جريدة الاسبوع الادبي العدد 678 تاريخ 2/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

لهيب الانتظار ـــ محمد رشيد الرويلي

كانت ترنو إلى الفرات كالشمس الحزينة.. جفنها مِزودٌ للدمع، ورمح الوعد في قلبها يجرّها إلى معارج الظنون، ويرميها مُهرة مسرجة بالآهات تحمحم في معابرها لاهثة تستجدي الأمل من كل فزّاعة تراءت لها بين أشجار الغَرب والطرفاء... وجهها يختزن ملامح الفصول، وعيناها تذوبان في سعة المدى، تحدقان في هلع الغيوم كمن هزّه الشجن، فهرول ملقياً شباكه كي يصيد من سماء الانتظار طائر الزمن.. ما زالت تحفظ عباراته وموعده:

"تعالي قبيل الغروب حبيبتي، فالقلب مزّقه الحنين، وهدَّه السفر، وهاتي من حصاد السحب ما يسخو به المطر... هاتي حفنة من ياسمين أنثرها على عمري فأمسح بها غربتي.." وما زالت تردد في جوف كل أصيل:

أنا مجنونة بك حبيبي... سأظل أدوّن في ذاكرتي ملامح وجهك السومري، ونبض قلبك التغلبي... أنت في دمعي كتاب الفرح، وبين آهاتي دفء روحي... صار وجهي وجهك القريب البعيد، وصار صوتي صوتك الفضي حين يهمس في أذن السكينة كل حروف العشق وكلمات الود...

فهل تلتفّ حول نحولة الخصر الذراع؟!

هل تنحني أنفاسك لتلمَّ شذا روحي بعدما عبثت به الريح الحرون؟!

أم تراني أهجر النهر والجسر والرصيف، وأقبع في دوامة التيه بلا نصيف؟!

حبيبي تعال حدثني... انزع عن صدري هذا الكابوس الجاثم... هذا الحزن القاتل... هذا النصل المغروس بقلبي... لا تتركني حبيبي وحدي كالطفل الضائع دون رجاء، فأنا أغرق في بحر من خوفي.. حبيبي تعال أنقذني من رؤى روحي وهدير نوحي، واغلق شباك حزني، فشموس الجراح تلسعني، ولهيب الانتظار يحرق أبجديات العويل، وصار الصوت في شفتي ينادي:

"أنا الشِّلتَ الجِمَل يوم الجِملْ ناخ

 

 

شِلتْ حِملي ولا نوبه صحتْ آخْ

ترى ما لي مثيل لا ولا أخْ

 

 

تِجرّع بالهوى مثلي عذابْ"

ألقت نظرة عجلى على ساعة معصمها وتنهدت،

شمس الأصيل تلقي بوشاحها الأرجواني على أديم النهر، فتهزّ رأسها متمتمة: سأنتظر..

ما عاد غير الانتظار يحرثها بمحراث اللهفة ليوقظ فيها غراب العذاب، وينبتها وردة فوق نافذة المستحيل...

غرست عينيها في سرير النهر الحزين... عورة الأفكار مكشوفة، والمواعيد ما زالت مثقلة بالأنين، وعيون السابلة ملآى بالتوجس، وأصوات رعناء تتقيأ سخاماً وهراء...

الهوى المكتوم في شفتيها ما زال ينتظر من يرسم فيهما عطشه ولا أحد غيره، والكمد المشبوب في ضلوعها حرائق مشتعله... عندما رفَّ النسيم، وهرول الليل كانت العيون يفحُّ من أحداقها الرعب... شعرت بالبرد والخوف، فلملمت جسدها وروحها وصاحت في بقايا الأصيل:

يا شفق الوعد بددني أريجاً وخذني إليه، واجعل دمي قطباً لريح الغد، فأنا أعرف أنه الكسوف حيث تختفي الشمس لتتركني طفلة تنام على جناح الوقت حتى يعود...

قالوا لها: لن يعود...

قالت: حفنة الياسمين تقول سيعود...

كانت كل يوم تناجي الأصيل، وتشتكي إلى الفرات علَّه يعود بالجواب، فتنقضي مواسم القطاف دونما قطاف، وتهجر العنادل أعشاشها يرحل الصباح، وكلما تحدّرت على الجبين قطرة من العرق مسحتها والريح تحثو على الرؤوس بالتراب، وتملأ الطريق بالورق...

وعندما اشتعلت وانطفأت سنين طويلة حملت قلبها الذي انتظر تسيح كالدرويش يفتش السماء عن ماء لتوري يابسة السنين، وكان الفرات مجللاً بالطحالب لا طرفاء ولا غَرَب. الاسمنت يرقد بوحشية على ثدييه، وعلى سريره نفايات وحطب، وكانت رغم ذلك تطوّف كل أصيل على سطحه الملوث شموع الأمل، تنثر عليه حفنة من ياسمين.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244