|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الحزن والحبّ والموت في قصص خليل جاسم الحميدي، وأشياء أخرى ـــ باسم عبدو قرأت للأديب القاص خليل جاسم الحميدي مجموعتين قصصيتين هما: "موت الرجل الغريب" الصادرة عام 1987 و"المغنّي والنخلة" الصادرة عام 1998. أحسستُ وأنا أقرأ القصص أنني في حفل من الألم والحزن والحب والتشظي والقهر والتعب والموت. أحسستُ أنَّ نبضات قلبي تتقافز وتمشي في شراييني. قصص وحكايا قديمة عن الحب والثأر والدم والمجازر، وبشر يتزاحمون أمام أبواب مغلقة، مطاردون، يتحفّزون للمواجهة والدفاع عن زهرة ومنار... وأنت تقرأ عليك أن تكون يقظاً، وأن تفتح ذهنك جيّداً وتلاحق السواقي من منابعها، وألاَّ تغفل عن وجود الفراشات والشلالات والصخور الناتئة والأشجار والنباتات الشائكة. الحزن والحُبّ والموت ثلاث صفات مشتركة، وثلاثة أصدقاء... تموت زهرة والحبُّ لا يموت في قصّة الشجرة. وظلَّ "التائه" الملقَّب بـ "الجوَّال" رغم تحذيرات أُمّه (مقتنعاً أنَّه على صواب ومملوء بحبِّ زهرة). ويرجم أهل القرية سرحان بالحجارة حتى سالت دماؤه، وانتهت القصّة بالنواح وخيبة الأمل التي (رغم توسلاتها انكفأت إلى دارها نائحة). ولا يكفي العذاب الذي لقيه الرجل الغريب في المدينة وبرفقته صديقته، حيث فشل في النوم معها، وهاجمه النعاس في الشارع، وتُنتزع منه بالقوة، في قصّة "موت الرجل الغريب".... ورغم كلّ هذه الآلام والعذابات المرّة، نراه يزرع زهرة في شعرها الأسود، لكنَّ المغتصبين يقتلوه ويغتصبون صديقته. تسيل الدماء في مجتمع عشائري-أبوي- ذكوري، ويتباهى الرجال وهم يفتلّون شواربهم ويلوحون بعقُلهم دلالة استرداد الشرف والأخذ بالثأر.. ونسمع دقّات الطبول وزغاريد الفرح تتويجاً لغسل العار. الدماء في قصص خليل جاسم الحميدي، كالماء، وإن كان أبطالها لا يريدون تغيير لون الماء، وإنَّما تجبرهم العادات والأعراف لشرب الماء المكحّل بالدم. تنزف الدماء من الأوردة والقلوب كالمطر والدموع، وترمز إلى الثورة على الجوع واليأس والتخلّف، والتمسّك بالأرض والعِرض والوطن. إنَّ قصص الحزن والقهر والاستغلال، تمارين قاسية للروح والذاكرة والتاريخ، ويمتلك الكاتب الشجاعة والصدق، فينزع الأقنعة السود، ويمزّق الأغطية، ويكشف خفايا الناس. وتحت خيمة العتمة يدسُّ الكاتب الأسلحة التي تبدّد الظلام. فالبرق يُنير السماء،ويغسل الرعد الفضاء والأرض بالمطر ويرشّها بالبَرَد.وتفتح الريح نوافذ البيوت، وتدخل إلى الفضاءات الضيّقة والغرف المغلقة الملطخّة بالكبت والفساد والحرمان، وتكشف دموع الأمّهات المنحدرة فوق وجناتهنَّ، عن الألوان الحقيقية للخدود. تظلُّ الأحلام عناوين عريضة في عالم رديء... ويافطات مُضيئة في ازدحام العتمة والقتل والاضطهاد والاستغلال. ومقابل ذلك تتناثر في ثنايا القصص شجرة خضراء، وتظهر نافذة مفتوحة وقمر يتمشَّى بين النجوم. وشمس مشرقة، وصباحات نديّة، وصدى أصوات يخرج من مغائر الكبت، ويمدّ ألسنته، يفتش عن أشباه الناس وأطيافهم... أمَّا المدينة فتظلّ مُحاصرة بالليل والريح والمطر في قصّة (رجل وامرأة)... الرجل يحلم والمرأة وردة ترويها ينابيع الذاكرة، ويعطرّها نثيث المطر... تتراقص وريقاتها حول تيجانها على أنغام أُغنية يتوهَّج صداها في الرؤوس. * مفاتيح القصص... البدايات في قصص خليل جاسم الحميدي، بدايات تحريضيّة، تُحفِّز المتلقي وتحثّه على القراءة بشغف وشوق، والمتابعة من أوَّل كلمة، متجاوزاً المقدّمات التقليدية، معلناً عن النهاية في البداية، كما في قصّة "الخبر": (جاء النبأ طلقة طائشة... ثم يقول بعد سطر واحد: ماتت زهرة). وتبدأ قصّة "الجوع" بالسؤال: "ماذا تريد يا حبّاب؟... يُجيب: -امرأة حزينة كالمطر... ويتابع: وتصفعُني موجةٌ من الضحك الساخر". وفي مجموعة "المغنّي والنخلة" تبدأ قصّة "رجل وامرأة بـ (الليل والريح والمطر... والمدينة نائمة). وتبدأ قصّة "البكاء فوق صدر الحبيب"، بضمير المتكلم: (أنا زهرة.. وانساح صوت المرأة رخيماً عذباً ودافئاً في الغرفة). وجاء أيضاً: (السيّارة تنهب الطريق، والطريق تفرُّ من السيّارة، في قصّة "ساعة الذئب". * الحوار... جاء الحوار قصيراً ناجحاً ملبيّاً الحاجة، معبِّراً عن آراء ومواقف وسلوك الشخصيات المتحاورة... الحوار ثروة كبيرة للأسلوب، يفسّر الدلالات، ويشرح بشكل غير مباشر الهدف والغرض الذي يطمح إليه الكاتب، وتطمح إليه الشخصية، ويحقق في الوقت نفسه المتعة والرغبة في القراءة والمتابعة بشوق. إنَّ الحوار مكوِّن هام وركيزة في البناء الفني القصصي، وهو صفة من الصفات الفعلية التي لا تنفصل عن الشخصية بوجه من الوجوه. وكان الحوار من أهم الوسائل التي اعتمد عليها القاص في رسم شخصياته، فجاء سلساً ومُتقناً ومكثّفاً، ومصدراً من مصادر المتعة في القصّ، لأنَّه واسطة حيَّة لتكوين العلاقة وتمتينها بين الشخصيات. وجاء الحوار رشيقاً، مُتناسباً مع تطور الحدث، وسبباً من أسباب حيوية السرد وتدفّقه من جهة، وأدخله القاص أحياناً في حلقات صغيرة تعويضيّة، تسدّ الفراغ أو النقص الذي تركته الحلقات المفقودة التي خرجت عن إرادة الكاتب لوضعها بعد تجميعها في دائرتها المناسبة. هذا عن الحوار الصريح المكشوف العلني... وهناك حوار صامت داخليّ، أقوى وأكثر تأثيراً من الحوار المسموع والمقروء في عيون وملامح الشخصيات. ظهر الحوار الصامت بين المغنّي والرجل القابع في داخله في قصّة "المغنّي والنخلة" وترمز النخلة إلى الحبيبة منار القابعة في داخل الرجل منذ زمن وترفض الخروج، وهي النجمة الهادية له في حياته ومساره، وهي الأمل المسترخي في فيء روحه. الجمالية في الحوار الصامت، "المونولوج الداخلي"، ماجاء في قصّة "القطارات"، فالقطار حيِّز مكاني أو فضاء مكاني متحرّك. تدور الأعمدة والأبنية والأشجار والأرض والصخور المُنتشرة على جانبي السكّة الحديدية، وتزداد سرعة دورانها، كلما ازدادت سرعة القطار. ويتقابل في داخل القطار رجل وامرأة، يحدقان بوجهيهما... المرأة تفكِّر بأنَّه رجل وحيد مثلها، والرجل يفكّر بأنَّها امرأة وحيدة مثله. تتحاكى ملامح الوجهين من خلال خطوطها وتجاعيدها وغمازاتها وحركات العيون، وتتهامس في الداخل ويسود الصمت، وتمدّ الأبصار خيوطها بعيداً، وتشعر المرأة أنَّ "الرجل يتعذَّب".. ويقول الرجل في نفسه: "أقسم أنّني أعرفها".. هذا هو الحوار الصامت المحمول على دلالات الإعجاب المتبادل بين رجل وامرأة، يتقابلان في قطار. وتؤكّد الملامح الخارجية أنَّهما في غيبوبة من الحُبّ، ووجود رغبة جامحة بينهما للتعارف... * الشخصيات والتضحيات والانتماء الطبقي... إذا أجرينا عملية إحصائية للشخصيات في المجموعتين القصصيتين، نلاحظ أنَّ المرأة والرجل كشخصيتين محوريتين تتصدَّران الأحداث. ولم يأتِ هذا العمل بشكل عفوي، بل يشكّل طموحاً عند الكاتب. يرمي من ورائه إلى ترسيخ الحُبّ كعملية إنسانية بين الرجل والمرأة. لذلك كان الحبّ أحد الهواجس والمحور الذي تدور حوله الأحداث. الحُبّ في القصص شيء مقدّس، ومن أجله سالت دماء الرجال والنساء. ويمكننا أن نطلق على هؤلاء "شهداء الحُبّ". فهذه زهرة تموت برصاصة، والحبيب مقطوع من شجرة.. فهو من طينة وهي من طينة، هو رجل فقير، وهي من عائلة غنيّة... هو رجل عنيد وصاحب مبدأ وصلب ومخلص رُجم بالحجارة وأدمي وأُدخل السجن من أجلها. ولن تتخلَّى عنه زهرة بل دعمَّت موقفه وصلّبته أكثر، لأنَّها تُحبُّه ولم ترضَ حمدان ابن عمَّها زوجاً لها... ونفهم من سير الأحداث ومواقف الشخصيات والنتائج أنَّ التضحية لا يمكن تجزئتها بأيّ شكل من الأشكال. ويضحّي "حميد" بنفسه في قصّة "القطّة... وعينا منار" عندما لم يستطع تخليص منار من براثن الموت، فيحاول تخليص القطّة من سيارة تُطاردها وهي تقفز أمامها خائفة، فينجح حميد، وتنجو القطّة، لكن دواليب السيّارة تهرسه، ويموت. وفي قصّة "والريح تدفعُني بقوّة" تضحّي منار، عندما يموت زوجها عبد الله، وتظلّ داخل شرنقة من الحزن وتغطّي أحلامها وهواجسها الآلام والمراراة، وترفض حُبَّاً آخر من رجل آخر يتقدّم طالباً يدها، لكنَّها ترفض هذه الحالة التعويضية، وتقول له: (بيني وبينك يقف عبد الله). تتكرر أسماء الشخصيات وتتعدد الأحداث وتتنوَّع في بيئة واحدة وتُذكر منار وزهرة وعبد الله في أكثر من قصة... ويتساوى عدد الشخصيات بين الذكور والإناث في قصّة "ساعة الذئب". وهي قصّة بدوية تمَّت أحداثها داخل السيّارة، كمكان متحرك وفي الصحراء كمكان واسع ومفتوح ومعزول... النتيجة: يُقتل الرجل الثالث، الذي يجلس في المقعد الخلفي. وبينه وبين الرجلين الأول والثاني: "دم وحقد وعداوات وثارات". أمَّا النساء الثلاث فهنَّ:زوجة الرجل الثالث التي حذّرته من الرجلين الأول والثاني: "ستقع يوماً بأيديهم". وكانت المرأة الغجرية تقول: "سيخذلك أهلك وسيضيع دمك هدراً"، وتردّ عليها أُمّه (فأل الله ولا فألك). وتفوح رائحة الموت الجماعي في قصَّة "الجبل" فيقتل آرام ابن الرجل الأرمني في المجازر التي تعرّض لها الارمن في تركيا، وتحتضر زوجته، وتضيع ابنته "سيرانوش"، وتختفي مع الرجال وراء صخرة، ويتمنَّى الأب الموت عندما أحاطته بواريد الأتراك. ويموت الرجل والمرأة، وهما ملتصقان ببعضهما في قصّة "الاغتيال"، عندما تفاجئهما بندقية مسدَّدة نحوهما. إذا بحثنا في اللوحة القصصية التشكيلية الجميلة عن الطبقات والفئات الاجتماعية، نلاحظ أنَّ الكاتب الفراتي خليل جاسم الحميدي، يبحث بمعرفة مُسْبقة عن شخوص قصصه في القرى الموزّعة على جانبي الفرات، وفي مدينته، وفي حقول القطن والقمح. ينقّب الكاتب في جسد المجتمع الموزّع طبقياً، بين مَنْ يأكل خبزه بعرق جبينه، كالرجل الملقّب بـ "الجوّال"، الخادم في البيوت والمضافات الذي يُعِدّ القهوة ويجلب الحطب "رجل مقطوع من شجرة" لا يعرف أحد أصوله ومن أين جاء إلى هذه البلدة، وبين مَنْ ينحدر من الفئات الإقطاعية المالكة للأرض والطرش والمُرابعين، ومن البرجوازية الزراعية الريفية، أو مَنْ اغتنى بوسائل مختلفة.. اختصرت المسافة الطبقية بين الناس، وبين الأحباب والعشّاق وقرّب الحبّ القلوب من بعضهم رغم المعارضة الشديدة للأهل والمؤيدين والأنصار لهذا الطرف أو ذاك.. وماذا عن "حسّون التركي" في قصة "الخنجر" هذا الرجل المُرابع عند "فيّاض السالم" الذي تركه وترك المُرابعة، وعمل حارساً في مكتب الحبوب. لم ينسَ هذا الرجل حياة القمع والذّل والإكراه والغربة في بيت فيّاض وظلّ الصراع يتجمّع ويتخثّر كالدم، ويتصاعد مرّة إلى قلبه، ومرّة إلى قُبّة رأسه.. الصراع بين الماضي الأليم والحاضر الأشدّ ألماً.. وظلّ الرجل مُطارداً ومهدّداً بالموت ومُتّهماً بأنّه يبيع القمح ليلاً ويهرّبه عبر الحدود. الحُبّ في قصص خليل جاسم الحميدي يُزيل الفوارق الطبقية، ويقرّب حتى درجة الإلتحام بين قلوب العشّاق، مكوّناً طبقة خاصة مميّزة إنسانية. والحزن في القصص حزينة كبيرة يضخّها قلب الحبيب وقلب الحبيبة والموت نتاج تخلّف وحقد وتسلّط مزمن، وحسد وغيرة. لقد دافع الكاتب عن الحبّ.. دافع عن حُبّ الناس البسطاء، وأراد أن ينهض بهم من القاع الوطئ إلى سطح الحياة.. أراد أن يَلْغي قانون العشيرة.. أراد أن يظلّ الغناء والفرح سلاحاً في مواجهة السجن واليأس والحرمان والكبت وكَمّ الأفواه. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |