جريدة الاسبوع الادبي العدد 677 تاريخ 25/9/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 
بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد الشاعر الأردني (عرار) ـــ د.سليمان الأزرعي

بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد الشاعر الأردني (عرار) عرار...بوشكين...كريستو بوتيف.. و...والبحث عن وطن الحريّة.. وطن الغجر ـــ د.سليمان الأزرعي

تقول (الزا تربولي) الكاتبة الفرنسية في مقدمتها للنسخة الفرنسية من أشعار (كريستوبوتيف) الشاعرالبلغاري:

"الشعر فن الرّواد الذين يصلون الحاضر بالمستقبل، والشاعر الرائد هو الملاّح الذي يجرّ قارب الزمن الثقيل. إني أتحدث هنا عن الشعر، وليس عن الشيء الذي يلمع دون أن يكون ذهباً". أتحدث عن بوشكين وبايرونوماياكوفسكي ونيردوا وبوتيف... أولئك الذين سبقوا عصورهم وأرادوا أن يقدموا عقرب الزمن".

والواقع أن هؤلاء المبدعين يمثلون قمم الإبداع لأممهم وللعالم. فقد استطاعوا أن يتجاوزوا معطيات الذات الفردية على مستوى أحاسيسهم وتعبيرهم الفني، كماتجاوزوا معطيات الذات القومية لأممهم، واستطاعوا أن ينفذوا إلى جوهر قضية الإنسان بوصفه بشراً مطلقاً في الزمان والمكان. بشراً توّاقاً إلى معانقة كل ما يعزز بشريته، ويجنبه كافة العوامل المناهضة لإنسانيته، سواء كانت تلك العوامل موجهة ضده كفرد، أوضد وطنه القومي أو وطنه الإنساني.

الشعراء المتمردون عبر التاريخ رفضوا أن يكون إبداعهم تعبيراً عن معطيات الراهن في مجتمعاتهم وأوطانهم، كما رفضوا أن يكون استجابة للقيم السائدة التي يفضي بها الزمان والمكان بحسب مستوى تطورهما وموقعهما التاريخي.

وهكذا كانوا مبشرين على الدوام وسابقين لعصرهم، وساعين باستمرار لكي يجرّوا عقرب الزمن البليد إلى الأمام... نحو ترجمة الإنسان لإنسانيته وبشريته بعيداً عن أية تعبوية قادمة إلى الفرد باسم الدين أو القومية أو العرق أو الجنس أو العقيدة.

... هكذا، وفي سياق هذا الفهم، وجدوا أنفسهم حكماً مع الحق والحرية، ومع السلام وضد الحروب، وعبّروا من خلال تجاربهم عن بحثهم الدائب للعثور على خلاصهم الفردي والعام.

ولما كان الخلاص العام محكوماً بقوانين موضوعية تخضع لحركة المجتمع وطبيعة التركيبة البشرية بحسب موقعها من التاريخ، فقد سعى هؤلاء إلى خلاصهم الفردي، الذي يعتبر ترميزاً وتعبيراً بالإنابة عن الخلاص الجماعي، وتجلى ذلك في أقدم آداب الأمم ولا زال إلى اليوم.

وهكذا تمرّد (طرفة بن العبد) على قانون القبيلة ومعطيات النظام الاجتماعي، وعانق وجوديته بطريقته الفطرية المبكرة، خارجاً على كل القيم الموروثة التي كرستها طبيعة النظام الاجتماعي... وظل هذا الإحساس وتلك التوجهات ترعد في آداب الأمم  إلى يومنا هذا... وستظل كذلك وإلى أجل غير مسمى.

 إن المبدع (المتمرد) - ونقصد بالمتمرد ذلك المبدع الخارج على معطيات عصره، الرافض، غير المحافظ على الموروث القيمي أو الجمالي الإبداعي المتوارث لأمته- نموذج موجود على مر التاريخ وفي آداب كل الأمم.

ربما يأخذ طريق الانكسار والانكفاء على الذات كما هي حالة(أبي العلاء). وربما يأخذ طريق المراوغة والمراوحة كما هي حالة (المتنبي)... وربما يأخذ طريق الخروج الجريء والمعلن على كل ماهو سائد، كما هي حالة (بوشكين) و(بوتيف) و(عرار) وغيرهم...

إذن، المبدع (المتمرد) نموذج موجود في كل آداب الأمم. وفي سائر مراحل أدب هذه الأمة أو تلك.

إنه نموذج للإنسان الباحث بإصرار عن عالمٍ حلم، ليس مستحيل التحقيق... وقد يثقل هذا الحلم حِمْله ويشقيه، فلا يتراجع أو يدجن أو يدخل في حسبة القطيع.

بل يظل متعلقاً بالبُشرى، رافضاً "القبول بما هو سائد، وهكذا تكثر من حوله الاجتهادات، وتتعدد التسميات التي تحاول تشخيص حالته، وغالباً ما تختزل تلك التوصيفات بمصطلح (اللا منتمي)، كما اختُزل (عرار) في العديد من الدراسات الأدبية. رغم أن هذه النماذج العالمية بمن فيهم عرار، تمثل في حقيقتها أصدق محاولات الانتماء للحلم والبشرى والمستقبل.

نحن نتحدث عن نموذج. ولا نستبعد أن يكون مثل هذا النموذج موجوداً في كل آداب الأمم، وفي مختلف مراحل حياتها الأدبية!..

لماذا يهرب المبدعون الكبار إلى مجتمع الغجر، عم يبحثون هناك؟

(بوشكين)، الملك المتوج على رأس هرم الإبداع الروسي، هرب صوب مجتمع الغجر.. وهو ابن العائلة الروسية الميسورة التي بمقدورها أن تؤمِّن لابنها حياة أكثر رخاء واستقرار من أسرة القيصر... وفي واحدة من مستويات وعيه الإنساني هرب إلى الشرق واستمد من القرآن الكريم ومن شخصية النبي العظيم أجمل إيحاءاته الإبداعية...

أما (غوركي)، فجعل الغجر (يصعدون إلى السماء). وكذلك الأمر عند (لوركا) و(فيكتور هيجو) في رائعته العالمية (أحدب نوتردام) ونموذجه الغجري الأسطوري (ازميراليدا).

غير أن (كريستوبوتيف)، البلغاري (1848-1976)، الملقب بقديس الثورة الوطنية، التحم بالغجر تماماً "كما التحم عرار...

كانت بلغاريا تعاني من فضائح (الباش بزق) وطغاة العثمانيين، الذين جعلوا من حياة المثقفين جحيماً لا يحتمل، بسبب انتهاكاتهم لحقوق الإنسان، التي أصبحت واقعاً طبيعياً بالنسبة للشعب. وهكذا يهمل (بوتيف) مظهره، ويترك شعره الطويل بشكل فوضوي، ويلبس من الثياب كل مهلهل، فيغادر غرفته ليلاً إلى حيث يسمر مع الغجر، ينشدون ويرقصون وينتشون، دون أن يطيلوا التفكير بجشع الإقطاعيين وظلم السلاطين - كما يقول المرحوم الدكتور (أحمد سليمان الأحمد) في كتابه (شعراء وشهداء من بلغاريا).

أما (البدوي الملثم)، فيشير في كتابه (عرار شاعر الأردن)، إن عراراً عاد إلى إربد بعد عامه الدراسي الأول في (مكتب عنبر) بدمشق مرسلاً شعره على كتفيه كما الخيام، وراح يمضي سحابة عمره بين الحانات. وكان عرار يعاقر الخمرة بلا ميقات أو نظام. ومن ثم يتسلل إلى مضارب النور جهراً وعلانية...

نحن إذن أمام محطتين متشابهتين تشكل كل منهما المحطة الأولى بالنسبة لتجربة الشاعرين عرار وبوتيف.

إنهما يعانيان حصاراً ناتجاً عن واقع مرفوض لدى كل منهما، وكلاهما يملك حلماً وبشرى لوطنه وشعبه المستعبدَ.. ينشدان الخلاص العام للوطن والأمة، فيبدو الأمر مستحيلاً في حينه، فيؤثرون الخلاص الفردي.. وهكذا يجدون أنفسهم في دوائرمتشابهة تقريباً. إنها موطن (الغجر) موطن الحرية وانعدام قوانين  الدولة الوضعية. حيث يقول عرار في تلك الدائرة:

ولا أبالي إذا لاحت مضاربهم

 

 

مقالة السوء في تأويل مشواري

فليتق الله من ظن الهيام بهم

 

 

غياً فما بالهوى العذريّ من عار

وما يضير أخا الأردن كسوته

 

 

جديدها أن يحل يوماً لاطمارى

بين الخرابيش لا عبدٌ ولاأمةٌ

 

 

ولا أرقّاء في أزياء أحرار

 ولا جُناةٌ ولا أرفض يضرجها

 

 

دم زكي ولا أخاذ بالثار

ولا قضاة ولاأحكام أسلمها

 

 

برد على العدل آتون من النار

بين الخرابيس لا حرص ولا طمع

 

 

ولا احتراب على فلس ودينار

 

 

 

هكذا يفلسف عرار بانعطافه نحو مجتمع الغجر، ويبرر عشقه لهذا المجتمع، فيما يواصل محاولات (انتمائه) التقليدية من خلال إحدى وعشرين محاولة وظيفية عمل بها عرار ولم يكن ليستقر في واحدة منها. أما (كريستوبوتيف) فقد ختم حياته الرافضة المتمردة التي لم تتعد الثماني وعشرين ربيعاً بحركة ثورية خاطفة، حين عبأ عام 1876 فريقاً من الثوريين المحاربين الذين استولوا بقيادته على الباخرة النمسوية (راديتزكي) ونزل ورجاله الثوار على سواحل بلغاريا والتحم مع القوات العثمانية في معركة مصيرية سقط فيها جميع رجاله ماعدا ستة، تدلت رؤوسهم في ساحة(فراتزا) صباح اليوم التالي للمعركة، كان رأس كريستوبوتيف ذي اللحية السوداء الكثة واحداً منها.

 لقد كان (بوتيف) الشاعر الشاب من أعظم الأصوات التي هزت وجدان الشعب البلغاري، ودعته إلى التحرر والثورة وطلب الاستقلال:

ألهم كل فرد يا إلهي

حبّ الحرية

ليكافح جهده

مضطهدي الشعب.

ثبّت يدي... سدد سلاحي

إذا ما تمرّد العبد

ولأجد بين صفوف المقاتلين

أنا الآخر مصرعي...

لا تترك قلبي الملتهب

يخمد أرض الغربة

ولا تدع صوتي يضيع

كأنه في صحراء..

أما عرار، فقد داهمته خيالات أطفاله غداة العيد وهو منفيّ في العقبة عام 1931، فأطلق نفس الصرخات:

خيال أطفالي وقد زرتني

 

 

غداة أمس العيد مستعتبا

من كوخ إرهاقي وهذا الحمى

 

 

حذار بعد اليوم أن تقربا

فالناس إنسانان: من همه

 

 

أن يرتوي ذلاً وأن يلعبا

وآخر تأبى عليه الحجا

 

 

إلا بأن يشقى وأن يتعبا

 

 

 

 

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244