انتشارها بين النسوة أدّى إلى تسارع الطلب عليها لتلبية حاجات السوق، وأدى ذلك إلى التنافس بين دور النشر بقصد التجارة والربح، أو بقصديات أخرى، وربما قد يكون آخرها الاهتمام بولادة جنس أدبي جديد. وأدّى انتشار الصحافة في الغرب والشرق إلى ذيوع هذا الجنس الأدبي، فلما وجد أصحاب الصحف والدوريات إقبالاً على مشتريات دورياتهم بعد نشر الروايات مسلسلة على صفحاتها، وازدياد الطلب عليها من قرّاء جدد، مضوا في هذا السبيل ونشطوا فيه، وإذا عدنا إلى ولادة الرواية العربية وجدنا أن هذا السبب وجيه كلّ الوجاهة، فإذا قرأنا مجلة "الجنان" التي كان يصدرها المعلّم بطرس البستاني، وكان يقوم على تحريرها ولده سليم، وكانت النظرة إلى هذا الجنس احتقارية، ولكن سليم البستاني اضطُرّ -بعد الإقبال الشديد على قراءة هذه الروايات- أن يحاكي الكتّاب الغربيين في قصصهم التاريخية والاجتماعية، وينشرها في "الجنان"، "وهي أول مجلة عربية اهتمت بالقصص اهتماماً واضحاً وأفردت له باباً خاصّاً به" (1) فنشر فيها تسع قصص اجتماعية وتاريخية(2). وكذا كان شأن جرجي زيدان صاحب مجلة "الهلال" الذي نشر رواياته على صفحات هذه المجلة، ثم عاد ليجمع فصولها في روايات مستقلة، فكان له إحدى وعشرون رواية تاريخية(3)، وليس بعيداً عن ذلك ما فعله أيضاً محمد المويلحي حين نشر روايته "حديث عيسى بن هشام" على هذه الطريقة في المجلة "مصباح الشرق" التي كان يصدرها والده. ومن الأسباب الوجيهة أيضاً أنّ الرواية أخذت تخاطب عامة الشعب من خلال موضوعات تهمّ الناس كلّ الناس، اجتماعية كانت أم تاريخية، فكانت الموضوعات التاريخية، فكانت موضوعاتها الاجتماعية قريبة كلّ القرب من الحياة العامة وأذواق الجماهير، وبخاصة أن الروائيين اهتموا بقضايا الحبّ والزواج، وربطوا بينها وبين الحكايات القديمة المنتشرة في أوروبة أو عند العرب، كقضايا الفروسية والشاطر حسن والمغامرات والبطل الذي تواجهه المصاعب، فيسعى إلى تذليلها بمغامرات عدّة، ثم يصل أخيراً إلى هدفه، وكان الزواج السعيد نهاية الرحلة والمكافأة التي يقدّمها المؤلف لبطله، وهذا ما كان يرضي غرور القراء ونوازعهم، أو كانت الأقدار تتغلب على البطل فتتحوّل الرواية إلى مأساة لتنتزع من القرّاء سيولاً من دموعهم، وكذا شأن الموضوعات التاريخية، سواء أكان ذلك في الغرب أم في الشرق، فالإنسان مرتبط بتاريخه وتراثه ارتباطاً لا تنفصم عراه، ولذلك وجدنا الروائيين الغربيين يتحدثون في رواياتهم التاريخية عن بطولات معروفة لديهم، وليس هذا ببعيد عن بدايات الرواية العربية، فقد ألّف الروائيون الأوائل قصصاً تاريخية مستمدّة من واقع تاريخ العرب القديم والإسلامي، فلسليم البستاني -مثلاً- "زنوبيا" و"بدور" و"الهيام" في فتوح الشام" ولجرجي زيدان "أرمانوسة المصرية" و"فتاة غسّان" و"عذراء قريش" و"فتح الأندلس" و"عبد الرحمن الناصر" و"شجرة الدرّ" وسواها، وهكذا كانت القصص التي تعود إلى تاريخ العرب قديماً وإسلامياً تلقى رواجاً لا يلقاه سواها من المؤلفات. وينبغي أيضاً أن نتوقف عند سبب آخر أدّى إلى انتشار الرواية، وهو اعتماد المؤلفين لغة سهلة بعيدة عن التقعّر الذي كان سائداً في شعر نهايات عصر الانحدار، وكان مؤلفو الروايات يخاطبون عامة الشعب مثقفين وسواهم، وبخاصة النسوة اللواتي يشكّلن غالبية القراء، ولا نجد مسوّغاً لأولئك الذين ذهبوا إلى اعتماد اللهجات العامية في كتابة الرواية كلّياً أو جزئياً (الحوار) بحجّة الواقعية اللغوية، وقد اعتمدها بعضهم بقصد الربح التجاري أو الشهرة، مستغلّين الأوضاع الثقافية المتدنية حينذاك، وفاتهم أن اللغة العربية مرنة الاستخدام، وتستوعب -إذا كان المؤلف ماهراً وخبيراً- كل ما هو قريب من الحياة الواقعية، وأن التقعر اللغوي حالة دخيلة على لغتنا، ولا شكّ في أن التجاء بعض الروائيين إلى اللهجات ناجم عن قصور في مخاطبة عامة الشعب بلغة سلسلة، قريبة من الأذواق والأفهام، كما فعل ويفعل من بعد معظم الروائيين العرب، وبعض المسرحيين (توفيق الحكيم) والشعراء (نزار قباني). وينبغي ألا ننسى أنّ لجنس الرواية دوراً كبيراً في هذا الانتشار، فهي من جهة جنس سهل على الترجمة على نقيض الشعر، فمن المعروف أنّ الشعر جنس متعذّر على الترجمة، وهذا ما ذهب إليه معظم الأدباء والمفكرين في الشرق والغرب، وفي مقدمتهم الجاحظ. أما الرواية فقد أخذت تنتقل بسهولة من لغة إلى أخرى، وأقبل عليها القرّاء من هنا ومن هناك، فاجتازت حدودها الجغرافية واللغوية، ونالت الرواية الأجنبية المترجمة مكانة مرموقة، وأخذت الرواية العربية ولا تزال تتأثر بالرواية هناك، وقد كان للترجمة التي قام بها أنطوان غالان لـ "ألف ليلة وليلة" أثر كبير في الرواية الغربية، فقد لاقت قبولاً منقطع النظير لدى الفرنسيين أولاً، ولدى الأوروبيين ثانياً، حتى إنّ ألكسندر ديماس الروائي الفرنسي الشهير قد ذكر مرة بأنّ قراءته لهذا العمل حوّلته نهائياً من الشعر إلى الرواية. وينبغي ألاّ ننسى أيضاً أن الترجمة الروائية قد فعلت فعلها في الغرب، فنجد دوستويفسكي في فرنسا، ونجد هومونغواي في أوروبا، ونجد سرفانتس يتنقّل في كل مكان في العالم ببطله دونكيشوت ليؤثر في هذا الروائي أو ذاك، كما يمكننا أن نجد روايات ألبيركامي في كثير من الروايات الوجودية في أوروبة وعند العرب أيضاً، وقد تنقل فرانز كافكا بشخوصه الروائية الغريبة في كلّ مكان في أوروبة والعالم. ولم تكن قابلة للترجمة وحسب، وإنما كانت سريعة التأقلم مع البيئة التي تنتقل إليها، أو هي "قابلة للسفر وعندها قابلية ضخمة لأن تتأقلم(4)"، وهكذا أخذت الرواية تترجم من لغة إلى لغة، وتطبع بأعداد كبيرة، مما يدلّ على سرعة انتشارها وذيوعها بين الناس. ومن عوامل انتشار الرواية أنّ مساحتها كبيرة ومفتوحة على السرد والشعرية والعلوم والفنون والأديان والمعتقدات وكل شيء، ولذلك يجد فيها كل قارئ ضالته، فهي لكل القراء، وقرّاؤها يختلفون عن قرّاء الأجناس الأدبية الأخرى في عددهم ومساحتهم، فإذا كان الشعر -مثلاً- يقتصر على فئة من القرّاء فإن قسماً منه، وبخاصة المتصف بالغموض، يقلّ عدد قرائه إلى حدّ كبير في حين أنّ قرّاء الرواية يتزايدون يوماً إثر يوم، لأن فيها كل شيء، فهي "تؤمن لكل مجموعة فكرية قوتها المفضّل: فهي تقدّم للأذهان الوضعية الدراسات الاجتماعية التي يغذيها اليوم الاهتمام بما تقدّمه البلدان النامية، وتقدّم للنفوس الحسّاسة ألعاب التحليل النفسي المرهفة والمخيفة، وقد جددها في القرن العشرين الغور إلى الأعماق البعيدة، بل هي تقدّم لأصحاب الخصومات الجدلية أنفسهم مناسبة للانغماس في الحوادث اليومية، كما تقدّم للإنسان الذي يشعر بمصيره تساؤلاً دائماً عن الوضع البشري أو لا إنسانية العالم. كما تقدّم للجميع المتع الطفولية التي تثيرها القصة المؤثرة والمغامرة والحكاية. إنّ الرواية لتقوم بدور الكاهن المعرّف، والمشرف السياسي، وخادمة الأطفال، وصحفي الوقائع اليومية، والرائد، ومعلّم الفلسفة السرّية. وهي تقوم بهذه الأدوار كلها في فنّ عالمي يهدف إلى أن يحلّ محلّ الفنون الأدبية جميعاً، ويمكن أن يكوّن في أيامنا شكلاً معمّماً للثقافة"(5). الهوامش: 1-نجم، د. محمد يوسف- القصة في الأدب العربي الحديث- دار الثقافة- بيروت- 1966م- ص42. 2-انظر: المرجع نفسه- ص ص316- 317. 3-المرجع نفسه- ص189. 4-القلماوي، د. سهير- اتجاهات جديدة في الرواية الأوروبية- مجلة "القصة"- س1- ع2- فبراير 1964م -ص104. -ألبيريس، ر. م. تاريخ الرواية الحديثة- تر. جورج سالم- منشورات عويدات- بيروت- ط1- 1967م -ص ص5-6. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |