|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
عبد الرحمن شكري المؤلفات النثرية الكاملة تحرير وتقديم د. أحمد إبراهيم الهوّاري ـــ د. عبد الإله نبهان (عبد الرحمن شكري 1886- 1958) لو أن مجموعةً من المثقفين جلست تتذاكر في النقد العربي الحديث وتستدعي أسماء النقاد إلى مجال الذاكرة فإنها سوف تذكر ولا ريب الشاعر الكاتب عبد الرحمن شكري بوصفه أحد النقّاد الثلاثة الذين ارتبط اسمهم بـ "مدرسة الديوان" وهم عباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني وعبد الرحمن شكري..، ثم توارى ذكر عبد الرحمن أوكاد.. وقد يقول أحد المتحاورين: أظنّ أنّ له مقالاتٍ غير دواوينه المفقودة الآن.. ويعلق آخر: نعم إني أذكر أنّ له مقالاتٍ في دوريات تلك الأيام.. وهكذا يمكن أن نقول: إنه لم يبق في أذهاننا من هذا الناقد الكاتب الشاعر إلا ظلٌّ باهت.. حتى تلك المعركة الأدبية التي حاول إثارتها رمزي مفتاح في كتابه "رسائل النقد" وهي رسائل ذات لغة استفزازية عنيفة انتصر فيها رمزي مفتاح لعبد الرحمن شكري علي عباس محمود العقاد.. أقول حتى تلك المحاولة تلاشت آثارها ولم يبق منها إلا ذكرى.. قضية آثار عبد الرحمن شكري تطرح أمامنا قضية الانقطاع المعرفي، فنحن هنا أمام هذه المسألة لا نعاني من القطيعة المعرفية مع التراث القديم أو المفقود.. بل نعاني من قطيعة مع تراثنا القريب، تراث القرن العشرين المنثور في دوريات النصف الأول منه؟! ومن هنا تبرز مشروعية المشروع الذي تقوم به بعض المؤسسات العربية لسدّ هذه الثغرة ومحاولة تجاوز هذه القطيعة وذلك بوضع النصوص التي أنتجها عصر النهضة العربية وما تلاه ضمن مؤلفات كاملة مع مقدمات ودراسات لإعادة قراءتها والاستفادة من ذلك التراكم المعرفي فكرياً وإبداعياً.. وكان من ذلك مشروع حوارات عصر النهضة في وزارة الثقافة بدمشق ومشروع نشر المؤلفات الكاملة لرجال عصر النهضة وما تلاه في مصر.. وضمن هذه الأعمال يأتي الجهد الرائع، جهد السنوات الخمس، الذي قدمه الدكتور أحمد إبراهيم الهوّاري في جمعه للآثار النثرية الكاملة لعبد الرحمن شكري.. إنه أحياه من جديد بإعادته إلى دائرة اهتمام الكتّاب والنقّاد والدارسين بعد أن غاب غياباً يكاد يكون كلياً عن الساحة الأدبية والنقدية. وأظنّ أنه غير قليل أن يكون بين أيدينا مجلدان أنافت صفحاتهما على الألف صفحة من نثر عبد الرحمن شكري مؤلفاتٍ ومقالاتٍ بعد إذ لم يكن لدينا شيء من ذلك.. وسنزداد تشوّفاً عندما نسمع أن آثاره الشعرية الكاملة ستظهر في وقت قريب أي عام 99 أو 2000 حسبما تناهى إليّ. إن آثار شكري النثرية التي أضحت بين أيدينا ستكون موضوعاً لدراسات عدة، ونحن لا نملك إزاءها الآن إلا التعريف الشامل لتقديم فكرة عنها ليُعنى بها مَنْ يريد متابعتها والعمل على نصوصها؛ فمن حيث الشكل نقول إن هذه الآثار جاءت في مجلدين اتصل ترقيمهما حتى بلغ (1060) صفحة وقدّم الدكتور أحمد الهواري للكتاب بمقدمة جعل عنوانها "عبد الرحمن شكري: جدل الإبداع والحضارة" واشتمل المجلد الأول على خمسة أقسام: 1-الاعتراف 2-حديث إبليس 3-كتاب الثمرات 4-كتاب الصحائف 5-نظرات في النفس والحياة واشتمل المجلد الثاني على خمسة أقسام: 1-لمحات من سير أدبية: خيول الشوق 2-قصص عبد الرحمن شكري 3-في المرآة "تأملات عبد الرحمن شكري في الطبيعة البشرية والحضارة" 4-في النقد 5-قضايا ومناقشات "القديم والجديد، الجديد والقديم" ومن قراءة العناوين يبدو للناظر شدة اتصال تلك الموضوعات بعصرها وبواقعها وربما امتدت أهميتها إلى واقعنا الثقافي والاجتماعي وكذلك لها خصوصيتها، فمحاولاته القصصية جديرة بالدراسة وكذلك معالجته لقضية الدين والأخلاق والشرق والغرب والفن والأخلاق... وإذا كنا لا نستطيع الإلمام بذلك كله فلنعرّج نحو بعضه لأن ما لا يُدرك كلّه لا يترك بعضه... ممّا يسترعي الاهتمام في هذه المؤلفات تلك العناوين: ذكرى الطفولة، ظلّ الطّهر، أزهار الشباب، الغرور، الخوف والعيّ، الحياة والوحشة، الحياة والرحمة،... ولو أنّ عيننا وقعت على هذه العناوين في كتاب له طبيعة النظرات للمنفلوطي لذهب بنا الظن إلى أنها موضوعات ذات صبغة إنشائية.. لكن ما إن نأخذ في القراءة في كتابات عبد الرحمن شكري حتى تتكون لدينا فكرة من نوع آخر وذلك لأننا نجد أنفسنا أمام محلل بارع سابر لخفايا النفس البشرية وأغوارها مدرك بوضوح مظاهر الوجهين لها، الوجه الآخر المتخفّي والوجه الظاهر.. لذلك نجد الدكتور الهواري يشير في مقدمته إلى ريادة عبد الرحمن شكري في الكشف عن أسرار النفس البشرية، وقد اتخذ من كتابته عن أفكار طائفةٍ من الشخصيات الفكرية مثل لارشفوكولد وجوتا وأناتول فرانس وشوبنهور وثاكري ومارسيل بروست ولورد بيكون وغيرهم.. اتخذ منها -كما يقول الهواري- أقنعةً أو "مرايا" تكشف عن مواقفه الفكرية والسياسية والاجتماعية وقد اندمجت في آراء تلك الشخصيات التي غاص في عقلها ووجدانها، وهنا يجب أن نشير إلى أن عبد الرحمن شكري كان يمتلك الإنكليزية امتلاكه العربية.. وكان متسعاً في قراءاته في اللغتين كما تدلّ آثاره وكما يتجلّى جدل التأثر والتأثير "المثاقفة" عنده على نحوٍ واضحٍ في نظرته إلى الشعر وفي مذهبه النقدي.. وفي هذا السياق يذكر الدكتور الهواري أن عبد الرحمن شكري كان رومانسياً حتّى النخاع فهو من الأنا يبدأ وإلى الأنا يعود، فالشاعر عنده إنما هو "شاعر القلب الذي يصف عواطف النفس وأطوارها فيصف عواطف الحب والجمال والجلال والخوف والفزع والأمل واليأس والرحمة والكره والحقد والبخل والجود والشجاعة والجبن وغيرها من عواطف النفس وأحوالها.. فهو الشاعر الذي عواطفه مثل عواطف الوجود.. مثل الأمواج أو الرياح أو الضياء أو النار أو الكهرباء.. فإنّ هذه عواطف الكون.. وهو الذي يحكي قلبه الأوركستر الكثير الآلات.. الكثير الأنغام.. .. وإذا ما تركنا مجال الشعر والنقد فإنه يمكننا أن نشير إلى أهمية مقالاته في قضيّة "القديم والجديد" وهي قضيّة ألّفت فيها مصنفات وكتبت بحوث ومقالات تبلغ مجلدات.. ومع ذلك فإن القول فيها مازال يحيا ويتجدد حتى الآن.. فما الخصوصية التي تميز عبد الرحمن شكري في هذه القضية؟! بدأت القضية على صفحات مجلة الرسالة آنذاك، فقد قام مريدو العقاد بصفتهم التجديدية بمهاجمة الرافعي ومريديه بصفتهم ممثلين للقديم واستمر الحوار طوال عام 1938 على صفحات مجلة الرسالة وشارك فيها نفر من الأدباء منهم إسماعيل مظهر وسعيد العريان وعلي الطنطاوي ومحمد أحمد الغمراوي ومحمود شاكر وغيرهم... وكان شكري جريئاً كلّ الجرأة في كلامه عن قضية القديم والجديد وخصوصاً عندما يتعلق الأمر ببقاء الأمة أو زوالها فهو يرى أنَّ ((بعض الأمم مثل بعض الأفراد، والآراءُ والمنازعُ الجديدةُ قد تغيّر حياة الأمة كلّ التغيّر حتى تصير كأنّها أمة أخرى.. ولكن خيرٌ للأمة أن تحيا حياة ثانية وأن تتغيّر أحوالها من أن تنعدم وتفنى)) والأمة التي لا تجدد حياتها وأنظمتها وتتغيّر بتغيّر الأزمان فإنّ مصيرها إلى الفناء المحتوم لأن ((الأنظمة تُفسدُ الأيامُ والسنون صحتها كما تفسد الأيام صحة المرء وشبابه، فينبغي للأمم أن تتهيأ لقبول الأنظمة والآراء والمنازع والرغائب والآمال الجديدة، وأن لا تيأس من فساد الأنظمة والآراء والرغائب القديمة لأن حياة الأمم مثل الماء إذا ركد ولم يحركه ويجدده تيارٌ جديد من الماء عطن وفسد أمّا في مجال الآداب والفنون فإن شكري يفصل بين الفن والأخلاق محتجاً بالأدب العربي القديم وبالآداب الغربية "فإن الفن يراد للفنّ لا لما به من الفحشى" ورأى أن الفرْق الحقيقيّ في أدب المذهب القديم وأدب المذهب الجديد إنما هو فرْقٌ من حيث روح هذين الأدبين "فإن الأدب القديم وصل في عهده الأخير إلى أدب احتذاء لا أدب اجتهاد، ونعني بالاجتهاد الاصطلاح الفقهي لا المعنى اللغوي، فإن نصيبه من الاجتهاد كبير إذا أريد المعنى اللغوي للاجتهاد، وهذا هو الفرق الحقيقي بين اجتهاد أدباء المذهب القديم واجتهاد أدباء المذهب الجديد، فالمذهب الجديد يريد بحث النفس وعواطفها وشرائعها وسننها لا قصر البحث على شهواتها.. وبحث النفس يقتضي بحث جانب الإيمان منها كما يقتضي بحث جانب الشك.. وإنّ باب الاجتهاد في الفقه النفسي والفكري لم يقفله المذهب الجديد” لأنّه يرغب في بحث جوانب النفس والحياة ويرغب أن يستأنف اجتهاد الفقه الفكري والروحيّ.. لكنّ عبد الرحمن شكري لا يدعو إلى قطيعةٍ معرفية مع التراث بل إنه ضد مثل هذه القطيعة، وإنها يهاجم القديم فإنما هو لا يعنيه بذاته بل إنه يهاجم التمسك بالقديم والجمود عليه والوقوف في وجه الجديد.. إن الكاتب عبد الرحمن شكري كان مؤمناً بالتواصل الجدلي بين الماضي والحاضر في رؤيته النقدية.. لذلك درس بعض شعراء العصر العباسي كالمعري وأبي تمام والبحتري وصرح بأنك ((لا تكون صادق الحكم في آداب اللغة العربية إلا إذا درست آداب العصور التي تعاقبت عليها.. فإذا درست آداب عصرٍ واحدٍ كان رأيك أبعدَ ما يكون عن الصواب)) ولابدّ من الإشارة إلى موقفه العقلاني تجاه قضيّة "الشرق والغرب" فقد تجاوز تلك النظريات العِرْقية التي تسرّبت أصداؤها إلى بعض الكتّاب العرب بسببٍ من كتابات "رينان" على وجه خاص فرفض شكري تقسيم العقل البشري إلى عقل شرقيّ وعقل غربيّ، ورأى أن العقل البشري وأن النفس البشرية واحدةٌ في الشرق والغرب في صفاتها الأساسية وأنّ الاختلاف بين العقول والنفوس في الشرق والغرب لا يكون أكثر من اختلاف عقول ونفوس آحاد الأفراد في الأمة الواحدة.. ففي الأمة الغربية كما في الأمة الشرقية أناسٌ يغلب عليهم تحكيم المنطق وأناس يغلب عليهم تحكيم الوجدان وأناس يغلب عليهم تغليب الخيال في التفكير.. وفي الأمة الشرقية كما في الأمة الغربية أناس يقدسون العادات ويعدّونها ذات قداسة كقداسة الدين.. وفي كلٍّ منهما أناسٌ يحاولون في كلّ عصر تحرير العادات والأفكار" لقد كانت ثقافة عبد الرحمن شكري الواسعة وقراءاته في التاريخ والجغرافية والشعر والأدب والفلسفة في الشرق والغرب تسِمُ آراءه بضرْبٍ من التوازن والموضوعية ومواكبة تطوّر العلم والفكر وإدراك أثر العامل الاقتصادي في الثقافة "فالثقافة الإنسانية إذا كان الناس مشتغلين بالرعي تختلف عنها إذا كانوا مشتغلين بالزراعة أو بالصناعة، والثقافة في الأمم ذات الحكومات المطلقة تختلف عنها في الحكومات الجمهورية" إن مثل هذا الإيمان بالتطور الحيّ وبمرافقة التطور الثقافي لكلِّ تغيّر في بنية الحياة الاقتصادية لا يتأتى آنذاك والآن أيضاً إلا لمن فتح نوافذ عقله لمختلف الثقافات واستوعب متغيّرات عصره وتاريخ الحضارات الأخرى... ليس بالإمكان أن أفصّل في مساحة محددة أكثر مما فعلت... إنها إشارات عابرة إلى أفكار من التراث القريب المعاصر.. إنها تستحق المراجعة وإعادة القراءة.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |