|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
خورخي لويس بورخيس اليهودي.. العنصري ـــ حسن حميد 1 أعترف بأنني مولع بقراءة سير الأعلام، أيّاً كانت وجهتهم، أو شهرتهم، أو مهنتهم، أحبّ التقصي وفهم الأمور بشمولية، كأن أتقصد ألا أفهم مكتوباً لأي مبدع دون فهم وترصد حياته الشخصية، وأفكاره، ودوره في الحياة الثقافية التي عاشها. وأعترف أيضاً بأن جهلاً يكاد يكون مبطناً حيناً، ومكشوفاً حيناً آخر يُمارس علينا نحن الكتاب، وجمهور المثقفين المحبين للقراءة من بعض الكتّاب لكي نظل على جهل لبعض أجزاء الدائرة التي يشكل مجموعُها حياةَ الأديب الغربي أو الكاتب والفنان، وأعماله المطبوعة أو المنشورة، وتأتي الممارسة عبر صور عديدة، تبرز في كل صباح تحت قناع جديد، مرة تقرأ للكاتب نصوصه دون أية إشارة إلى حياته، أو ثقافته، أو مصادره الحياتية والثقافية، أو الوقوف على توجهاته ومواقفه تجاه الأحداث والوقائع التي عاشها أو عاصرها، وبذلك يظل النص، أيّاً كانت أهميته ناقصاً، ولن يكتمل دون معرفة الكاتب معرفة شمولية، ويصير هذا الأمر هاجساً لأننا لذعنا، ولدغنا مرات ومرات ولم نبلغ سن الرشد بعد، ومرة تأتينا المعرفة بأعلام الغرب وغير الغرب أيضاً على صورة تعاريف وأماديح وتقريظات وكأنهم بشرٌ هابطون من كوكب آخر أجمل من كوكبنا وأبهى، ولذلك فإن ثقافتهم ومعرفتهم ونصوصهم أنصع وأروع وأكثر إدهاشاً وأسطورية.، ويظل الضخّ الإعلامي حول هؤلاء مستمراً دونما وضوح أو مكاشفة أو قول للحقيقة التي تجلو أبعاد حياة وكتابة هؤلاء الأعلام، إلى أن يقيض الله وقتاً وظرفاً وأناساً يطلعوننا على ما تاقت نفوسنا إليه خلال العديد من السنوات الماضية التي حفرت في أذهاننا وأذهان أبنائنا في المدارس والجامعات بأن فلاناً (ما) رجل عالم، وفهيم، ومبدع، ووو.. الخ ومن ثم يطلع الرجل علينا بأنه ضدنا مئة بالمئة، وإنه يحتقرنا كعرب، ويحتقر تاريخنا، ويمجد اليهود ودورهم الحضاري في أوربا، وفي [الشرق الأوسط] منذ قيام الكيان الصهيوني في فلسطين عام (1948). وأعترف مرة أخرى بأننا بحاجة ماسة إلى مراجعة كل ما قرّ في أذهاننا وكتبنا، ومداركنا من معارف ومعلومات عن تواريخ الغرب وأعلامه، وأن تتم هذه المراجعة بأيدي العارفين العرب المعروفين بالثبات على المبادئ وحسن الطوية، والإخلاص للحقيقة والواقع، وأن توضع تلك المعارف والمعلومات بين أيدي المعنيين بالأمر لتصير المعلومات حقائق مُحبرة باليد العربية ومدركة بالعقول العربية أيضاً. ومن الضروري والجوهري حقاً، أن تشمل تلك المراجعات الواجبة ليس فقط ملفات الأدب والثقافة، وإنما جميع الملفات التي دوّنها وأكدّ عليها أناس كانت روابطهم بالقومية العربية ضعيفة وهشة إن لم تكن معدومة تماماً، وكانت وراءهم أهواء وغايات وأهداف دافعة لهم لكي لا يقولوا الحقيقة أو يتجاهلوها بسبب تأثيرات وتوجهات مستنبتة بعيداً عن حياض الوطن ومفهومه العام، وبذلك كان فعلهم فعل خيانة للعلم والأدب والوطن معاً، وكان سلوكهم بعيداً عن الشرف والنزاهة والمنطق والحقيقة أيضاً. 2 أقول هذا جريحاً، لأن ثمة محاولات جارية الوقع في المشهد الثقافي تمارس التطبيل لأعلام الغرب المعروفين بهويتهم اليهودية أولاً والصهيونية ثانياً باعتبارهم الرقم الأول في عالم الأدب والثقافة اليوم، دون أن ترفق نصوصهم المترجمة بنبذة عن حياتهم ومرجعياتهم الثقافية، وإن ارفقت النبذة بالنص كانت مجزوءة ومقتصرة على ما يتناسب وذهنية القارئ العربي، أي أنها نبذة تساير حساسية المثقف العربي النافر عن قراءة ما هو مروج للصهيونية أو ما هو مدبج لتاريخ اليهود وسلوكهم في أوربا، أو ما هو مصوّر لأشكال العذاب والنبذ والاقصاء التي مورست عليهم كما يدعون من هذه الأسماء الكاتب اليهودي ميلان كونديرا الذي يحمل الجنسية الفرنسية حالياً، والذي باع تشيكوسلوفاكيا، الوطن الذي تربى فيه وعاش، بالمنفى الفرنسي، هذا الكاتب الذي تتبارى دور النشر العربية وتتسابق اليوم من أجل الظفر بمؤلفاته، فلا تقول إلا أن هذا الكاتب هو الفتح الإبداعي والأدبي المتوج والمتناسب مع نهاية القرن العشرين. ولكن ما يدفعني إلى كتابة هذه الزاوية هو ملف السيرة الذاتية لكاتب طُبل له كثيراً، وروّج له خلال أكثر من ثلاثين سنة ماضية، أعني الكاتب اليهودي (الأرجنتيني) خورخي لويس بورخيس الذي ولد سنة 1899 وتوفي سنة 1978، تاركاً وراءه العديد من المؤلفات الأدبية في الشعر، والقصة وسواهما. ملف السيرة الذاتية لهذا الرجل يكشف بكل وضوح (وهو مكتوب أصلاً بخط يدبورخيس نفسه) عن المرجعيات اليهودية لثقافته التي تلقاها من أمه اليهودية وجدته (لأمه) اليهودية أيضاً، كما يكشف عن تضامنه المطلق مع اليهود الذين (تحدوا) على حد زعمه -التاريخ والراهن لكي يعودوا إلى فلسطين باعتبارها (وطناً قومياً لهم)، ويعترف بأنه زار الكيان الصهيوني سنة 1969 تلبية لدعوة من الحكومة الصهيونية آنذاك، وقضى أياماً عدة في (تل أبيب) والقدس، يعتبرها (أي الأيام) من أجمل أيام حياته، وأكثرها سعادة!! لماذا؟! لأنه قام بزيارة أقدم مدينة في العالم (يعني القدس)، ولأنه زار أحدث بلد في المحيط (يعني الكيان الصهيوني). ويقول بالحرف الواحد إنه عاد من بلد شديد الحيوية، بلد غيَّر ركناً من العالم (يعني البلاد العربية) كان نصف نائم. ويقول بورخيس متفاخراً بأنه: وفي أثناء الحرب العربية الإسرائيلية( يقصد 1967) أخذت موقفاً في الحال (طبعاً موقف المنحاز لصالح الكيان الصهيوني)، ويمضي قائلاً: وعندما كان فصل القوات غير مؤكد كتبتُ قصيدة عن الصراع، وبعد إسبوع كتبتُ قصيدة عن النصر (النصر الإسرائيلي بالطبع)!! ويقول بورخيس: منذ أيامي في جينيف (كان ابن عشرين سنة آنذاك) كانت الثقافة اليهودية تشغلني، واعتبرتها عنصراً رئيسياً فيما يسمّى الحضارة الغربية. وتكشف السيرة الذاتية لـ بورخيس بأنه تلقى الثقافة اليهودية من خلال أسرته، وعن طريق أمه وجدته، ووالده الذي كان يملك مكتبة كبيرة، هذا الأب الذي كان محامياً، وفيلسوفاً، وأديباً له رواية وبعض الكتابات الأدبية الأخرى، وأن أصدقاءه كانوا من اليهود، وكذلك صديقاته اللواتي عاش معهن. وغير هذا، فإن الرجل كان صاحب مواقف معروفة بعنصريتها وعدوانيتها منها أنه انحاز إلى جانب أمريكا ضد كوبا في أزمتها المعروفة في الستينيات والتي ما تزال آثارها بادية إلى يومنا الراهن هذا، كما أنه كان ضد التجربة الشعبية التي قام بها بيرون في الأرجنتين، وأنه وقف معارضاً لكل الأفكار التي تتحدث عن دور الجماهير الشعبية والجموع وقوتها، وبذلك كان مدافعاً عن الأنماط الارستقراطية في السياسة، والاجتماع، والاقتصاد، والثقافة.. ومع كل هذا.. تطبل دور النشر العربية، والصحف والمجلات، ورجال النقد الأدبي، والمبدعون، والمثقفون لبورخيس الذي بدأ دورة الشهرة في بلادنا عبر مقالات مترجمة عن أدبه وثقافته وحضوره (الطليعي)، ومن ثم (بعد هذه (الفرشة الدعائية) ترجمت نصوصه بكثرة مرعبة، وأخيراً وبعد موت الرجل بعشرين سنة تكرّم علينا المترجمون العرب بترجمة سيرته الذاتية المكتوبة بخط يده منذ عام (1970) والتي يبيّن فيها مصادره الثقافية، وتاريخ حياته، ومواقفه السياسية، وتربيته اليهودية، واجتهاده وملكاته الخارقة، وبطولات أجداده.. بروح متكبرة لا تخلو من الغطرسة العدوانية! طيب، إذا كان هذا الرجل عالماً، ومبدعاً هائلاً وأمره يعنينا فلماذا لم ترفق سيرته الذاتية مع نصوصه التي ترجمت؟! وإذا كان هو كذلك فلماذا لم نبيّن للقراء مواقفه العدائية تجاه العرب، وتجاه الإنسانية بعامة؟! ولماذا لم نقل بأنه زار الكيان الصهيوني، ومجدّ المكان، والناس الأغراب، والقادة الدمويين، ولماذا لم نتصدَ له، حين قال بأننا نصف نيام، وأن الكيان الصهيوني هو من سيحرك هذا الركن الغافل من العالم نحو الحداثة والتطور؟! ترى إلى متى سنظل على هذه الحال؟! لا نواجه الحقائق إلا متأخرين، كما لا نعرف الآخرين إلا متأخرين؟! ونحن الذين عُرفنا بالفراسة عبر التاريخ، وحسن الإطلاع والشمولية، والحرص على المتابعة؟! أم أن كل هذا.. موجّه ومبوّب من أجل معرفة بعضنا لبعضنا الآخر.. لا من أجل معرفة الآخرين، وإلى متى سيظل المترجمون العرب (بعضهم لا كلهم) يمارسون علينا سياسة التجهيل، وإلى متى ستظل دور النشر العربية (بعضها لا كلها أيضاً) تقبل النصوص العزلاء البعيدة عن كل تعريف أو سيرة ذاتية؟ وبالمقابل نتساءل هل تقوم دور النشر الغربية بترجمة لأي كاتب عربي دون أن تعرّف بهويته، ومواقفه، ومحتوى أعماله، وتاريخ حياته كاملاً، أعني هل تقبل دور النشر الغربية بأنصاف الحقائق أو أرباعها؟! إطلاقاً، فهي لا تقبل وإلا لاكتسح المال العربي (المتوافر بكثرة) دور النشر الغربية كلها وباتت الأعمال الأدبية والفكرية العربية الأقل شأناً ومقاماً مترجمة إلى لغات العالم كافة!! أليس لنا في تصرف أصحاب تلك الدور من موعظة، بلى إن كنا نودّ مماشاتهم في هذا الأمر كما نماشيهم في خطوط (الموضة) وأساليبها دونما وعي أو دراسة!! 3 وبعد، قد يقال: إن حساسيتي زائدة عن اللزوم، وإنني أفتح أبواباً، يريد الكثيرون إغلاقها، وإنني أنبّه لحالات يراد لها أن تظل طيَّ النسيان والتغافل وعدم الاهتمام. ولكنني أقول أنا مريض بحساسيتي وغيرتي فهي بوصلتي، ومن دونها لا أستطيع أن أكتب حرفاً واحداً، أو أن أخطو خطوة واحدة وأنا الذي أعرف نفسي جيداً بأنني صاحب حق وتاريخ، و(هم)- أي أعدائي- لا يملكون حقاً ولا تاريخاً، ودعاويهم تقوم على الباطل والوهم، ولا تستند إلا إلى الخرافات، ومع ذلك يريدون مني أن أتخلى عن حساسيتي وغيرتي وتاريخي وحقي لكي يقال عني إنني معتدل، وإنساني، ومتفهم، وعليّ أنا المتفهم ألا أطالبهم بالثبات على أكاذيبهم وأوهامهم. أيها السادة لتذهب هذه الأوصاف جميعاً (المعتدل، والمتفهم، والواقعي، والإنساني.. الخ) إلى الجحيم إن كنتُ سأفقد بسببها عزتي وكرامتي وغيرتي على حقي الواضح، وتاريخي المّدرك، ووطني المجسم البادي لكل من يملك عينين!! وليذهب أدب بورخيس إلى الجحيم ما دامت مواقفه منحازة إلى الشر والعدوانية والعنصرية والارستقراطية المتسيدة لعالم من العبيد، فما نفع أدبه وهو يصفّق شخصاً للقتلة في فلسطين المحتلة، وكوبا المحاصرة، يرى القاتل ولا يرى القتيل، يرى عربدة المنتصر ولا يسمع أنين الضحية.. أي أدب هذا يُروّج له لكي نقتنع به بعيداً عن قرنه بمواقف صاحبه العدوانية، وسلوكه الشخصي العنصري بالمطلق. إن محاولة الفصل ما بين مواقف بورخيس وأدبه هي محاولة من أجل الإمعان في عالم الجهل والغفلة والرضا بما يروّجه الغرب دون أن نعرف فحواه ، وأسبابه، وغاياته النهائية! |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |