|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
معنى الثقافة في زمن العولمة الثقافية ـــ د.فيصل دراج يكاد الحديث الصاخب عن العَوْلَمة أن يحجب دلالتها، لتبدو عصراً إنسانياً يصوغه البشر جميعاً دون استثناء، وتتوزّع خيراته على الجميع دون نقصان. وحديث الوهم هذا هو الذي يدفع برهط متزايد من المثقفين العرب إلى الترحيب بعالم دون أقفاص، لا حدود له، بعد "موت الجغرافيا"، ولا تمييز فيه، بعد "نهاية القوميات"، وصولاً إلى تلك الكلمة العجيبة، التي لاتنطق إلا زوراً، عن "القرية العالمية". ولعل التدقيق السريع بكلمة: العَوْلَمة يكشف عن التزوير الذي يلازمها، ذلك أنها تحيل على "العالم" وتحذف القوى المسيطرة التي تتحكّم به، علماً أن العولمة تحيل، أولاً وأخيراً، إلى قوى سياسية-اقتصادية مسيطرة، الأمر الذي يجعل الكثيرين يساوون بين العولمة والأمركة. ولهذا، فإن التوقّف أمام المركّبات المختلفة التي تصوغ العولمة، والتي يمتزج فيها الاقتصاد بالسياسة والثقافة، يكشف عن التزوير الذي يباطن الكلمة، ويجعل، بالتالي، من العولمة ظاهرة محايدة تصدر عن كل البشر وتعود إلى جميع البشر أيضاً. إن التزوير اللغوي الذي يباطن كلمة العولمة لا يمنع من الاعتراف بوجودها كظاهرة موضوعية وقائمة. فالعولمة القائمة، ودون النظر إلى القوة التي تتحكّم بها، محصلة لسلسلة من الثورات العلمية والتقنية والصناعية، تشكّل الثورة المعلوماتية محصلة وتتويجاً لها في آن. فالمجتمع المعلوماتي، الذي ينسب العولمة إليه، هو ذاك الذي خلّف المجتمع الصناعي وراءه، واتكأ عليه ليدخل إلى عصر جديد. ولعل هذه الظاهرة الموضوعية، التي تستند إلى العلم والتقنية المتجددين، هي التي تجعل العولمة، وفي معناها الدقيق، حكراً على الأطراف التي أنتجتها، ذلك أن العلم سلطة والتقنية سلطة والمعلوماتية سلطة... غير أن مفهوم السلطة، مهما كان حقله ومجاله، لا يكتمل ولا يتعيّن إلا في علاقته الضرورية بالسلطة الاقتصادية- السياسية التي تتجاوزه، الأمر الذي يجعل من العولمة، كما المعلوماتية، ظاهرة اقتصادية وسياسية، قبل أي شيء آخر. وبسبب العلاقات المتبادلة بين السياسة والاقتصاد والثقافة، فإن ثقافة العولمة لن تكون إلا امتداداً للسلطات الاقتصادية والثقافية التي تصوغ العولمة وإذا كانت العولمة هي الأَمْرَكة، كما يؤكّد سمير أمين، فإن عولمة الثقافة هي أمركة الثقافة، كما يقول فريدريك جيمسون، لأن السلطة الثقافية لا تنفصل عن السلطات المتعددة التي تقف وراءها. ولذلك تبدو الثقافة المتعولمة إنجازاً سعيداً، من وجهة نظر معينة، دون أن تكون كذلك من وجهة نظر أخرى، بسبب اختلاف القيم والغايات والآفاق المنتظرة. تطرح الثقافة المتعولمة أسئلة كثيرة، يأخذ أولها صفة: "أفول السيادة"، بلغة ولتر. ب.رستون. ويعني بهذا أن الدول في العالم أجمع، لم تعد قادرة على التحكّم بالسياسة الثقافية، كما السياسة الإعلامية، فوق أراضيها، كما كانت تفعل سابقاً، وذلك بسبب التقنيات الحديثة، التي تتضمن الفضائيات المختلفة والفاكس والانترنت.... فالعالم القائم أصبح موّحداً ثقافياً وإعلامياً، لا بمعنى تجانس الإرسال بل بمعنى تجانس الاستقبال، الذي يجعل الشعوب المختلفة تتعرّف على أحوالها المختلفة، دون حجب أو رقابة... وواقع الأمر أن "أفول السيادة"، وبالمعنى الثقافي، يمس الشعوب والدول في الآن، لأن توحّد العالم الثقافي المفترض لا يراعي اختلاف الثقافات والمعايير والقيم، إلى درجة تكاد أن تنتهك محرّمات شعوب مختلفة. بل إن الثقافة المتعولمة، وهي ثقافة المركز الأمريكي، لا تلبّي من حاجات الشعوب شيئاً، إن لم تكن تخلق حاجات وهمية ومدمرّة، مكتفية فقط بتلبية غايات وتصورات الطرف المسيطر في العالم. وإذا كانت الثقافة لا تنخلع عن الغايات التي تقف وراءها، فإن اقتصاد السوق، وهو ثابت من ثوابت العولمة الجديدة، لن ينتج إلا ثقافة على صورته، تلتفت إلى الربح والاستهلاك وتدمير الحاجات الثقافية الحقيقية واستبدالها بأخرى تنكّل بالعقل وتدمرّه. ولذلك تتراجع الثقافة الهادفة والتهذيبية وتتنأى القيم الجمالية والفنية، معطية المكان كله لثقافة الإعلان وثقافة الاستعراض وثقافة التسلية، أي لكل ما من شأنه أن ينتج متلقّياً سلبياً ومستلباً، يحاكي مايراه ويقلّد ما سمعه، دون أن يدرك أنه يهدم ذاتيته -أنه يقوم بمحاكاة مستحيلة. وفي فعل لا يكترث بالقيم الروحية والجمالية، تصبح الثقافة مشتقاً اقتصادياً، وصناعة بين صناعات أخرى، أي تتحوّل إلى مشروع تجاري يأخذ بالقواعد التجارية لا أكثر. وفي ثقافة منحطة، هي تجارة ثقافية، تصبح السينما تقنيةً ومالاً وإدارة، والجغرافيا بعداً سياحياً، والفن اختصاصاً من اختصاص رجال الأعمال، ويغدو الربح معياراً فنياً، بل يصبح البحث عن الربح هو الفن الأكبر بامتياز. وهذا البحث المسعور عن الربح، الذي يئد القيم الجمالية، هو الذي يجعل من السينما الأمريكية، وهي سينما العنف والجنس والإثارة والتزوير، مصدراً لربح طائل، حيث بعض الأفلام تحقّق، في الأسبوع الأول، ريعاً يصل إلى مئة مليون دولار، أكثر، بل إن الصناعة الثقافية الأمريكية، الموزّعة على السينما والمسلسلات التلفزيونية وغيرهما، تمثّل 6% من الناتج القومي الأمريكي. أكثر من ذلك: تنتج الصناعة الثقافية الأمريكية، وهي متفوّقة على كل ماعداها، ظاهرتين متوازيتين، فهي، من ناحية، تقوم بإضعاف وتهميش الصناعات الثقافية المغايرة لها، وهي، من ناحية ثانية، تدفع ماتبقى من الصناعات الثقافية المحلية المغايرة إلى محاكاتها وتقليدها، أي إلى التأمرك، أو الأمركة، إن كان ذلك ممكناً. تنطوي الثقافة المتعولمة، في شكلها الأمريكي المسيطر، على بعد خطير هو: التنميط الثقافي، الذي يحلم بخلق نموذج ثقافي واحد على المستوى العالمي. والمقصود بالتنميط تعميم القيم الثقافية الأمريكية وحصار ماعداها.ولا يخفى على أحد أن غاية التنميط هي حضّ من يستطيع الشراء على الذهاب المتحمّس إلى السلطة الأمريكية، بدءاً بالهامبرغر والجينز والقبعة وصولاً إلى البيبسي كولا وسيجارة المالبورو الشهيرة. وبالتأكيد، فإن الأمر لا يقتصر على البعد الاستهلاكي، الذي يهمّش صناعات محلية كثيرة، بل يتجلّى كاملاً في بعدها الرمزي، الذي يؤكد نمط الحياة الأمريكية نمطاً كونياً، تجب مجاراته ومحاكاته، لأنه "النموذج الأكمل" الذي يوافق المجتمعات جميعاً. وهذا التنميط، الذي يشوّه الوعي ويبدّد الشخصية، يعني أولاً وأخيراً، إلغاء التعددية الثقافية الإنساني، التي كانت أبداً مصدر إثراء وإغناء الثقافة الإنسانية. ومع أن التنميط الثقافي يبدو، للوهلة الأولى، تقديساً للسلعة الأمريكية وافتتاناً بقيم تدّعي الكونية، وماهي بكونية، فإنه في جوهره العميق، تعبير عن "فكر وحيد" أي عن تصور مستبدّ للثقافة، لأنّه يضع ثقافة منتصرة فوق ثقافات أخرى، ويسهم في إضعاف التعددية الثقافية باسم وحدة إنسانية زائفة. أكثر من ذلك، إن الدعوة إلى ثقافة متعولمة، أي متأمركة، يسهم فقط في حصار الثقافات الوطنية، دون أن يعطيها ماهو مفيد أوجديد. شأنه شأن الاستعمار الثقافي القديم، الذي قاد كثيراً من المجتمعات إلى وضع هجين، لا مكان فيه للثقافة الغربية ولا مكان فيه أيضاً للثقافات المحلية القديمة، بعد أن اجتاحها الاستعمار وحطّم حصونها. وواقع الأمر أن التنميط الثقافي، الذي يحايث الثقافة المتعولمة، لا يقدم نموذجاً ثقافياً كونياً، أي صالحاً لكل المجتمعات، بل نموذجاً ثقافياً منتصراً، يبرهن عن انتصاره في ضرورة محاكاة الشعوب له، أوجزء منها، بشكل أدق، لأن محاكاة النموذج المنتصر تتطلّب الإمكانية الاقتصادية الفعلية، التي تتجاوز كثيراً الرغبات الشاردة. تبدأ الثقافة المتعولمة من مقدمة "أفول السيادة" التي تفرض على الشعوب والدول ما شاءت من ألوان الثقافة والإعلام، ثم تتقدم خطوة ثانية حين توحّد بين الثقافة والاقتصاد، أي تصبح الثقافة شأناً اقتصادياً مرتبطاً بالقوة الشرائية بعيداً عن المعايير التربوية والتهذيبية، بقدر ما يتحوّل الاقتصاد إلى سلطة ثقافية، تقرّر الجيد والسيء والنافع والرديء. وعن هذه العلاقة المتبادلة بين الاقتصاد والثقافة يصدر مفهوم التنميط الثقافي، الذي يقترح الاستهلاك وأشكال السلع المطلوبة. لكن التنميط، الذي يبشّر بمعايير ثقافية ويزجر معايير أخرى، لا يلبث أن يولّد بعداً جديداً، مرتبطاً بالهوية الوطنية وقوامه: اللغة. يُشكل الإقبال على اللغة الإنجليزية، من حيث هي لغة الولايات المتحدة، ظاهرة غير مسبوقة، كما لوكانت عولمة اللغة الإنجليزية تعبيراً جلياً عن شكل العولمة الثقافية القائمة. والإقبال على اللغات المختلفة، كما الإقبال على الثقافة والمعرفة، أمر إيجابي وضروري ونافذة ذهبية على عوالم مختلفة. لكن السياق القائم، الذي يفصل بين اللغة والثقافة، بالمعنى النبيل، يعطي تعلّم اللغة الإنجليزية مزايا السياق الذي فرضها لغة عالمية. فإذا كان تحصيل لغة أجنبية، قبل عقود، إشارة إلى ثقافة عالية وإلى طموح ثقافي، فإن احتياز اللغة الأجنبية اليوم، أي الإنجليزية، ينطوي على أبعاد ثلاثة هي: البرهنة على امتياز اجتماعي، الانتساب إلى رجال الأعمال، اللهاث وراء النموذج المسيطر ومحاكاته، وهو النموذج الأمريكي. وبداهة، فإن الأمر لا يقوم في اللغة ذاتها، بل في السياق العالمي الذي يفصل بين الثقافة واللغة، ويجعل من اللغة "التجارية" بديلاً عن الثقافة أو تعبيراً ً عنها. وفي سياق كهذا، يدفن العقل وهو يقول بإصلاحه، يتمّ تعلمّ اللغة الأجنبية على حساب اللغة- الأم، إن لم يرَ في اللغة الأخيرة ضرورة يومية متوارثة لا أكثر. وبهذا المعنى، فإن تلغيم الثقافة الوطنية لا يتم فقط من خلال أنماط الاستهلاك اليومية، التي تتضمن المأكل والشراب واللباس،ولا من التنميط الثقافي الذي ينصّب "المسلسل الأمريكي" درساً ثقافياً مسيطراً، بل يصدر أيضاً عن تنصيب اللغة الأمريكية لغة فوق اللغات، وذلك في منطق قديم يقول: "إن لغة الأسياد سيّدة اللغات". ومما لاشك فيه، وكما أشرنا في البداية، فإن العولمة قائمة وملموسة، فلا هي بالاختراع الشيطاني ولا هي بالمؤامرة، لأنها محصلة لثورات علمية متواترة. أكثر من ذلك: لقد فتحت العولمة نوافذ جديدة وكثيرة على العلم والمعرفة، يمكن أن تستفيد منها، وبأشكال لا متكافئة، شعوب كثيرة.. والأمركله يقوم في وعي الاختلاف، وفي معرفة السلطة العالمية التي تقود العولمة وتستثمرها. وأمر كهذا يجعل من توسيع المعرفة واجباً وطنياً، ذلك أن المعرفة الدقيقةهي شرط وعي الاختلاف بين الذات المنتصرة والمتغطّرسة والذات الأخرى. والمعرفة هنا لا تعني أبداً محاكاة المنتصر وتقليده، وهو أمر مستحيل على أية حال، بل تعني استنباط وسائل جديدة، متكئة على المعرفة، للدفاع عن الثقافة والذاكرة الوطنيتين. وفي الحالات كلها، فإن قوة الثقافة الوطنية تساوي تعددية العناصر التي تكونها، والتي تحتضن الذاكرة والموروث، والتي عليها أن تقترب باستمرار من المعارف العلمية الجديدة، بعيداً عن الانغلاق والأحكام المسبقة. وثقافة كهذه قادرة على معرفة الأسباب التي أنتجت العولمة، وقادرة أيضاً على اقتراح الصيغ الملائمة، التي تؤمّن الدفاع عن الهوية الوطنية في زمن مضطرب، قوامه السيطرة وغياب العدل والمساواة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |