جريدة الاسبوع الادبي العدد 678 تاريخ 2/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أخرج من أرضنا ـــ د.علي عقلة عرسان

تساءل الإرهابي عيزر وايزمن، رئيس الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين العربية والجولان وجنوب لبنان، تساءل موجهاً كلامه للرئيس حافظ الأسد:‏

"هل نحن ملوثون إلى هذه الدرجة حتى تخشى الاقتراب منا" في نبرة احتجاجية على عدم رغبة المسؤولين السوريين في الاجتماع مع مسؤولين "إسرائيليين".‏

وقد بدا لي هذا التساؤل الاستنكاري غريباً من طيار "إسرائيلي" سابق يدرك جيداً كم ارتكب من فضائع بحق العرب، ومن مسؤول عالي المستوى في كيان عنصري قام على الإرهاب وارتكاب المذابح بحق الأبرياء المسالمين من عرب فلسطين، وسجله الأسود يزخر بدماء أهالي: دير ياسين، وقِبْيَة، ونحالين، وكفر قاسم، الحرم الإبراهيمي، والمسجد الأقصى الشريف، وبحر البقر، وداعل، وصبرا وشاتيلا وقانا وبمئات العمليات القذرة التي تشكل جرائم بحق الإنسانية ومنها: ذبح الأسرى المصريين في سيناء، وتعذيب المعتقلين وإقامة معسكرات الاعتقالات الصهيونية أو النازية الجديدة لا فرق في أنصار [لبنان] وفي النقب، والقيام باغتيال كتاب مثل كمال ناصر وغسان كنفاني وفتحي الشقاقي وملاحقة رموز النضال الفلسطيني الشرفاء، من أمثال أبي جهاد ويحيى عياش والأخوين عادل وعماد عوض الله وقتلهم في عمليات إرهابية من أقذر ما مارسته العصابات الصهيونية: ليحي- والهاغانا- وايتسل... إلى آخر السلسلة الإجرامية التي شكلت جيش العدوان الصهيوني الذي يمارس العدوان يومياً منذ سنوات على قرى جنوب لبنان، وضد مَنْ يفكر برفع صوته ضد الاحتلال الصهيوني الأسود في الأرض العربية المحتلة.‏

غريب تساؤل وايزمن الاستنكاري عما إذا كان الصهاينة "ملوثين إلى هذه الدرجة".‏

لأنه من العَمَهِ المطلق ألا يعرف الإنسان نفسه وألا يحاول أن يعرف نفسه- وليس هناك جديد في هذا الأسلوب الذي تتبعه الحركة الصهيونية مع الآخرين، ليس في الوطن العربي وإنما حيثما وجدت وفي أي زمن. فهي تمارس الجرائم، وتكون أرواح رموزها ملوثة بالدماء، وتقيم الدنيا ولا تقعدها ضد من يدافعون عن أنفسهم ضد احتلالها وإرهابها وممارساتها العنصرية وتصفهم بأن أيديهم ملوثة بدماء اليهود؟!‏

وربما كان أحد أسباب إغراء الصهاينة بنا نحن العرب والمسلمين هو ترامي ساسة ومسؤولين ومثقفين من أبناء أمتنا على أبوابهم، وهرولة أنظمة عربية إلى أعتابهم، وقبول من قبل من العرب باتفاقيات إذعان مع الكيان الصهيوني كرَّست الذل والدونية والتبعية، واعترفت بنتائج العدوان وأقرت بحق لليهود في فلسطين، وكرّست الإحساس بالذل والدونية والتبعية في نفوس العرب، وجعلت الإحباط سيداً في المجتمع العربي.‏

قبل عشرين سنة كان السفاح العنصري مناحيم بيغن يتبجح على ضفاف قناة السويس وكنا نستكثر ذلك ونستهوله ووقفت معظم الأنظمة العربية في صف واحد ضد كامب ديفد وبالأمس القريب شهدنا النقيض في تجمع مسؤولين عرب في الكيان الصهيوني أو من أجل مناصرته ضد المقاومة الفلسطينية أو من يرفض الإذعان له: مثل تجمع القدس لتشييع رابين وتجمع شرم الشيخ لمناصرة بيريس بعد عملية "بيت ليد" الأمر الذي مهد للعدوان ومذبحة "قانا"؛ وفي الأسبوع الماضي شهدت نيويورك اجتماع 11+2 حيث تناول الإفطار اثنا عشر من وزراء خارجية الدول العربية مع دافيد ليفي وزير خارجية الكيان الصهيوني ومادلين أولبرايت رمز الإدارة الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية.‏

ومن عجب أن العرب يزدادون مع الزمن تنازلاً واستكانة وخضوعاً لإرادة العدو، والمحتلين الصهاينة يزدادون شراسة وغطرسة وعدواناً وتشبثاً بالتوسع والاستيطان والتهويد والتهديد.‏

فبعد لاءات باراك الأربعة، تم توقيع اتفاق تنفيذ اتفاق "واي ريفر" في شرم الشيخ، وتسلم الكيان الصهيوني قائمة بأسماء رجال شرطة السلطة الفلسطينية. وبعد البدء في مفاوضات "الوضع النهائي" تم تشكيل ما أسماه الصهاينة "مجموعات المستعربين" لتعمل في أوساط فلسطينيي 1948 وتلاحق المسلمين منهم على الخصوص بأنواع القمع والاضطهاد؛ وبدأ الترويج وإعداد الرأي العام داخل الأرض المحتلة عام 1948 لوضع المسلمين في حالة مواجهة مع المسيحيين في الناصرة على أرضية الخلاف على وقف "شهاب الدين" أخي صلاح الدين الأيوبي؛ بعد أن وافقت اللجنة المشكلة لفض الخلاف على بناء جامع في أرض الوقف بمساحة 700 متراً مربعاً تقريباً. وبدأ التمهيد للتهويد حتى بإلغاء زيارة البابا المقبلة للناصرة إذا ما تمت المصادقة على صيغة الاتفاق التي تدخلت فيها عناصر حاكمة "إسرائيلية"، ليوقع العدو بين المسلمين والمسيحيين في الناصرة ومن ثم في الأرض المحتلة كلها وبدأت حملة يقودها الميجر جنرال "الكرون" مسؤول الاحتلال في شمال فلسطين ضد الاتفاق وضد الرموز الإسلامية في المنطقة تمهيداً للفتك بها، في ظل لهاث سلطة الحكم الذاتي على "دولة أوسلو" المجردة من السيادة والسلاح وعاصمتها قرية "أبو ديس"، وإبداء الاستعداد لتقديم تنازلاتٍ جديدة تلمح لها الأوساط الصهيونية المفاوضة، وفيها تنازل أكبر عما كان وصل إليه التنازل في آخر محطاته: "شرم الشيخ"؟! في هذا المناخ.. هل نتوقع من عيزر وايزمن وأمثاله سوى الغطرسة، وهل نتوقع من الإرهابي باراك الذي كسّر عظام أطفال الانتفاضة "سلاماً"، وهل نتوقع من بقية الصامدين من العرب هرولة ذليلة إلى أعتاب الكيان الصهيوني المحتل؟!‏

أعتقد أن الأمة، بما تبقى من رموزها وكرامتها ومناضليها والمخلصين لشهدائها والقابضين على جمر الغضى من أبنائها؛ خليقة بأن تترفع عن الانحناء أمام ملوثين حتى العظم بالدم العربي والعنصرية الصهيونية والجرائم التي ارتكبت ضد الأطفال العرب، وهي خليقة أيضاً بأن تقول للمحتل:‏

اخرج من أرضنا وكفى تدنيساً لمقدساتنا نحن لا نساوم على سيادتنا ولا على مقدساتنا ولا على حقوقنا التاريخية، والمستقبل لنا بعون الله.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244