|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
تحدّيات المستقبل.. أم تحدّيات الراهن؟ قراءة في كتاب تحديات المستقبل لـ سهيل عروسي ـــ أحمد العباسي ليس صحيحاً القول أن العرب أدّوا دورهم في بناء الحضارة الإنسانية وثم توقفوا مشكورين. فقد كان دورهم وما زال مستمراً، ومازالوا يحثون الخطى نحو مشاركات فعالة في بناء صرح الحضارة الإنسانية هذا بشكل أو بآخر، بالرغم مما ترسمه أو تتصوره الدوائر الإمبريالية بين فينة وأخرى. ومع ذلك فالمسألة ليست بالسهولة التي نتصورها نحن. فالعالم العربي جزء من عالم ثالث وهذا العالم الثالث محكوم عليه بالموت، أو على أقل تقدير محكوم عليه أن يبقى تابعاً ومتخلفاً حتى يصل به الحال إلى حافة الموت. لهذا لابد من تدارك الأمر ومواجهة ما يشكل بحق تحديات مصيرية لهذا العالم الثالث، وللعالم العربي بشكل خاص. (ومثلما سعى الغرب إلى استشراف مستقبله سعت البلدان العربية إلى هذا الهدف، وهو ما نراه واضحاً في جهود بعض المنظمات التابعة للجامعة العربية ومعاهد التخطيط في البلدان العربية، أو في جهود حزبية أو فردية للمثقفين العرب)1. من هذا المنطلق جاء كتاب الأستاذ سهيل عروسي (تحديات المستقبل) الصادر حديثاً عن دار الأهالي في (345) صفحة من القطع الكبير، وفي اثني عشر فصلاً. يتناول فيه الأستاذ سهيل عروسي جوانب (تحديات المستقبل المتنوعة من التقانة إلى الطاقة والمياه والثقافة والتربية إلى التنمية الشاملة وغيرها من التحديات)2 التي تعتبر بحق محكاً لمدى تقدم العالم العربي إذا استطاع أن يستثمر إمكانياته الكثيرة وجهود مواطنيه انطلاقاً من الواقع المعاش وصولاً إلى استشراف المستقبل. أو أن ينطبق عليه فعلاً القول الذي بدأنا به مقالتنا هذه من أن العرب أدوا دورهم في بناء الحضارة الإنسانية وتوقفوا. وكفى.! حيث أن السر ليس كما يتراءى لنا ظاهرياً في اهتمام العرب بدراسة الماضي وليس في قلة الأبحاث العلمية كما يلمح الكاتب نفسه في مقدمته للكتاب، بل في عدم قدرة العرب على تأسيس فلسفة فكرية موحدة في العبور إلى المستقبل منذ أن تخلصوا من الاحتلال العثماني على الأقل. فالبحث جار بدأب في كل العالم العربي حيث يذكر الكاتب نفسه في الصفحة 8 من الكتاب -إن العديد من مراكز البحث.. توليد الأفكار أقيمت في العديد من دول العالم والعالم العربي لأن الموضوع أصبح موضوعاً كونياً- وتولي سوريا أهمية خاصة بالبحث العلمي في ظل قيادتها الرشيدة للسيد الرئيس حافظ الأسد الذي يؤكد دوماً على أهمية البحث العلمي في حياة الشعوب والأمم. فما هي موضوعات الكتاب التي شكلت (تحديات المستقبل) وما هي الطروحات التي عرضها الكاتب إزاءها في فصول الكتاب الاثني عشر؟ وعلى ماذا اشتمل كل فصل على حدة؟! وأقر بأن أبحاث الكتاب ليست مناط التحليل من قبلي بل مناط القراءة والعرض. موضوعة المستقبل في الفصل الأول يتوقف الكاتب عندها مبرزاً إشكالية معنى المستقبل ويخلص إلى أنه (زمن لم يوجد بعد، وعندما يوجد يكون قد أصبح حاضراً وثم ماضياً) ومن هنا أرى أن التحديات التي سنعرضها لاحقاً هي تحديات راهنة، ومستقبلية بقدر استمراريتها في الحاضر. ثم يطرح التساؤل الذي لاكه الغرب كثيراً.. هل المستقبل علم أم فن.. أم فلسفة؟ وبالتالي ماذا يمكن أن تسمى مجمل الدراسات والأبحاث التي تدور حول المستقبل. فهل حقاً هي (صياغة مجموعة من التنبؤات المشروطة والتي تشمل المعالم الرئيسية لأوضاع مجتمع ما أو مجموعة من المجتمعات لفترة تمتد لأكثر من عشرين سنة)؟ ثم يطوف الكاتب بين الكثير من كتب الأساطير والخيالات والهذيان الأوربي ليصل إلى أن المستقبل فعلاً هو مجموعة من التنبؤات القريبة والبعيدة حول شكل الأرض وعدد السكان ومجالات علم الحياة، ومستقبل التكاثر بالخلايا الجسدية والاستنساخ). وعلى هذا يجب أن تكون للمستقبل مهام وإلا فلن يكون له معنى من وجوده أو قدومه، وهذا ما يحاول الكاتب أن يبحثه في الفصل الثاني من كتابه (تحديات المستقبل). حيث يحصر هذه المهام في رسم صورة مقنعة لمستقبل عملي ومنشود، وكيفية التغلب على المشكلات المعروفة على المدى القريب ومنها مثلاً الحروب المدمرة، والعمل على توفير أفضل الفرص لعدم وقوعها، وكيف يمكن التخلي النهائي عن فكرة أن القوة الحقيقية هي التي يجب أن تظهر في ساحات الحرب بحيث تكون ساحات التنمية هي معيار القوة. فلماذا إذن نشهد الآن أكبر حرب مدمرة في كوسوفو؟! إنها لمفارقة عجيبة فعلاً. والمسألة لا تنتهي هنا فالمشكلات كثيرة بدءاً من الطعام وكيفية توزيعه بالعدل إلى الطاقة بأشكالها المختلفة، وعلى المدى البعيد فهناك مشكلة المشاكل (طبقة الأوزون) التي تنذر بمخاطر بيئية كبيرة. وفي الفص الثالث -جاءت (المبادئ المستقبلية) حيث يقر الكاتب أن جميع الدراسات المستقبلية والمستقبليون أنفسهم يتفقون على أن ثمة مبادئ ناظمة للعمل المستقبلي وهي: 1-وحدة الكون (الحقيقية) 2-الأهمية الحاسمة للزمن 3-أهمية الأفكار المتعلقة بالمستقبل. وكما أن للمستقبل مبادئ فستكون له سمات وأهمها: 1- عالم سريع التغيير 2-لا محل فيه للخوارق والمفاجآت 3- اختلافه عن الحاضر. وما ينظم هذه السمات ويربطها هي المعرفة التي هي أكثر أهمية من التسلح ومن الثروة المادية لأن هذه وتلك تعتمد على المعرفة التي من نتائجها الحاسب الإلكتروني- الذي ساوى في أهميته أهمية اكتشاف الطباعة والكتابة باعتبار أن الحاسب هو من أهم اختراعات القرن العشرين. وعلى صعيد التعليم فيحدد الكاتب مهمته في تحصيل وتنمية المهارات والمعارف الجديدة. لأن الانفجار المعرفي وتضخم المادة التعليمية التي تسود عصر المعلومات سيجعل الأسلوب القائم الآن على تناقض جوهري مع أهداف ووسائل التعليم في المستقبل، وهذا يتطلب في نظر الكاتب نشر وعي الثقافة المعلوماتية ومحو أمية الناس في هذا المجال. وبالتالي العمل على نشوء مناهج تعليم جديدة مثل التحكم الإرادي في الاستجابات اللاإرادية والقدرة على تصور الإنسان لنفسه في أي موقف يتذكره. أعتقد أن القارئ سيجد ضبابية في هذه المقولة الفلسفية مع أن تطوراً مفيداً يحصل في بلادنا في مجال التعليم والمعلوماتية ولو بشكل بطيء ومتدرج.! أما على صعيد الإنسان نفسه فالدعوة إلى نموه هو المطلب، وتساؤل الكاتب مع روجيه غارودي ملح ومشروع. وهو كيف نفتح أفقاً جديداً ومستقبلاً ذا وجه إنساني وراء ساحات الدمار؟! ويرى المؤلف أن هذا النمو يتم على الصعيد اللاهوتي (العقيدي) في أن نرد للإنسان بعده الجوهري، وعلى الصعيد الجمالي بنبذ النماذج اليونانية والأوربية والبحث في نداءات الصين واليابان وتراثهما وفي ثقافات آسيا وأفريقيا. فهل يعني هذا البحث في دوافع القوة عندهما أم في أساليب العمل ومناهجهما.؟!. وعلى صعيد الاتصالات فسيكون العالم أكثر اندماجاً بسبب شمولية الاتصالات إلى قصور مدينة كونية عظمى يسميها (الياباني بوينجي أما سادا) بـ(كمبيوتر بولي) يعمل أفرادها بإنتاج المعرفة ضمن بيئة علمية مفتوحة بلا حدود. هذه المعلومة التي ستغير من طبيعة الصراع القائم بين الدول المتقدمة نفسها على النظام الدولي الذي من المتوقع أن يتطور شكله في المستقبل. وهناك إمكانية ظهور ثلاثة اتجاهات رئيسية في شكل النظام المتوقع. الاتجاه الأول.. حالة التغير المستمر. الثاني.. حتمية القطب الواحد. الثالث.. تكتل رأسمالي. وقد يكون الاتجاه الثالث بمستويات ثلاثة اقتصادي تكنولوجي-استراتيجي. وحسب (الفن توفلر الكاتب الأمريكي) فسيكون مصارعو العالم القادمين هم الدين الإسلامي. أو الكاثوليكي أو إمبراطورية الكوكائين -الأمم المتحدة- الشركات العابرة للقارات. والأخير في اعتقادنا أكثر خطراً نظراً للعلاقة ذات الشكل الاستثماري بالاحتكار خاصة في ظل الثورة المعلوماتية والتكنولوجية التي ستكون سمة القرن القادم كما يقرر المؤلف. وفي الفصل الرابع معالجة مسهبة لمسألة التكنولوجيا بدءاً من التعريف التالي (هي علم الفنون والمهن ودراسة خصائص المادة المصنعة) مروراً بغاية التقدم التكنولوجي المتمثل في تحسين مستوى ونوعية التكنولوجيا المتاحة منذ الحاجات الإنسانية الأولى وعبر التطور التاريخي للتكنولوجيا حتى الحاسب الإلكتروني، مبيناً جملة من الفروقات بين العلم والتكنولوجيا. وكما يؤكد هنا أن الدول المتخلفة لم تقترب بعد من موجتها الأولى. (الموجة الزراعية) فإنها إذا اقتربت منها واجهها العديد من الصعوبات منها عدم ملاءمة هذه التكنولوجيا لبيئتها الجغرافية والمحلية والاجتماعية والاقتصادية السائدة إلى جانب التكلفات الباهظة التي تفرضها الشركات المتعددة الجنسيات. وإذا كان الخطر يتمثل في هذه الشركات فالخطر الأكبر الآن هو في نزيف العقول وهجرة الأدمغة إلى الدول المتقدمة خارجياً كان أم داخلياً أم سياسياً، وهو ما يطلق عليه الكاتب بالنقل المعاكس للتكنولوجيا. إن أخطار الهجرة إلى البلاد التكنولوجية فادحة كثيراً نظراً لفقدان القيمة الاستثمارية التي يخسرها الوطن العربي من جراء هجرة الكفاءات العلمية، كما هي خسارة عينية تتمثل في معظم أو كل ممتلكات المهاجرين الخاصة، وفي ضياع نسبة كبيرة من رأس المال البشري وإضعاف القوى المنتجة في المجتمع. وفي إضعاف القدرة الذاتية في المجتمع على القيادة والإدارة والتنظيم. ويؤكد الكاتب أن الرد الحقيقي على هذه المشكلة لا يكون على المدى البعيد إلا باتجاه إنماء اقتصادي شامل لاحتواء هذه الطاقات وتشغيلها في مشاريع البناء الجاد والانطلاق إلى المستقبل عبر برامج واضحة المعالم وبناء الإنسان الجاد والحر. ويمكن أن تراعى في ذلك مستويات أجور متناسبة مع الجهد العام. ويذكر أن العرب سعوا جادين على الأقل قطرياً بجهود متميزة مستعيناً بآراء كبار العلماء من العرب والباحثين، وبجداول إحصائية موثوقة في مجال تخطيط سياسة عربية قومية للعلم والتكنولوجيا يكون مدخلاً لمجتمع المعلومات والمستقبل كضرورة تتعلق بالوجود وبالهوية العربية وبالذات قبل أي شيء آخر. في الفصل الخامس من الكتاب- يتطرق إلى شكل الأشياء في المستقبل، معتمداً على تنبؤات الآخرين التشاؤمية في قسمها الأعظم، والمهم هو اتفاق العلماء على توقيع عدد من الاتجاهات التي سوف تكون عليها أشكال المستقبل، ومهما كانت نسبة نجاح هذه الاتجاهات في المستقبل القريب والبعيد فلا أحد يعرف بالضبط ماذا سيكون عليه العالم بعد مئتي عام. لذلك يقرر أن يعتمد الجنس البشري على مشاكله بنفسه، حيث لا يمكن للروبوت أن يحل محل الإنسان في حل مشاكله الشخصية والنفسية، كما أن روعة الأنماط التكنولوجية لا تستطيع أن تقدم حلولاً للأزمة الديمقراطية، ولا أن تردم الهوة القائمة بين الشمال والجنوب. ولهذا أراد المؤلف أن يستشرف آفاق المستقبل العربي في الفصل الثاني ويقف عند عدد من العناصر النظرية الواجب الاتفاق عليها عند استشراف المستقبل. ولكنه في نفس الوقت لا ينسى أن قراءة الوضع العربي بمختلف مستوياته يضع القارئ أمام حقائق غير مطمئنة للمستقبل. فالتحديات التي تواجه الوطن العربي في القرن المقبل كبيرة جداً، لكن الآليات المواكبة للعصر عند الأمة العربية تحاول التكيف مع المستجد والطارئ من الأحداث. ويجب أن تتعاظم هذه الآليات لتوفر الاحتياطات الكبيرة من المواد الأولية الاستراتيجية في الوطن العربي، وبذلك نحد من حالة التشاؤم في اعتقادي. لكن المشكلات كثيرة فإلى جانب مشكلات الغذاء المتعلقة بالأرض والتصحر هناك معوقات خاصة بالتكنولوجيا الزراعية وتدني مستوى البحث العلمي في الوطن العربي. أما ما هي جهود استشراف المستقبل العربي خارجياً فهي كثيرة لكنها غير بعيدة عن اتجاهات ورؤى الآخرين. والمفارقة تكمن في العدد الكبير لمراكز البحث العلمي الأجنبية في الوطن العربي وفي أوربا بينما لا يوجد مركز واحد متخصص بدراسة أوربا أو أمريكا أو حتى إسرائيل. وهنا يكمن الخلل الحاصل في توجه الأقطار العربية نحو حل مشاكلها بنفسها والتقرب من فلسفة مركزية للعمل العربي المشترك. الفصل السابع خصصه الكاتب لمشكلة الطاقة والتحديات التي تواجه مستقبل الطاقة المتجددة والإمكانيات العربية المستقبلية في هذا المجال، بالرغم من أن الوطن العربي يؤدي دوراً أساسياً في مجال النفط حوالي 60% من مجموع الصادرات العالمية من النفط الخام. من هنا فإن وجود سياسة عربية محددة المعالم لإنتاج النفط وتسويقه في المدى الطويل من شأنه أن يشكل عاملاً فائق الأهمية ليس في الوقت الحاضر فقط بل وفي المستقبل المنظور كذلك. في هذا الفصل بالذات جداول إيضاحية كثيرة تبين الحالات الكثيرة لمستويات إنتاجية الطاقة في الوطن العربي وتقنياتها وتسعيراتها. والصياغات الصحيحة المفترضة لتكون الخطوة الأولى نحو تنمية الطاقة المستديمة التي ستعود بالفوائد الاقتصادية الجمة في الوقت ذاته. ثم حصر الكاتب معالجاته لتحديات المستقبل في الفصل الثامن في النظام التربوي العربي. حيث يرى الكاتب ضرورة التكامل بين نظام التربية ونظام المجتمع الشامل. إلى جانب تطوير الفلسفة التربوية العربية لإخراج عمل عربي متكامل. مشيراً إلى أن المنظمات العربية في إطار الجامعة العربية تبذل جهوداً مميزة ولكنها تتبعثر دائماً وتتعثر بالبيروقراطية القطرية. إلى جانب وجود نسب معينة وكبيرة جداً من الأمية بكل فئآتها مع مشاكل المنزل والمدرسة والمؤسسات التربوية بحد ذاتها والدخول الفارقة البالغة التدني والأنظمة المتباينة لجوانب العملية التربوية في الأقطار العربية، ولا يخفى أيضاً الهدر الناتج عن الرسوب والتسرب إلى جانب جمود المناهج وقصورها، وعدم فاعلية البحث العلمي في الجامعات العربية وتعدد مسارات التعليم وعدم تكافؤ فرص التعليم.. سلبية المعلمين، الانفصال التام بين التعليم وسوق العمل والتناقض القائم بين الخطاب التربوي النظري والخطاب التربوي العملي. وبرغم كل هذه المشاكل في جوانب العملية التربوية فإن الجهود قائمة على وضع استراتيجيات عملية لتطوير التربية في البلاد العربية في نطاق التنمية الشاملة للوطن العربي. وتبقى مسألة المياه من أخطر المسائل التي تفرض على الدول العربية وضع أسس علمية وعملية لمواجهة الأخطار الناجمة عنها حاضراً ومستقبلاً ذلك لأن معظم مناطق الوطن العربي يقع في الجرف الجاف وشبه الجاف من العالم كما يقول الكاتب في الفصل التاسع المعنون بالمياه. ويشير إلى أنه من المنظور الجغرافي ونمو السكان تتزايد الحاجة إلى استعمال المياه مما سيواكب ذلك عجز في الموارد المائية يصل إلى 127 ملياراً م3 عام 2000. كذلك من منظور الواقع الإقليمي للوطن العربي والمشاريع تنبع من دول الجوار مما يكسب تلك الدول ميزات (جيوبوليتكية) استراتيجية في مواجهة الدول العربية، خاصة في ظل انعدام التفاهم الإقليمي والدولي- (سوريا والعراق مع تركيا) (الحبشة وغيرها مع مصر) على أن اليهود الصهاينة يخوضون مع العرب حرب مياه وإن لم تكن مكشوفة. وقد أوردت الأنباء في الفترة الأخيرة أن تركيا تنوي بناء سد ضخم على نهر دجلة قد ينذر بحرب بين العراق وسوريا معاً وتركيا، لا سيما أن العقول الإسرائيلية والأمريكية هي التي تخلق التصاميم والمشاريع وتؤزم الوضع ليتاح للشركات الأمريكية الاضطلاع بدور أساسي في مشاريع البناء. أما من منظور الموارد المتاحة واستثمارها فمعلوم أن المصادر التقليدية للمياه هي الأمطار والأنهار والمياه الجوفية التي لا تصل كمياتها المستوى المريح، والمحصلة من خلال الجداول المرفقة بالبحث. هي أن العجز المائي العربي قائم على مستوى الوطن العربي كله. ومن هنا تنبع ضرورة حل أزمة العجز المائي العربي من خلال منظور قومي ووضع استراتيجية للعمل العربي المشترك لتحقيق أهداف الأمن المائي العربي وذلك يبقى رهن إرادة الشعب العربي وحكامه وقدرتهم على الصمود والوقوف بوجه التحديات الكبيرة القائمة. في الفصل العاشر من الكتاب يبحث الكاتب سهيل عروسي في شكل الثقافة القادم ووسيلتها وخصائصها ومضمونها الاجتماعي، ويحتم تغليب العولمة على أي شكل أو مضمون للثقافة القادمة. وإن الوسيلة إلى ذلك ستكون (الإنترنيت) التي تعني شبكة الشبكات العالمية من الحواسيب المنتشرة في كل أنحاء العالم، والتي تشكل الآن أكبر أداة للاتصالات المعلوماتية على المستوى الحكومي والشخصي كذلك. لكن مهما تكن حجم ألياف هذه الأداة فإن المطلوب اليوم هو إعادة خلق ثقافتنا العربية بروح جديدة تمزج بين الأصالة والمعاصرة ودون توقف عند فترة زمنية محددة كما يصر الكاتب. أما العولمة التي يتعرض لها الكاتب لغوياً وتاريخياً على أنها النموذج الأمريكي الصرف في الحياة والثقافة والاقتصاد، والنموذج العالمي الوحيد أمام البشرية للتعامل معها، فإنها وكما يقول البعض إن جانبها الغالب إعلامي بحت، ومهما تكن فالمهم هو تكوين رؤية عربية واحدة تجاهها ويحصرها الكاتب في جذرها اللغوي الواحد في لغتنا العربية وهو (علم- عالم- يعلم) وبذلك يكون مبعث الارتياح عربياً هو العلم، لأنه أي العلم ليس من الأمور الخلافية بل هو موضوع إجماع ديني واجتماعي وتاريخي بغض النظر عن الآراء المتباينة بشأن العولمة، والمطلوب هو أن تتوفر الإرادة الطيبة من المثقفين العرب والتخطيط الأمثل لبلورة ثقافة مستقبلية تضع الأمور الحساسة في أولوياتها، وبذلك يمكن التحدث عن الانخراط في عصر العلم والتكنولوجيا مع المحافظة على الهوية الثقافية العربية وخصوصيتها. وهذا لا يتم إلا بتوفر قيادة سياسية مخولة بتحديث المجتمع والتواصل المتزايد بين المجتمعات المتقدمة والنامية يتيح للقيادة أن تستحدث قبل شعبها أدوات حكمها لتكون رائدة تحديث لمجتمعاتها. إن مثل هذه القيادة هي قيادة إنمائية مبدعة تستطيع تحمل المسؤولية التاريخية للصعود الإنمائي الأكبر مع توفر قدر كبير من الديمقراطية، وبذلك يكون هذا النمط من القيادة الإنمائية قيادة تاريخية إبداعية مستقبلية وهي ألزم للأمة العربية منه لأية أمة أخرى. ومثل هذه القيادة المستقبلية تستطيع أن تقدم الاستجابة التاريخية لتحدي التجزئة والتخلف. أما في الفصل الحادي عشر من كتاب (تحديات المستقبل) التنمية والحاجة للدراسات المستقبلية، يحاول الكاتب إيجاد تعريفات أكاديمية تهدف للوصول إلى بلورة أفكار محددة حول التنمية، والتعريف