جريدة الاسبوع الادبي العدد 678 تاريخ 2/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ماسة بحجم عين الفرس ـــ جمال جنيد

تواريت طوال حياتي، خلف الزمن، خلف الجدران. في الأزقة المعتمة، أو في الغرف المظلمة الباردة...‏

كان اسمي معروف الواضح قد تبرأ مني..‏

للعلم، لم أكن مجرماً، أو مطارداً، أو بشع المنظر، ولكن حكم عليَّ القدر بالتواري والكسوف..‏

تبدأ حكايتي من حيث انتهت..‏

وها هي..‏

بعد جهد جهيد، وجدت عملاً، كطبّاخ في أحد المطاعم، تفاءلت بوجه صاحب المطعم المستدير، وكأنه رغيف لم ينضج بعد...‏

ضحك في وجهي، بانت أسنانه الصفراء:‏

- اسمع... الشخصيات التي تأتي إلى مطعمي مخيفة!.‏

- هل هي وحوش أسطورية يا سيدي؟!‏

تلفت يميناً وشمالاً...‏

- اسكت... أتريد دخول السجن؟!.. مخيفة يعني أنها على مستوى!.‏

ورفع يده فوق مستوى قامته الصغيرة..‏

لمحت مستوى أذنيه... كانتا من مستويين مختلفين...‏

وأضاف:‏

- فهمت!.‏

تلفت مثله يميناً وشمالاً...‏

- فهمت يا سيدي!...‏

في الساعة الأولى لعملي جاءني صاحب المطعم، وعلى محياه لهفة، وعلى فمه ابتسامة:‏

- اليوم سيأتي عندنا شخص على مستوى.. أفهمت؟.‏

على مستوى... خفّف ملح الطعام.. عنده ضغط!...‏

أسمعت؟!.‏

- سمعت يا سيدي.. سمعت!.‏

جهزت الطعام، كان الملح قليلاً جداً، وقد ذقته أكثر من مرة لأتأكد منه..‏

حين جاء الشخص الذي على "مستوى"، حدث في المطعم هرج ومرج، اصطف ندل المطعم كالعسكر على جانبي الممشى الرئيسي.‏

وقفَّ صاحب المطعم محني الظهر، فبدا أقصر من عقلة الأصبع، واهتزت الأرضية الرخامية بأحذية الجواميس المحيطين بالشخص..‏

تفننت بأصناف الطعام، دون ملح..‏

وضعت الأطباق أمامه وبدأ يأكل...‏

كان بلا ملامح. وكنت أنظر إليه من فتحة صغيرة من المطبخ، حتى أطمئن إلى رضاه عن ملح طعامه...‏

ومثل الحلم... وضع اللقمة الأولى، فالثانية... وكبا وجهه على الطاولة، دون حراك...‏

اهتزت الأرضية الرخامية بأحذية الجواميس، تقدَّم شخص مثل الجدار، يحمل مسدساً، وذاق الطعام، ثم صرخ كالوحش الهائج:‏

- الملح زائد... مات سيدي من الملح.. أين الطبّاخ؟!..‏

لم أدر ما فعلت بعدها، سوى أنني خرجت من الباب الخلفي للمطعم، وجدت نفسي أركض في شارع لا نهاية له، كان الشارع خالياً إلا مني، وكأنني الوحيد الخائف في هذا الكون.‏

حين دخلت غرفتي المظلمة المستأجرة، وضعت ثيابي في حقيبة ممزقة، بلمح البصر، وبدأت أعدو في الشارع مرة أخرى، وكأن الناس كلهم يطاردونني..‏

حلَّ الليل وأنا أركض..‏

نمت في حديقة مهجورة، وفي الصباح الباكر طاردني حارس الحديقة بحجارة من سجيل..‏

في اليوم التالي، نمت في زاوية زقاق مظلم لم تهتدِ إليه القطط أو الكلاب... وحلمت أن الأرجل الثقيلة تطاردني فوق الأرضية الرخامية للمطعم...‏

وحين نمت خلف حاوية للقمامة... طاردتني الفئران وذات يوم، بعد سنة أو أكثر، خطر لي أن أزور المطعم الذي هربت منه، لم يكن هناك مطعم، حلَّت محله ساحة لوقوف السيارات...‏

اتخذت احتياطاتي اللازمة، دققت في الأماكن التي لم يزرها إنسان أو حيوان منذ فترة طويلة، أو تلك الأماكن التي لم ترها عين الشمس منذ عشرات السنين، في الأقبية المهجورة، أو في المقابر الخاصة المهجورة التي لم يعد يزورها أحد...‏

لم يكن عندي نهار أو ليل، كأن الليل أسدل ستائره على حياتي، فلم أعد أرى الشمس، إلا في لمحات أتوارى بعدها في الظلام...‏

ذات مرة، تواريت في مقبرة خاصة، بعيد منتصف الليل بكثير، جاء شخصان لم ألمح وجهيهما، حملا صندوقاً أسود، أودعاه في حفرة قبر، وجلسا، شربا علبتي كولا، ضحكا ضحك منتصف الليل، ثم عادا من حيث أتيا...‏

حين ذهبا، نبشت الحفرة، لأن النوم هرب من عيني.. فتحت الصندوق، سطعت أشعة أضاءت المكان، كان مملوءاً عن آخره بلآلئ وذهب وماس ونقود...‏

حملت الكنز وتواريت...‏

***‏

غيَّرت وجهي تغييراً كاملاً، ثم بدلت اسمي..‏

واشتريت قصراً من مرمر، وسيارة أمريكية، وامتلكت مجموعة من الخدم..‏

وتواريت في القصر...‏

وبما أملك، كنت أستطيع شراء جواميس العالم جميعها...‏

أصبحت أقول فأطاع... وأسير فيهرول الجميع حولي.. وبكلمة مني، جاءتني الأخبار عن صاحب المطعم الذي عملت فيه، وجدوه ينام قرب مزبلة المدينة، وقد اسودَّ وجهه الأبيض، واسودَّت أسنانه الصفراء، وانحنى ظهره، فزاد قصراً على قصر...‏

مَثُلَ أمامي...‏

نظر إليَّ بعينيه المطفأتين، دون أن يعرف مَنْ أنا...‏

- ما الذي فعل بك هذا مع أنك كنت تملك مطعماً نجومه ساطعة؟!.‏

بهت حين سمع سؤالي، تلفت حواليه، حاول تذكري، لكن ذاكرته، بل قل بصره خاناه..‏

- مَنْ أنت؟!.‏

- أنا الطبّاخ الذي عملت عندك ثلاث ساعات ونصف فقط!.‏

- ملحك الزائد هو الذي فعل فيَّ ما فعل!.‏

- وهل صدقت أنني وضعت ملحاً زائداً في الطعام؟!. كان الملح ناقصاً وناقصاً جداً!.‏

- كيف أصبحت هكذا؟!‏

- هل مات الرجل الذي على مستوى من الملح الناقص؟!.‏

- نقلوه إلى المشفى ثم جاؤوا وهدموا مطعمي.. وسجنوني سنة أو أكثر لا أدري.. ثم رموني خارج السجن.‏

دون أن يقولوا لي شيئاً!.‏

- مَنْ هو؟!..‏

- إنه...‏

- يكفيني اسمه وعمله..‏

تلفت حواليه...‏

ثم همس في أذني اسمه وعمله، ثم أضاف بصوت مرتفع:‏

- ماذا تريد منه؟!... لقد شبع موتاً بسبب ملحك!.‏

- أراهنك إنه لم يمت!..‏

وأمرت الخدم أن يطعموه ويلبسوه، ويهيؤوا له غرفة في قصري...‏

وجاءتني الأخبار في أقل من أربع وعشرين ساعة أن الرجل الذي اسمه فلان وعمله كذا، ما زال حيّاً يرزق...‏

***‏

طبعت دعوات بماء الذهب لحفلة أردتها فريدة في فخامتها ومفاجآتها..‏

على رأس المدعوين، دعوت الشخص الذي كبا على طاولة المطعم من ملحي الناقص، وغيره أعلى وآخرون أعلى وأعلى...‏

تلألأ قصري بالأضواء...‏

وأضيئت الحديقة بألوان من الماء..‏

هرع الجميع بسياراتهم إلى القصر دون إبطاء...‏

حين جاء الشخص الذي على مستوى، سلمت عليه ونظرت في عينيه، بقي أمامي بلا ملامح...‏

سألته:‏

- كيف ضغط الدم عندك يا سيدي؟!.‏

نظر إليَّ مندهشاً، من معرفتي الدقيقة لمرضه...‏

أجبته لأزيل دهشته:‏

- يجب أن نهتم بأمراض الناس الذين على مستوى يا سيدي!.‏

ابتسم في وجهي...‏

كان حوله عجول سمان، يهزون الأرض المرمرية بأقدامهم...‏

- ضغطي مستقر... شكراً لك يا سيدي!...‏

وقفت بين مائدتين، مقسومتين إلى قسمين متساويين، في كل منهما أصناف لا تعد ولا تحصى، وبينهما طاولة فُرشت بمخمل كحلي، عليها سجادة عجمية، وعلى السجادة علبة مخملية حمراء مغلقة...‏

وضعت يدي على العلبة، وقلت للحضور:‏

- في العلبة ماسة بحجم عين الفرس... المائدة التي على يميني ملحها زائد جداً، والتي على يساري ملحها أقل من العادي، والأصناف واحدة على المائدتين... فمَنْ يأكل من المائدة ذات الملح الزائد عشرة صحون له هذه الماسة التي هي بحجم عين الفرس!.‏

هجم الحضور على المائدة ذات الملح الزائد، أوقفتهم بيدي:‏

- مهلاً... حين ينتهي شخص يتقدم آخر... بعد أن يوقّع لي على هذه الورقة!.‏

ونشرت ورقة، وأضفت:‏

- إنها تعهدُّ أنني بريء براءة الذئب من دم يوسف، أمام القضاء، إذا حدث مكروه لأي شخص كان... لا سمح الله وقدّر!.‏

اصطف الجميع أمام المائدة المالحة، وعيونهم على الماسة بحجم عين الفرس.‏

كانت عيناي على الرجل الذي على مستوى، حين وقف، وهو ينظر إلى الماسة بحجم عين الفرس، كان ترتيبه الثالث في الصف أمامي، غمزت بعيني لصاحب المطعم الذي كان يقف غير بعيد عني.‏

بدأ الأول يأكل ويأكل، ولكنه توقف عندما ابتلع الصحن الرابع، وأخذ يتقيأ أمام الجميع.‏

أغمض الثاني عينيه، وأخذ يأكل، لكنه مع الصحن السادس بدأ زبد خفيف يخرج من بين شفتيه، وجلس على الأرض والعرق يغسل جبينه.‏

وقّع الشخص الذي على مستوى على التعهد. وبدأ يأكل، كانت عيون الجواميس المحيطة به قد اشتعلت شهوة وهم ينظرون إلى الماسة بحجم عين الفرس.‏

كان الشخص الذي على مستوى يأكل ويلهث، ابتلع الصحن الخامس والسادس. وبدأ بالسابع، توقف عن الأكل، لكن تلألؤ الماسة جعلته يمسك بالصحن الثامن ويلتهمه وكأنه يلتهم لقمة صغيرة.‏

أخذت حبيبات العرق تغزو جبينه، وأخذت عيناه تشخصان، وجسمه يرتجف.‏

ابتلع الصحن التاسع، حين بدأت عيناه تنوصان، في الصحن العاشر اتكأ على المائدة بكلتا يديه.‏

خطا خطوتين نحوي... كانت الماسة بحجم عين الفرس هي موقع نظراته...‏

صفق الجميع له، مدَّ يده اليمنى بوهن، ثم مدَّ اليسرى أمسكت علبة الماسة، فتحتها، قربتها من عينيه، وأعطيته إياها..‏

استدار نصف دورة، ابتسم بشحوب، ثم وقع على وجهه.‏

سقطت الماسة إلى جانب عينيه الجاحظتين، كانت تعكس أشعتها وكأنها تهزأ من موته.‏

كان صاحب المطعم ينظر إليَّ نظرة غريبة لم أفهم معناها...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244