|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
مرجعية الفكر العربي ـــ د.وليد مشوِّح "..يبدو المثقف العربي على امتداد تاريخ بكامله وكأنه أسير مرجعية قاهرة مستبدة يدور إلى مالا نهاية في كنفها حتى إذا تجرأ أحياناً على الإفلات من قبضتها لا تلبث أن تشده إليها فيرجع خائباً معتذراً، موفقاً ملفقاً، راجياً الطمأنينة والأمان، أو يغامر بمصيره فيدفع من حياته أو كرامته ثمن رفضه للسائد وخروجه على (المرجع) المعصوم الذي لا تساؤل إزاءه ولا نقاشاً أو حواراً أو مكابرة. كانت هذه مسيرة التاريخ العربي منذ نكبة المعتزلة ومحنة ابن رشد إلى اغتيال أسعد الشدياق وتشريد أخيه أحمد، إلى اغتيال جبرائيل دلاّل وعبد الرحمن الكواكبي، وتكفيرطه حسين إلى اغتيال فرج الله الحلو وكامل مروة وكمال الحاج ومهدي عامل وحسين مروة وفرج فودة إلى تكفير حامد أبوزيد ونفيه... لقد كانت هناك دائماً مواجهة مأساوية محكوم أبطالها سلفاً؛ إما بالانتحار، وإما بالموت الروحي (نفياً أو عزلاً، أو تهميشاً أو اعتذاراً وتراجعاً وانكفاءً)؛ فثمة مرجعية متسلطة ضاغطة، تراثية أو مذهبية أو طائفية أو إيديولوجية أو سياسية؛ تنتصر في النهاية وإن بدا أن في الإمكان زحزحتها أو اختراقها وتكييفها. لقد بدأت الفلسفة العربية -في الأساس- في عملية توفيق وتلفيق بين التراث والعقلانية اليونانية بما يبدو في النهاية انتصاراً للمرجعية التراثية، وتبريراً عقلانياً لها، رغم مايتراءى عكس ذلك. وإذا تجاوز العقل (حدوده) كان ثمة مايتربص به من المحن والتنكيل مايكفل إعادته إلى المرجعية السائدة والمهيمنة ويضيع تمرده هباءً.. ولنا في محن الفلاسفة العرب ومآسيهم صورة لمعاناة شاقة من الاستبداد المرجعي ما فتئت أصداؤها تتردد جيلاً بعد جيل. وإذا كان عصر النهضة العربية - بعد قرون من السبات والانحطاط- استأنف التلاقي مع الحضارة الغربية (وأعاد) الصراع المرجعي وتناسل صوراً أخرى من الاستبداد المستجد والمتولد من الاحتكاك مع عقل الغرب والاحتكام إلى مسلماته وبديهياته والاهتداء بإنجازات حضارته فراح النهضويون العرب يتحسسون هذه الإنجازات بخوف وتقيّة كمن يخطو في الظلام قَلِقاً من صدمة أو زلّة قد تكون مكلفة وربما قاتلة... فقد أعرب أكثرهم إن لم نقل جميعهم بدرجات مختلفة ومتفاوتة عن التوجس من قيم العقل الغربي وتعاملوا معه بالحيطة والحذر والشك، وإذا كان بعضهم قد أقبل باندفاع نحو حضارة الغرب؛ إلا أنه مالبث أن عاد إلى دفء المرجعية السائدة، مشككاً أو مُسفهاً أو متفاخراً بأمجاد تاريخه وتراثه، طالباً أمانها وطمأنينتها"(1). وعلى هذا النحو يمضي مقال الكاتب اللبناني كرم الحلو الذي يريد في جوهره استنكار المرجعية التي منحت مرجعيات باتت تتناسل مع تقدم الأزمنة، وبقدر ما يبدو المقال واقعياً بصراحته وجرأته وأمثلته؛ فإنه خلط الحابل بالنابل وأساء للحقائق بالتعميم، وافترى على الواقع بتضاد مرامي شخوص أمثلته؛ كما أنّه لم يستطع أن يرسم حدوداً تفصل بين المرجعية الدينية والمرجعية السياسية، والمرجعية الاجتماعية، كونها تشكل بدينامياتها المرجعية الجوهر؛ وهي مرجعية الفكر، إذ إن كل مرجعية من المرجعيات المذكورة تستنجد بفلاسفة الكلام ومناطقة التفسير لتسوّغ سيرورتها من أجل إدامة صيرورتها وتحسينها. لذا وجب علينا ترتيب المنطق ضمن سياقه التاريخي، ولا بأس أن يكون بداية تقويمنا المرجعية الجوهر كما أسلفنا.. فالإسلام -باتفاق الآراء، خلا بعض السُفَّاه الذين سبحوا عكس التيار لمجرد لفت الأنظار، واستجلاب بعض الأضواء التي تبحث في الزوايا المعتمة الميتة عن الخفافيش والأشباح - مرجعية كونية مثلى كعقيدة وممارسة، استفادت من نظمه العقلية والروحية الثورات العالمية والتيارات الإنسانية التي جاءت فيما بعد لتكرس نظماً سياسية واقتصادية واجتماعية دستورية. وبتقدم الزمن وغياب الأوائل -بحكم الناموس الطبيعي- استفادت فئة من الفلسفات الكونية فأتقنت علم الكلام وعملت على تجزئة الجوهر لإطفاء بريقه العقلي والروحي فأبعدته عن أسسه الديموقراطية الإنسانية، وقد نجح الظلاميون هؤلاء في غاياتهم عندما سوّغوا مالم يسوغه الإسلام أصلاً في حق الإنسان أنّى كان رأيه، وأنّى كانت ملّته، وأنّى كان اتجاهه العقلي، لقد نسفوا المقولات البسيطة الواضحة الناصعة المعاني، فحلّلوا ماحرم الإسلام أساساً، فكان اضطهاد العقل، وتعذيب الجسد، وقتل الروح.. وعلى الأساس المُنافي لجوهرية الإسلام أصلاً قامت المرجعية السياسية والمرجعية الاجتماعية، وبالتالي بنيت مرجعية الفكر على هذه النتائج... وكان الأصل أن الإسلام دين دنيا من أجل ديمومة أخروية وهذا -على مايبدو- هو السر في تموضعه في طبقة واحدة لا تمايز بينها إلا بمقدار وعي الأبعاد الفكرية لهذه المرجعية الجوهرية. إن الفعل في اضطهاد الفكر هو من صنيع من لقبّوا أنفسهم بألقاب دينية، وتوشحوا بالبارق الزاهي فاستساغوا اللعب في أسِّ الجوهر في الإنسان أصلاً؛ وأعني العقل، الذي يقوم أصلاً على الحرية، واغتيالها يعني اغتيال الإنسان ذاته، والإسلام الجوهر حذّر بشدة من قتل النفس التي حرّم الله... وبكلمة أدق فإن الإسلام ليس دين قتل وإنما هو دين هداية، والهداية لا تقوم إلا على قناعات عقلية، مثلها مثل النظرية لأنها وليدة فكر وتفكّر وتنصبّ على سعادة الكون بما عليه وبمن عليه، والنظرية الديموقراطية الحقيقية البيّنة تحتاج من أجل تشميلها إلى حوار ديموقراطي، وتحتاج إلى دينامية تقوم فيها وعليها كي تكون حيوية وفاعلة، ولم تك قط تحتاج إلى سلاح سواء أكان سوطاً أم بندقية، وهي مطروحة للمناقشة، وقابلة للتطور، ولكي تتطور فهي بالاجتهاد من أجل مواءمة العصر، أما من قالوا بعكس ذلك فهم يريدون تجميدها، والجامد لا روح فيه، وهو قابل للتآكل والضمور ومن ثم الفناء. وعلى جغرافية الإنسانية التي صدرت عن المرجعية الدينية قامت العروبة كجوهر كان فَصُقِلَ في المعمل الإسلامي ليكون التفاعل الذي نسج الراية التاريخية لكونية الإسلام الشمولية. إذن، فالمرجعية الأساس لا تصادر ولا تستلب، لا ترهب ولا تلفّق، ولا تسمح، في الوقت نفسه للمعول المستورد أن يدمّر قيماً أقرّها المجموع فأصبحت من نواميسه بحجة الحرية، وإلا لأصبحت الحرية تقتصر على تخريب القيم والمفهومات الوجودية للغالبية العظمى، ولم يذكر لنا التاريخ ديموقراطية من ديموقراطيات العالم تسمح بتدمير الكون التربوي والأخلاقي لإنسانها... فهل أتهمُ عندما أتصدى للمخدرات بأنني قمعي؟! وهل أُتهم عندما أدافع عن طمأنينتي وسلامي وشرفي بأنني رجوعي ظلامي متخلف؟! لذا علينا أن نفرّق بين القمع الفكري، والتصدّي للقصد المدمّر لكوننا وخصوصيتنا التي قامت على تراث أسهم فعلاً في سعادة الإنسان عندما فعل فعله في تحضير المتخلف، وتحريك الراكد، وإحياء الميت، وتثوير العقل. علينا أن نسلّم بمعطيات فكر الآخر ونفيد منها، لا أن نستسلم لها ونغرق في لججها خيراً وشراً... لأن سقراط معلم وابن سينا معلم، ولأن كنط فيلسوف وابن رشد فيلسوف، ولأن نيرودا شاعر والجواهري شاعر؛ فإننا متممون للوجود الفكري ومساهمون في خلقه. وهكذا لن نكون أسرى لمرجعيات قاهرة مستبدة، ولن ندور في فلكها، ولن نعيش في كنفها، ولن نعتذر إلاّ إذا أسأنا إلى الحقيقة فأدمينا وجه الحق. كذا نعلن براءتنا من أولئك الذين تقنعوا بما يشابه، فمسخوا وزيفّوا، لأننا مع مرجعية العقل، والعقل أخذ مرجعيته من سنى المرجعية الجوهر. وقبل أن أختم فلابد من التأكيد على أن التنويريين النهضويين اجتهدوا فقوبل اجتهادهم بالترحيب، واجتهد تلاميذهم بإخلاص على اجتهادهم، وعليه قامت الدولة الحديثة بنظمها الدستورية... أما من يفعل كما يتصور الدستور بأبعاده العدلية، فلن يكون سُبّة على الدستور والعدل؛ بل سيكون في متناولهما مهما طال الزمن، ولن تكون إلا الحقيقة، ولن يكون إلاّ الحق... الهوامش: (1): صحيفة الحياة، 10/8/1999. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |