|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
قصتان قصيرتان ـــ حنان درويش احتجاج اجتمعت النمور وسط حلبة السيرك، وراحت تؤدّي حركاتها بفنيّة عالية المهارة. نقلات الأقدام. ارتفاع الجذوع. الدوران حول الخطوط اللولبيّة. تجاوز الحواجر بخفّة ورشاقة، السير على الجبال... فقد كان النمر منهم، وحين يوعز إليه من قبل مدرّبه الحاذق: -أن باشر اللعب... يقفز إلى العارضة بخفّة تشخص الأبصار، وتحفز النفوس، وفي الفراغ الحاصل بينه وبين صالة المتفرّجين الملغومة بالرهبة، واحتباس الأنفاس، كانت تتناثر في الجوّ احتمالات يمكن أن تحوّل الجسد اللاّهي إلى أشلاء بغمضة عين، من جرّاء زلّة قدم، أو خطأ صغير. تتقافز النمور في الساحة. تركض خلف بعضها. يتبعها المدرّب بعصا رفيعة طويلة ذات ملمس ناعم، خصّصت للإيماء والتوجيه، والإشارة إلى هذا الاتّجاه، أو ذاك، الكلّ يعرف دوره، يتقنه... وعلى مرّ الأيّام تصبح الأدوار من ضمن السيرورة اليوميّة، يؤدّيها بطواعية. ذلك النمر المختلف أحبّ ذات يوم أن يعلن احتجاجاً، ويثبت وجوداً من خلال رفضه مغادرة الحلبة عند انتهاء العرض. سارت النمور خلف بعضها بآلية وفق برنامج وتوقيت محدّد. لم تتكّأ. لم تتعثّر. لم يبد على واحد منها تعب أو إجهاد. فقد كان النشاط اليومي بالنسبة لها محطّة سعيدة تتواصل فيها مع بني البشر... تريح أعصابهم، وتبهجهم، وتهب لهم شيئاً من فضاءات الانتشاء، والانطلاق الجميل. ضحك المتفرّجون. ازداد هرجهم، ثمّ استغرابهم اللاحق... فلم يعد الموضوع مجردّ تريّث عادي، أو تعبير عن المكوث المؤقّت، وإنّما تشبّث بالمكان.. ربّما استمرأ النمر اللعب، والتشجيع، والتصفيق، ونظرات الإعجاب... وربّما كان في الأمر سرّ. - هيا.. هيا آن أوان الانصراف. لكنّ النمر لم يتحرّك، وكذلك الجمهور، فقد أمتعهم الموقف غير العادي الخارج عن نمطيّة الفرجة. لكز المدرّب الهيكل المتيّبس بشيء من العنف "زاد عنفه أكثر عندما قرأ في عينيه تصميماً أكيداً على عدم الحركة. بينما الناس مايزالون مستغرقين في صخبهم ولغطهم، وقد استبدلت العصا بسوط شديد اللسع: - أيّها الأحمق... ماذا دهاك؟... هيا أخرج. كادت عينا المدرّب تنفران دمعاً، وكاد قلبه يقفز من مكانه. استعان بطاقمه، وبعض رجاله الأقوياء لإبعاد النمر... لكن عبثاً، فالضرب يشتدّ، وهياج النمر يتنامى مع هياج الجميع. - ما الحل؟!... على حين غرّة... خرجت بين الناس امرأة جميلة، اقتربت من المدرّب تتحدّث إليه بضع كلمات... ثم تقدّمت من النمر، مسحت فوق ظهره بلطف، أحاطت عنقه بمنتهى الرفق. همست في أذنه شيئاً ما جعله يذعن ويسير بهدوء نحو المخرج المخصّص له دون أيّ عناد. أحلام البنفسج جلست مريم تسامر الليل بقصيدة تستدرج فيها نفحات المطر، والحُبِّ، والفراش، والشذى. فتاة تكتب الشعر بصمت. أمامها أضمومة بنفسج صغيرة، مزروعة في كأس ماء. وأمٌّ تعانق انزواء الغرفة، تغزل كنزة من الصوف لابنها الذاهب إلى خدمة العلم. "ليالي "النبك" باردة..." تبّث حروف جملتها بشيء من الحزن، بينما الفتاة تحاول استعطاف اليمام، وصباحات جميلة لقصيدتها المنتظرة قرب دروب البنفسج. في تلك اللحظة... وحين كانت عيناها تصغيان إلى أمنياتها، استوقفتها تمتمات أبيها، وهو ما يزال ملتصقاً بمذياعه الصغير: - مريم... اسمعي... موقفنا من عمليّة السلام لم يتغيّر. - ولن... تعقيبها المكتنز تفاؤلاً وتصميماً رسم على وجهه أسارير وتباشير تضجّ بالحبور. استقلّ حافلة النشيد ومضى، واستقلت مركب المداد والورق النائم قرب ظلّ أصابعها، متجّهة إلى مساكب القصيدة تحاورها، وتتغطى بطهرها ونداها، ثم ترفع رأسها بعد قليل لتستحمّ بمنادمة الرؤى: - "كيف يقولون إنّ الطريق إلى الشعر موحشة وشائكة". انبعث صوت أختها التي قالت للدراسة وداعاً منذ أعوام: - انظري مريم... عروض أزياء هذا العام بغاية الروعة والجمال! حانت منها التفاتة عابرة إلى الشاشة الصغيرة. لمحت ترّهات وصرعات ونساء بألوان قزحيّة يتلوّين كالأفاعي... هنَّ لسن نساء، وإنَّما دمى مصنوعة من شمع وجليد، يتحرّكن بهزّة رأس، ويبتسمن بمثلها. لسعها... حين رأت الأذى الوافد- سعير مباغت. حاولت الرجوع إلى أجواء القصيدة. رقّت... أتاها المدّ قطرة قطرة... ابتهل القلب وهو يطلّ من شرفة الذكريات، وبدأت تتكوّن همسات كأنّها الهسيس... لكن... ومن جديد، قطع حوار أفكارها.. صرخ أخوها الصغير: - سأذهب غداً مع المدرسة في رحلة إلى تدمر. ابتسمت مريم. هدهدها الكلام الصبوح. لوّحت لألق "زنوبيا" القادم إليها من النافذة. طوت ورقها. حملت قلمها وتوهّجها. غادرت الغرفة إلى غرفة أكثر هدوءاً وسكينة، كي يتاح لها أن تكمل نسج قصيدتها، كما تنسج أمُّها الكنزة لأخيها المسافر إلى خدمة العلم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |