|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
طائرة مكسيكية ـــ دريد يحيى الخواجة الآن السيارة، والحمد لله، تسابق الطريق إلى المطار.. "تسابق الطريق" قول مكرر، لكن -هنا- مناسب بالفعل. لذاذة من نوع خاص، تملأ النفس والعين. وأنا أركب سيارة مبتعداً عن المدينة طالباً المطار.. كل شيء يتصل بعام دراسي كامل، أقطعه، وأُدعه ورائي، وأنا أعود إلى بلدي المبتعد.. كأنني أهرب من شيء ثقيل على الروح.. كأنني أحيا وهماً يسحبني إلى أمل ما.. كأن السيارة تطير بي. إنني أنتظر فرحاً جديداً على سبيل جديد.. *** قدره أن يكون "معلماً".. يستغرقه العمل طول الوقت، يسرق منه كل راحة بالإضافة إلى أعباء الغربة.. الطريق يغدو منكسراً في العودة بعد انتهاء العطلة الانتصافية، مختلفاً الآن مع هذا الامتداد الجميل.. مع رقصة دمه في اتجاهه اللين نحو بلده. كأنه ينتظر شيئاً مثل التقاط زهرة لم ترَ عين مثل جمالها. يشعر أن حدّة الملاحقة اليومية الشاغلة عبر سنوات فارطة، قد أطفأت نيرانه الخاصة.. أيّ حياة هذه! قضى فيها عمره، تأخذه ساعة بساعة من أذنه، تشده على الدوام إلى لجج بحر متلاطم من الأعمال التي تملأ معظم أوقات الليل والنهار بساعات خذلان مُرّة، كادت تفتك ببقايا روحه المتوثبة.. لم تبق له فسحة يرى فيها أو يسمع حتى صناديق الصورة والصوت التي يتمتع بها الناس عادة أيّما متعة.. يرى هو أنه أحق من كل الناس في تعاطي هذه المتعة، لأن من طبيعة أهدافه الذاتية أن يكون حراً.. ومتحركاً.. في العمل والإبداع معاً.. ولأنه لا يريد أن يضيع حسّه الفني الفطري الذي يزين عالمه ويرى منه الوجود والكون.. فمنذ صغره عشق السينما وفنّها.. لطالما احتال على حارس باب الصالة ليتسرب في الممرات الغارقة في الظلام. أو جمع قرشاً على قرش حتى يشتري تذكرة مقعد في صالة دامسة، تضيئها شاشة تحملنا على جناح الدهشة والهواجس والأبطال الذين لا ينهزمون.. هؤلاء الذين يحبون ولا يفترون.. يتلبسه وهو يستعد لرؤية -فيلم كامل- بعين كبير، لكن بات من المستحيل، هذه الأيام، تحقيق هذه المتعة الكاملة إلا عند صعوده الطائرة في الذهاب والعودة. ومع امتداد العمر الذي تنامى فيه حبه للفن بكل أشكاله وألوانه، بقيت هواية رؤية الأفلام في السينما والتلفاز لديه، راسخة ومتنامية.. تعني شيئاً من تضميد جروح الكيان والأيام، ومن المطالعة البصرية التي تساير التداعيات، وتسوغ بعض الادعاءات الذاتية، وتردم الأتعاب في بئر النسيان.. حتى لتغدو الأعماق متحركة بالشاشة المضيئة خارج الحالة المتلبسة. في وقت ما، والمسؤولية تتعاظم في كل اتجاه، باب التلفاز، الذي هو مفردة معيشية عامة، تعبيراً عن حريته، بالنسبة إليه، هو استحقاق في التحلل مما يجب عمله أمام قسوة الحياة التي أشقاه طموحه فيها دائماً.. يا للذاكرة المنطلقة اللحظة!.. يا لساعة الغافي المرتاح من عناء مؤجل. لا يدري لم نهشته كل هذه الخواطر، وهو في طريقه إلى الطائرة التي ستوصله إلى بلاده، والتي ستطول فيها جلسته المرتقبة.. قد فضّل خط طيران طويلاً غير مباشر هذه المرة. على الفور، ينتهي إلى التخلص من أفكاره المزعجة التي تعكر صفوه، وعكسها مثل كرة وقذف بها إلى الطريق.. فليتخيل مقعد الطائرة الوثير الذي سيمكث فيه متثائباً أمام شاشة التلفاز ساعات مديدة ممتلئة.. في الآن ذاته يكتشف أن حلمه رغبة صغيرة، قد لا تستحق لدى غيره كل هذا الفرح الغامر. بينما انشغاله الحار بها، يستأهل منه أن يربطها بكل ما يختلج في نفسه من محاولة الطيران خارج المكان وظروفه. راح يُعزّي نفسه هاجساً: الرغائب الصغيرة تجعل القدر بسّاماً لنا أكثر. يفتح نافذة السيارة قليلاً، يمسد أطرافه المثلجة. كاد مكيف الهواء يقتلع حنجرته، لكنه بادر بسرعة إلى إغلاقها طائعاً. ماذا يفعل؟ ماذا يختار.. في الخارج نار جهنم. وفي الداخل صقيع متكوم. مع ذلك، عند فتحه النافذة، أنتج له امتزاج الهواء هبات وروائح كأنها من ريّا بلاده.. عابثته طرية، سلسة، تفتحت لها رئته وعروقه، أزالت عنه اختناقه برهة. فليطل وهمه!، يسره أنه في حالة خاصة متبدلة. سوف يفتح بيده نافذة بيته.. دموعه لن يقاومها.. تذرف عادة كلما لامست قدماه أرضه، وفي أثناء كل عودة بالسيارة من مطار دمشق إلى مدينته بعد غياب عام.. كيف يردها مع تحسس نكهة المدينة والأصدقاء والصحف وزوايا المقاهي والأشياء الحقيقية!.. اللحظة تتمادى في حلولها. *** أمستوي على مقعد الطائرة، بعد إجراءات وانتظارات مقيتة. ها هي ذي الطائرة تشرع بالإقلاع، ما أجملها لحظة ترتفع إلى الأعالي، إلى السماء ونحن نظن الماضي هو تراب ارض نَبَتْ بنا، ندير لها ظهورنا، وتدخلنا مستقبلاً جديداً في سماء جديدة، تظلل أحلامنا الموعودة بانتظار شاطئ نبدأ به من جديد أجهز نفسي للتثاؤب، وأنا أرى الشاشة الكبيرة في وسط صالة الطائرة، تعرض صور الانقاذ المعتادة عن الخطر، وكيفية ربط الأحزمة، وبعض أوامر الوقاية المشددة.. ثم فجأة: تبرز على الشاشة عبارات بخط عريض تُذهب تثاؤبي، وتفجر توثبي.. تقول: لقد اختارت شركة الطيران المكسيكية لركابها الكرام الصمت والهدوء، وألغت أفلام التلفاز التي تزعج الكثرة منهم، وتهتبل المناسبة متمنية لنا رحلة سعيدة بلا ضوضاء. "انتهت العبارة وانتهت الحياة فيّ. غرقت في مقعدي. كان الماضي والحاضر والمستقبل في لحظة مغلقة. فتحت نافذة الطائرة، لم يستطع امتداد الفضاء أن يمسح قهري. انظر حولي. كل شيء يتظاهر بالصمت المطبق. حسناً. كتبوا علينا أن نصمت بالرغم عنا. والمكسيكية" سرقت حلمي الصغير. بعد قليل أسخر من التجربة.. يا لتقدير الشركة.. ظَنَّتْ أن الصمت منجاة.. لكن من قال إن الصمت يخلو من الضجيج! |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |