جريدة الاسبوع الادبي العدد 677 تاريخ 25/9/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ما قبل الكسوف ـــ د.محمد عزيز العلي

منذ أن خلقت على وجه هذه الدنيا وأصبحت واعياً وأنا أعرف أيام الأسبوع، السبت... الأحد... الإثنين... الجمعة، وأعرف أنه في يوم الجمعة مثلاً يعطل معظم الناس، وغيرهم يعطل في يوم الأحد أو السبت. ومع أنّ للتعطيل في هذه الأيام أهمية خاصة قد تصل إلى مرتبة القداسة، إلىّ أنني لا أدري من الذي قال إن هذه الأيام تشكّل نهاية الأسبوع؟ ومن الذي قال إنّه في هذه الأيام يرتاح الناس من عناء العمل طوال ستة أيام سبقتها، حيث يتفرّغون للعبادات والواجبات الاجتماعية، كما يميلون للاسترخاء.‏

ربّما يكون جهلي لهذه المعرفة نقصاً في ثقافتي العامة أو تقليداً أعمى مني لتراث الآباء والأجداد دون مناقشة. وبهذا يكون التسليم ضرورياً عندما تتوفر الرغبة في اعتناق مبدأ ما في هذه الحياة الغنية بكل شيء، وتنطوي على كثير من المجاهيل التي يتم اكتشافها تباعاً مع مرور الوقت.‏

على كل حال بالنسبة لي أنا أنجز كثيراً من الأعمال الهامة في يوم الجمعة، الذي أنتظره بفارغ الصبر لهذا الغرض حيث أقوم بتأجيل ما يحتاج إنجازه إلى الوقت والهدوء دون ضغوط كثيراً ما تصادفني في الأيام العادية.‏

أظنّ أن هذه المقولة غير ثابتة وتحتاج لنقاش طويل قد يمتد دهراً ويزيد إذا كانت الأمور ترى بعين واحدة، وتضيق الصدور إذا نظرنا إليها بأكثر من عين. وكيف لا يكون ذلك كذلك والكرة الخضراء يهيمن عليها قطب واحد ثروته وجبروته يشكّلان سقفاً لتطور العالم؟ إذن ما عليّ سوى التسليم بهذا الواقع استجابة لهذا الذي يقرع طبله ويدور راقصاً أمام جوقة الخارجين من جلودهم ليصبحوا بين ليلة وضحاها عراة حفاة وتصبح الكرة شعلة من اللهب.‏

كنت أبحث هذه الفكرة مع نفر من الأصدقاء ولا نصل إلى نتيجة مقنعة، وكانوا يدافعون بحرارة عن أفكارهم وهم في حالة حماسة ونشوة عارمة، إذ يثابرون على احتساء العَرَقْ ويدخنّون ويضحكون ولا يفكّرون بشيء سوى قول قائلهم: "إن الحياة جميلة وقصيرة وجديرة أن تعاش".‏

مرّتْ الأيام والشهور والأعوام وأنا ما أزال في المدينة تعفنّت شوارعها من كثرة التراكم، تراكم في كل شيء ولا ترى شيئاً أو تسمع سوى زعيق السيارات تعقبه شتائم من العيار الثقيل التي كنت أنفر منها في بادئ الأمر "هكذا تربيت" ولكنني ألفتها شيئاً فشيئاً وصرت لا أسمعها، وإنما أسمع سعال صاحب البيت الذي أسكنه وهو يلهث كي يراكم الأموال في البنك دون أن يصرف شيئاً لغذائه وملبسه وصحته.‏

تصطدم العيون بهذا الغبار المتصاعد، يثيره الهواء المضغوط في أنابيب يحملها من يحفرون الشوارع على أبواب الصيف، أو أنابيب المياه الصحية التي تغذّي البيوت، وتكثر الذقون السوداء والصور الملوّنة وأشرطة الكاسيت وعادة لصق الإعلانات وأوراق النعي التي أخذت طابعاً احتفالياً مهيباً، وانتشار اليافطات ومواكب الأعراس والأحزان وما يتخلّلها من انفلاش في المباهاة وإشارات التحدَّي واستعراضات للطواويس على الأرصفة والشرفات وكلمة من هنا وعبارة من هناك ونزول وصعود وجلبة وضوضاء وأصوات صفارات الإنذار وسيارات الإسعاف رائحة غادية إلى المستشفيات وأماكن أخرى لشرب الشاي الساخن. ولا أشعر إزاء ذلك إلاّ بحاجة ملحّة كي أفرغ معدتي من لقيمات الحمص والفول التي تناولتها مع جرعات العَرَقْ وأنا أبحث في جدوى العالم وكيف تذهب مياه النبع هدراً إلى البحر، بينما يشعر محدثي بضغط شديد أسفل بطنه ويركض مسرعاً إلى دورة المياه كي يتخلص من عقابيل هذا السلس اللعين الذي كثيراً ما ينتابه عندما تشتد ضربات القلب وما يصاحبها من تهافت على شراء الجبن الذي كَثُرَ بيعه في أواخر الأيام. ونميل جميعاً إلى الانكفاء ومغادرة الساحة التي يجري فيها العرض ولكن أين المفرّ ومساحتها مساحة العقل الذي ضاع في نهاية المطاف.‏

كنت أظن أن مثل هذه الحالة تنتابني وحدي ولكني مع كثرة الامتحانات التي مررت بها ولم أنجح رغم وجود من يلقنني الأجوبة خارج قاعات الفحص، فقد اكتسبت قوة في الملاحظة أعتقد أنها السبب في سفري الوشيك. وأصبحت خبيراً بامتياز ولهذا وجدت أنني نقطة في بحر، وثمة أناس كثيرون يشاطرونني مشاعري ولا يعلم بهم أحد إلاّ هؤلاء الأصدقاء الذين أدمنوا الشراب وأخذوا يتناوبون الجلوس قبل سفرهم الأخير على كرسي صديقنا "أبو العيون" في صدر مطعمه القريب حيث يقدم ويبيع الأطعمة الشعبية التي تقتصر على الحمص والفول ومشتقاتهما.‏

من عادتي أن أستيقظ باكراً لأقف على الشرفة أراقب الشارع الفارغ وأتناول فنجان قهوة وأنا أشم الهواء النقي الذي سرعان ما يتلوّث مع ازدياد الحركة في الشارع وبدء دوران عجلة الحياة في هذه المدينة التي لا تحسدها مدن مثلها في كشمير أو بلاد السنغال والأفغان. وفي يوم الجمعة بالذات أذهب إلى عند بائع الحمص وأكون من أوائل الوافدين إليه.‏

كنّا "ندردش" في مواضيع شتى ونبتسم بسعادة من كثرة الألم والبرد ونحن نستذكر أموراً حياتية يعيشها الناس وتزدحم في مخيّلتهم. في الدكّان ثمة مقاعد قليلة وطاولات يجلس إليها زبن قدموا صباحاً ليتناولوا فطورهم وهم يتحدثون مع صاحب الدكّان الذي كان وما يزال صديقاً للجميع. كنت أجد دائماً واحداً أو أكثر من أفراد الشلّة ممن كان يدور بيننا نقاشات حادة حول الفلسفة والفلاسفة الذين نبتوا على هامش الحياة في أروقة الجامعات وعلى مقاعد المقاهي الصغيرة التي يعتبرونها صوامع لأهل الفكر وأصحاب النظريات، وهم من الذين نراهم على شاشة التلفاز بين حين وآخر وقد جلس أحدهم قبالة مذيع أمضى وقتاً في متابعة أعمال محدثة وما أفرزه من عصارات يتوقف علبها طبيخ المنطقة والعالم. ويأخذ في تحليل الظواهر والخوافي واستخلاص النتائج متمايلاً كما لو كان حاوٍ هندي ينفخ في مزماره ليخرج الأفعى من السلّة.‏

وتضيع الطاسة، "طاسة الرعبة" في أغلب الأحيان بينه وبين المذيع الهمام الذي يدلي بدلوه ليخرج ماءً، وكل طرف منهما يحاول جاهداً أن يخطف العدسة من الآخر ويظهر نفسه كنجم ساطع في سماء الجهبذة "وما في حدا أحسن من حدا". ونستيقظ في الصباح لنقرأ في الصحف أخباراً عن حوادث تحطيم أجهزة الرائي أو حوادث انتحار ارتفعت وتيرتها مؤخراً.‏

لقد شططت بعيداً في تأملاتي وأعود لأقول أن أحد هؤلاء الأصدقاء الذين كنت ألقاهم عند أبي العيون غادر الحياة في صبيحة يوم غير عادي إذ أن وسائل الإعلام والشائعات أعلنت عن كسوف للشمس قريب وأخذت تحذّر الناس من مغبّة هذا الكسوف الذي قد يستمر عدة دقائق وانتشر القلق وكثرت الأقوال ومات صاحبنا الذي اعتاد الجلوس على الكرسي في زاوية دكان بائع الحمص وعيناه جاحظتان محمرّتان ووجهه محتقن دائماً. صُدمنا لرحيله واستمرت الحياة في سيرها بخطوات رتيبة إلى الأمام. أحياناً كنا نخالها مسرعة وأحياناً كنا نشعر بها بطيئة، ولكننا بقينا في المكان وازدادت آلام ظهورنا كما استمرّ نقيق الدماغ وأخذ الأصدقاء الذين حافظوا على احتلال الكرسي يغادرون الواحد بعد الآخر، ونحن لا نملك إلاّ الأسى لفقدهم وخفّت حدة النقاشات إلى أن تلاشت، ولكن ضجة الشارع وسعال صاحب بيتنا لم يخف، وما زال الغبار وزعيق أبواق السيارات والاستعراضات في المآتم والأفراح على أشدها.‏

اليوم هو الجمعة.. ذهبت كعادتي إلى "أبي العيون" ولم يكن هناك أحد سواه. تحدثنا قليلاً ولمعت الفكرة في رأسي وقلت له: ألا تلاحظ أن هؤلاء الذين رحلوا دون استئذان كانوا يجلسون على هذا الكرسي الفارغ في الزاوية؟! قال: بلى والله. قلت: طبعاً كان كل واحد منهم يشرب ويأتي إليك مشبعاً برائحة العَرَقْ ويطلب فطوراً بعد سهرة حافلة لم يذق خلالها طعاماً؟ قال: نعم هذا ما كان يحدث.‏

قلت: ومتى سيكون الكسوف أعني كسوف الشمس؟ قال: بعد غد على ما سمعت. قلت هل تقبل دعوتي لتناول كأس هناك على الشاطئ في سهرة حتى الصباح؟ قال: نعم ولكن لماذا في هذه الليلة بالذات؟ قلت: أنوي أن أسكر وأحضر لعندك في يوم الكسوف صباحاً كي أجلس على هذا الكرسي وأتناول فطوري.‏

ابتسم أبو العيون وكان ذكياً يحب الكيف وقال: سأجلس على الكرسي نفسه بعد أن تسافر. أعقب حديثنا صمت وتركته ومضيت.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244