الشامل للتنمية هو أن (التنمية عملية تغيير إرادية هادفة وشاملة لكل جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مجتمع معين). وما يهم الاقتصاد العربي هو توفير شروط ذاتية وموضوعية للنهوض به، وإجراء تبدلات هيكلية في الاقتصاد العربي هو توفير شروط ذاتية وموضوعية للنهوض به، وإجراء تبدلات هيكلية في الاقتصادية العربية في إطار استراتيجية قومية بعيدة المدى واضحة المعالم. ومن هنا تأتي الحاجة إلى دراسات مستقبلية جادة تتلاقى كل سلبيات الماضي ودراساتها الآتية، تنطلق من المعرفة الدقيقة والتفصيلية لحركة المجتمع وقوانينه الموضوعية، والمتابعة المستمرة للتطور في العلوم الأساسية وتطبيقاتها التكنولوجية والاهتداء بالفكر التنموي الحديث مع شموله لمجموع العلوم الاجتماعية، واستخدام الأساليب الكمية في اختيار نتائج المسارات المختلفة للتنمية. واشتمل الفصل الثاني عشر على ملحق وهو بيان إلى الأمة -المؤتمر القومي العربي السابع 19-21 آذار مارس -1997- الدار البيضاء- المغرب. وهذا الملحق من المفروض أن يكون قد نشر على أوسع نطاق، وبالتالي فهو لا يمس الكتاب موضوع قراءتنا إلا بقدر ما يفتح الأفق ويضع اليد على القصور العربي وغايات وحاجات تطور آليات العمل العربي المشترك. وبعد فإن كتاب (تحديات المستقبل) لمؤلفه الأستاذ سهيل عروسي جهد في غاية الأهمية، سوف يغني المكتبة العربية لشمولية موضوعاته الحساسة، وبذلك يكون هذا الكتاب بديلاً جوهرياً للكثير الكثير من الكتب المتفرقة بهذا الموضوع أو ذاك من موضوعات هذا الكتاب. وهو جهد كبير من جهة الإعداد له والاشتغال عليه بروح المثابرة والجد. وإذا كان لابد من ملاحظات عليه فهي في أسلوب الكاتب المدرسي الأكاديمي في طرح الموضوعات من جهة وهو ما أشار إليه الكاتب نفسه في مقدمة الكتاب. وفي تجزئة الموضوع الواحد إلى فقرات درسية ربما هدف الكاتب من وراء ذلك إلى تبسيط الموضوع، ولكنه في نفس الوقت شتت ذهن القارئ بين هذه الفقرة وتلك وبين هذا الموضوع وذاك. ناهيك عن الثقل الكبير من الجداول الإحصائية البيانية التي تتطلب ذهنية متخصصة أو معاهد بحث للتحليل وربط الأسباب بمسبباتها ويبرز أخيراً السؤال التالي وهو إلى أي حد تشكل موضوعات الكتاب موضوعات أو تحديات مستقبلية؟ ما دام العالم منشغلاً منذ الآن بل منذ القديم بها. وعليه فإني أرى أن أهمية هذا الكتاب تنبع من راهنية موضوعاته وليس من مستقبليتها. أما إذا كان الكاتب يقصد من المستقبلية استمرارية المشاكل المتعلقة بموضوعات الكتاب فهذا الأمر يدعو إلى ضرورة الصعود المستمر في آليات العمل العربي لتفادي الوقوع في أي فشل محتمل من جديد إذ أن عملية الصعود بحد ذاتها تدل على حيوية الأمة.. ففي كل مرحلة تضع بصمة جديدة على صفحة الحضارة الإنسانية. 1 هيرمان كان- العالم بعد مئتي عام- ترجمة شوقي جلال. عالم المعرفة الكويتية. 2 من كلمة الناشر على الغلاف الخارجي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |