جريدة الاسبوع الادبي العدد 677 تاريخ 25/9/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

بعد انطفاء الحريق ـــ فادية غيبور

عقارب الساعات كسلى تتثاءب وهي تجد عربات الوقت الرمادي إلى الأمام.. غريب هو الزمن!‏

لماذا يحث الخطا عندما يمر على اخضرار المسافات؟!‏

ولماذا يتيبس وهو يعبر أطراف الأيام البور؟!‏

مثقلة بالأسئلة أحاول اكتشاف الأسرار، تعبر بي العربات الذاهبة إلى مرافئ الأصيل وأنا أختصر انتظاري لك وبحثي عنك في سؤال صغير، قليل الحروف.. غامر النزف: أين أنت؟! إلى أين ارتحلت وتركتني وحدي معلقة بين دوائر الصدأ والغبار وكان حضورك المطري يغسلني من الصدأ والغبار.‏

لم تطوك الأرض، ولا اختطفتك نجمة، ما أغوتك عروس مجد بعيد ولا راودت عينيك إحدى أميرات الجن في وادي عبقر وحدك اختفيت داخل جسدك.‏

واختفى جسدك في احتمالات الضباب.‏

****‏

يوم اخترقنا حدود الزمان المحرم ومتاريس المكان المحاصر بالخوف والقبعات الزرقاء، كان وجهك يشرع خلاياه للتلاشي وكان صوتك يبحث عن صداه المسروق منذ ألف عام.. وعام..‏

الدقائق تمتد تصير ساعات.. أياماً‏

والجراح تزداد عمقاً ولا تجف الدماء‏

تبدأ العاصفة، رياح في الصدر و.. رياح في العداء مطر في الأعماق ومطر في الفضاء.‏

وبين مطر ورياح أضعت بوصلتك و... أضعتك يسألون: هل تحاولين استعادة الوهم الضائع؟!‏

-بل هو الحلم الذي لا يضيع.. ولا ينتهي.. أجيب.‏

يضعون أصابعهم الشامتة في عينيّ ويقولون: إذن أين هو؟ ولا أجيب..، ولكن الكلمات تركض بين صدري وشفاهي بلا صوت.‏

-أين هو؟!‏

لقد كان يحلم أن يندغم في شجرة سنديان تمد أذرعها ظلالاً تحتضن الغرباء والتائهين والأطفال الباحثين عن الحنان في أزمنة القسوة والحرمان.‏

وكان يحلم بالتقمص نسراً يحوم في الذرا باحثاً عن وعلة جريحة ابتلعت آلامها وأسلمت أوجاعها للصمت كان.. و.. يهزون رؤوسهم، يضحكون ساخرين ويمضون وأنا أحترف رحلة البحث عنك وعني..‏

نحن الضائعين في مدارات الخوف والغياب متى نلتقي؟! ومتى نمتلك زمناً جديداً نخترق فيه قوانين التشرنق ولو لمرة واحدة؟ متى نلتقي؟‏

وأي لقاء؟! يسألني ظمأ الأقلام لانعتاق الحبر إلى أسطورة حب كانت ملء القلوب فصارت ملء الورق، هذا الورق الدافئ كصدر أم، كأحضان أب وكفي حبيب، الورق الحميم كغابة أصدقاء يلتصقون بذاكرة القلب حتى التوحد والانصهار يا لهذا الورق العاشق لقبلات الكلمات ورائحة اشتعال الشوق في الدماء.. ثمة غيوم رمادية تعبر الفضاء محمّلة بأمطار وثلوج قادمة، وفي عتمات كانون الأول سينهمر مطر غزير، ستتهاطل ثلوج دافئة و.. سأذكرك بضراوة لأننا التقينا للمرة الأولى وللمرة الأخيرة تحت المطر، وبين المطر الأول والمطر الأخير عدونا على أطراف الوديان البيضاء مزقنا الفراش الوثير بعبث كفينا ونزق خطواتنا وصدى ضحكاتنا الهاربة من مساحات جسدينا المتعبين ما الذي يبغيه قلبي الذابل وهو يبحث عن أوراق نبضاته الصفراء في أواخر الخريف؟ وكنت نبضه الوردي وبراعمه الخضراء.‏

ولأنك ارتحلت قبل شوق ارتحل كل شيء.‏

النبض الوردي آل إلى الشحوب‏

البراعم الخضراء جمدها برد قارس وزحف إلى نسغ الأغصان وتكسر زجاج الزمن المائي.. تطايرت شظاياه لتصبّ في البحر..‏

البحر الذي يمنح كل شيء.. ويلتهم كل شيء‏

ويوقظ الرؤى كلها..‏

وحدها رؤاي لم تعد قادرة على النهوض‏

فلقد نامت على بيادر الكلمات المنسية وأسدلت على ملامحها ستارة من الصمت والسكون.‏

بعد الظمأ الحريق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244