جريدة الاسبوع الادبي العدد 678 تاريخ 2/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

تحولات الخطوط الحمراء ـــ علي المزعل

منذ بداية المشروع الصهيوني في منطقتنا، كانت الدماء هي القاسم المشترك لكل الممارسات الصهيونية على أرض فلسطين وخارجها، وكانت الخطوط الحمراء هي الأبرز دائماً في خارطة الحياة العربية، وفي أذهان الأجيال العربية المتلاحقة، انطلاقاً من مجريات الصراع وحالة الاشتباك اليومي مع العدو، ومن طبيعة المشروع الصهيوني العنصري الذي يقوم أولاً وآخراً على إلغاء الآخر واقتلاعه.‏

وقد تجلى ذلك على الدوام في الوجدان الشعبي العربي، وفي أدبيات حركة التحرر العربي بمعظم فصائلها رفضاً مطلقاً لأي شكل من أشكال الوجود الصهيوني في بلادنا استناداً إلى حقائق التاريخ والجغرافية، والفهم العلمي لتوجهات حركة الاستعمار العالمي بكل مراميها السياسية والاقتصادية والاجتماعية،... وقد تجسد هذا الرفض بأشكال متعددة للمقاومة تمثلت في ثورات فلسطين وانتفاضاتها الشعبية المتلاحقة والمتفاعلة مع عمق عربي متأجج على الدوام، وفي الحروب المتعددة وحالات الصراع اليومي على جبهات عربية كثيرة، وفي المقدمة الجبهة السورية التي ظلت ساخنة وفاعلة في عملية الصراع بحكم الموقع المتقدم للقطر العربي السوري في قيادة حركة التحرر العربي منذ فجر الاستقلال وحتى هذه اللحظة.‏

وقد كانت سورية ولازالت تدرك إدراكاً عميقاً حالة التناقض التام بين المشروع الصهيوني العنصري، والمشروع النهضوي العربي، إذ لاوجود لأحدهما بوجود الآخر. ونكاد نجزم أنه لايوجد بيت في هذا الوطن العزيز إلا وزينت جدرانه بصور الشهداء العظام، الذين شكلوا على الدوام شعلة نهتدي بها جمعياً، والأمر ذاته في مصر العربية وفي أقطار عربية أخرى كان لها إسهاماً في معارك التحرير ضد الوجود الصهيوني... الأمر الذي رسخ في أذهان الأجيال وعبر حالة الاستنفار اليومي، وعبر التوجهات الإعلامية والتربوية خطاً أحمر لايمكن تجاوزه وهو عدم الاعتراف بأي شكل من أشكال الوجود الصهيوني في منطقتنا.. ولايزال الوجدان الشعبي حتى هذه اللحظة يرفض رفضاً تاماً مثل هذا الاعتراف.‏

ولازالت الخطوط الحمراء كما هي في الذاكرة الشعبية العربية... ولاتزال دماء الشهداء هي اللون الذي يلون حياة الناس في بلادنا، على الرغم من كل مايطفو على السطح في بعض الأحيان من حالات خاصة ليست أصيلة في وجدان شعبنا.‏

أما الآن ونحن نرى مانراه من اختلال التوازن الدولي لمصلحة العدو الصهيوني، واختلال ميزان القيم تحت وطأة الوضع العربي الرسمي المتدهور، باستمرار، وتحت وطأة النجاحات المتلاحقة للعدو الصهيوني الأمريكي في اختراق جبهات عربية عديدة، وما نلاحظه من تحولات في صيغة الخطاب السياسي العربي ماذا يمكن أن نقول؟.‏

*هل سينجح العدو في تحويل الخطوط الحمراء التي ملأت مآقينا على امتداد حالة الصراع، إلى خطوط خضراء زاهية كما يحلم البعض؟!..‏

*وهل سينجح الموقف الرسمي العربي الذي جاء في معظم حالاته استجابة لحالة الضعف والتردي ولخلل التوازن الدولي في إلغاء ذاكرتنا؟!.‏

*وهل ستتحول المساحات الحمراء في وجدان شعبنا إلى واحات خضراء يلعب فوقها العنصريون الصهاينة.؟!.‏

نحن نعتقد أن أمتنا لازالت قادرة على النهوض وأن ذاكرتنا لازالت عامرة بكل قيم الخير والعطاء والمقاومة..‏

وإذا كان الظرف الدولي الراهن قد ألقى بظلاله على مسارات الصراع، فإن الوفاء لتاريخنا ومستقبل شعبنا يحتم علينا أن نعمل جاهدين للحفاظ على حالة الاستنفار الشعبي في مواجهة المشاريع الصهيونية والأمريكية، وأن نعي وعياً تاماً أن هذه المرحلة هي مرحلة عابرة، وأن أشكالاً جديدة للصراع قد بدأت الآن ربما تطلبت جهداً أكبر بكثير مما كانت تتطلبه ساحات القتال والمواجهة العسكرية مع العدو.‏

وأن تظل الخطوط الحمراء التي رسمتها دماء شهدائنا وعرق شعبنا حية في ذاكرة أطفالنا، وأن نؤمن إيماناً مطلقاً أن المستقبل لنا مهما كانت وطأة العدوان وأن التوازنات الدولية الراهنة ليست نهاية التاريخ.‏

وإذا كان بعض الوطنين العرب يعتقدون بأن الظروف الدولية الراهنة تحتم علينا الخروج بأقل الخسائر الممكنة... فإن أقل الخسائر كما نعتقد هي أن نترك الباب مفتوحاً لحالات النهوض القادمة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244