جريدة الاسبوع الادبي العدد 678 تاريخ 2/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

البياتي.. بنفسجة المتاهة والشعر ـــ غالية خوجة

لماذا لم تخبرني اللغة أنها تهيّئ كسوفاً شعرياً تُعيد فيه عبد الوهاب البياتي إلى ينابيع الشمس.. هناك، حيث البنفسج يتسرب من براءة النار معلناً صرخته الأسطورية الراحلة إلى طفولة الانكشاف وهي تخرج من صرخة بيّاتية تُبرعم التمرد وكينونة الأشياء والحواس في أرض وسماء القصيدة.. ثم.. تنفلت من فجر اغترابها والمنفى، أو كما يفضل البياتي "مملكة الموت" إلى زمنها الطلق المتصالب مع ما مَحتْهُ الكتابة، ومع ما كتبَهُ المحو...‏

كأنني أرى الآن نيسابور "بغداد البياتي" تنبثق من خلاياه، جبالاً، أنهاراً، ذكريات، مدائن، وتسبقه مع قصيدة (أبحرت السفن - ما كان لم يكن) إلى زمنه الفخّاري العائم في القبر... سمعتُ ذرّات التراب تتنافس على جسده وروحه.. بعضها كان يقرأ ديوانه (الذي يأتي والذي لا يأتي) وبعضها كان يغريه بقصيدة (عين الشمس أو تحولات محيي الدين بن عربي في ترجمان الأشواق)... ما زال رنين القصائد يهطل من الذرات، والملائكة تستعد للزفيف والتابوت يتقدم...‏

القصائد صارت أشجاراً ورياحاً وغيوماً توهم بأنها احترقت... من بين الدخان يتلامع شبح "سيزيف" وصداهُ يكفّن مفردات الفراق، متوّجاً مفردات الحنين...‏

ما زالت شموس لا تحصى وينابيع تتجاوز الأعداد، تتحرر من التابوت... وتعزف بأوتار من الرماد والدموع والأعماق والأرواح شعلةَ الخلود، فتنتفض خطوة النشيد الأولى وككاهنِ رموزٍ تقف بين الجثمان والحشود... تمسح عن جدلية الحياة والموت الحِداد، وتشير للثلج القديم: أنْ أعِدْ استفهاماً للبياتي.‏

تصبح زرقة الثلج بُعداً هلاميّاً يوشوش غابات اللامرئي، فتنقلب حناجر تدور حول التابوت:‏

- لماذا كل هذا البؤس؟ وأين ذهب جهد الإنسان منذ بدء الخليقة؟ هل إن كل ما يبنيه الإنسان تهدمه الريح؟".‏

جففت الريح دموعها، وأجابت:‏

- هكذا تكلم البياتي أيضاً: "ومثلي أيضاً مثل من يسير في متاهة ذات مئة باب، وكان عليه أن يجتاز المئة باب ليخرج من المتاهة، ولكنه كان يكتشف أن المتاهة ليس لها منفذ، أي أن الشاعر كما أرى كُتب عليه أن يعيش في متاهة ذات المئة باب، من غير نهاية سعيدة وربما قد تكون القصيدة هي وطن الشاعر".‏

كان الموت يصغي وهو بمنتهى القلق... وفجأة، إيقاعٌ ما يترامح من الأشياء الموجودة وغير الموجودة.. ايقاع أسمر، ينفض عنه البياض وتوابيت الأسئلة... يفتح الغطاء، ومنه ينتصب البياتي.. وقد نَبتتْ له أجنحة من قصائد وغابات.. ومن عينيه كان الخابور ينزلق إلى مجراه وايحاءاته وألوانه.. فتح كفيّه فطارت قصائده فراشات وبخّور...عطّرت الفراشات المكان، وقبل أن تصير غيوماً في سماء الوطن، قالت لنا:‏

- أرغب ولو لمّرة أن أرى بغداد... طاولة الطفولة... القلم... الورقة الأولى التي ابتهجت بقصيدتي.. ولو لمّرة، أريد أن ألمّ ذكرياتي من مخيلة النهر والفصول، من البلدان التي ما زالت على اسفلتها خطواتي...‏

... وهناك...، في المقبرة.‏

تركَنا عبد الوهاب البياتي... وغاب في طريقه إلى بغداد...‏

الآن وصل... كيف عرفت؟.. ألا تسمعون صوته وصوت التراب والحجارة والأشجار والقمر والشمس... ألا تسمعون كلماته المشرقة من (بستان عائشة):‏

أولد في مدن لم تولد‏

لكنّي في ليل خريف‏

المدن العربية‏

مكسور القلب أموت‏

أدفن في غرناطة حبّي‏

وأقول:‏

لا غالب إلاّ الحب‏

وأحرق شعري وأموت‏

وعلى أرصفة الموتى‏

أنهض بعد الموت‏

لأولد في مدن لم تولد وأموت.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244