|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
تعرجات خطرة ـــ عبد العزيز الدروبي نظر إلى الساعة، عقاربها تشير إلى الحادية عشر والربع صباحاً. هبَّ عجلاً يرتدي ملابسه. يتعين عليه قطع مسافة تزيد على العشرة كيلو مترات غرباً على طريق حلب. أدار محرك سيارته (التاونس) الخضراء، وبأقل من دقيقة كان أمام باب بيت قحطان، يطرقه طرقات متلاحقة. خرج هذا مذعوراً: من رئيس!؟... ادخل بسرعة، هل تطاردك الشرطة؟؟. - لا... ارتدِ ملابسك بسرعة... وعليك أن تكون في السيارة خلال دقيقة واحدة. - إلى أين...؟. - قلت خلال دقيقة فقط وتكون في السيارة... هيا. دخل قحطان البيت مسرعاً وخرج ينتعل (الكلاش الهجاني الديري)، وراح يزرُّ في السيارة أزرار قميصه، وينتطق حزامه. تحركت السيارة، فالتفت قحطان يسأل: إلى أين؟ لم تقل لي فلم يردّ عليه.. وعند (سلم البغيلية) على بعد أربعة كيلو مترات كرر يسأل: إلى أين نحن ماضون؟. - لا تلهني عن قيادة السيارة. صمت قحطان فيما راح رفيقه مسرعاً يطوي الطريق إلى مسافة تقارب الخمسة عشر كيلو متراً، حيث موقع (جسر عين البو جمعة) المتعرج الخطر الذي كان يطلق عليه طريق الموت. وقبيل الجسر بأمتار أدار رئيس المقود وانعطف بالسيارة فوجهها نحو مدينة دير الزور، وانتحى اليمين خارج الطريق المعبدة ثم توقف. نزل من السيارة وقال: انزل يا قحطان. مشى رئيس وإلى جانبه قحطان، ثم عاد رئيس وفتح أبواب السيارة الأربعة. - قال: أراك فتحت الأبواب. - دعها تتهوّى.. أجابه. - تتهوى إذاً؟... ونحن ...؟ ماذا سنفعل تحت هذه الشمس المحرقة؟.. - ندخن... ومدّ يده في جيبه وأخرج علبة دخان. - ماذا...!؟. خصوصي للجيش،.. قال قحطان... ظننتها (كنت) أو (كينغ سايز)... أو (روثمان) أو... - كفى كفى يا رفيق... لم نتسلم بعد زمام الأمور.. ثم إن حزبنا حزب الكادحين فهل نسيت هذا؟... - عفواً.. أعتذر. وتناول اللفافة ، وشرعا يدخنان - انظر...، قال رئيس،.. (بوسطة) حلب قادمة، وعلى غير عادتها، فهي اليوم متأخرة... الساعة الآن، الحادية عشرة وخمسٌ وثلاثون دقيقة. قال قحطان: نعم، أنا أراها في الدير كل يوم قبل هذا الوقت أمام الكبوشية، وتحديداً في الحادية عشرة وعشرين دقيقة... وأردف: وستتأخر أكثر، أنظر لقد توقفت... يبدو أنها تعطلت. - لا،.. قال رئيس، بل توقفت كي يلقن السائق الراكبين الدرس الذي جرت عليه العادة بعد أن كثرت حوادث السير فوق هذا الجسر. - عدة سيارات هوت إلى الوادي، حتى لم يعد يمر شهر أو أقل إلا ويسمع العويل والصراخ ويعمّ الخبر أنحاء المدينة بأن بوسطة تهوّرت وهوت من فوق الجسر وفلان وفلان، وغيرهم قد ماتوا. فصار السائقون يخيرون ركابهم قبل دخول الجسر والمنعرجات، بين أن يترجلوا ضماناً لسلامتهم ويلحقوا (بالبوسطة)، أو يبقوا فيها ويتشاهدوا... فيترجل قسم، والقسم الذي يبقى يباشر تلاوة آيات من القرآن وبعض السور القصيرة ويتشاهدون ويتضرعون إلى الباري يسألونه النجاة، وعبور الجسر بأمان. - فعلاً... غاب عني هذا فها هي البوسطة تتحرك... ويبدو أن الدرس انتهى. دخلت البوسطة الجسر على مهل، ووراءها من نزلوا يقطعون المسافة مشياً على الأقدام. والكل، من فيها ومن وراءها يكبرون لله ويهللون ويسألونه السلامة. تجاوزت البوسطة الخطر ومضى السائق بها يبعدها عن فوهة الجسر، ثم توقف. فهرع المعاون يحجّر العجلات، كي لا تتراجع بحجرات كان يحملها لهذا الغرض، ويمشي خلف البوسطة. التفت السائق إلى الركاب قائلاً: يا ركاب استراحة ربع ساعة لمن يريد أن يدخن، أو يقضي حاجة... بعدها سنتابع إلى دير الزور. امرأة من الركاب سمينة، لا تكاد تجر نفسها ترتدي زي النسوة الحلبي (ملاية وتنورة) وتغطي وجهها بقناع أسود سميك لا يُرى من ورائه شيء، راحت تبتعد في الخلاء بخطاً ثقيلة وخلف تلة تراب جلست وتوارت. عشر دقائق فقط، وضغط السائق زر التنبيه، فصعد الركاب ثم زمر زمرة ومشى. نهضت المرأة وصاحت: أيها السائق، أيها السائق، انتظر انتظر. ورفعت يدها تومئ بها، لكن السائق لم يعرها اهتماماً ومضى يتابع إلى دير الزور. وبينما كانت (البوسطة) تبتعد وتبتعد، أقبلت هي متثاقلة وأدركت الطريق المعبدة. التفت قحطان إلى رفيقه قائلاً: إنها تتوجه إلى سيارتنا... فلم يرد عليه. فكرر: انظر انظر، إنها تتوجه إلى سيارتنا... فظل ساكتاً أيضاً ولم يرد عليه. عبرت الطريق، وفعلاً توجهت إلى السيارة. في المقعد الخلفي جلست وأوصدت بابيها. - فقال قحطان: ألم أقل لك؟ بلى. أجابه رئيس... لكن هيا. - من هذه؟... - قلت هيا.. فلا تكثر الأسئلة. لعب الفأر في عب قحطان.. من هذه؟.. من تراها تكون؟... راح يتساءل في سره،... أهي؟..... ثم أجاب. - لا لا... قاتل الله الشيطان.. الرفيق ليس من هذا الصنف... ما عهدته عنه بعيداً عما فكرت فيه... على أي حال، وأمسك عن التساؤل. جلس في مكانه بينما جلس رئيس خلف المقود، وانطلق بالسيارة كالريح إلى دير الزور، وبالسرعة ذاتها دخل المدينة وما توقف إلا أمام باب بيته. قبلهما، نزلت المرأة من السيارة، وإلى باب البيت توجهت، ... دفعته ودخلت. - حيرتني من هذه المرأة؟. - انزل،... ما أكثر ما تسأل، قال رئيس. ثم نزل وأقفل أبواب السيارة من جهته وألقى بالمفتاح لقحطان قائلاً: خذ أقفلها من جهتك وتعال. دخلا البيت... ومن ثم إلى غرفة رئيس. كانت المرأة واقفة في الغرفة. بهت قحطان...... فهو مازال يعيش اللغز ولم يفهم شيئاً بعد... فالتزم الصمت ينتظر. - أهلاً بك أهلاً... الحمد لله على السلامة. رحب بها الرئيس. رفعت القناع عن وجهها فهتف قحطان: أهلاً أهلاً رفيقة سلمى، الحمد لله على السلامة. - إذ عرفتها الآن؟. قال.. رئيس. - أجل... إنها رفيقتنا زوجة الرفيق عبيدة. - بالمناسبة، كيف حال الرفيق. - يبلغكم تحياته، ....... وأرخت حزام الجلد عن وسطها؛ فانحدرت ربطات المناشير، وعادت السمينة التي لا تقوى على المشي إلى طبيعتها، ريم أهيف القد، ضامر الخصر، فارع القوام. أطل رئيس برأسه في الصالون ونادى: يا بهية.... تعالي خذي ضيفتكم. - قالت سلمى: ستصل رسالة بعد قليل. أقبلت بهية ترحب بسلمى، ضمتها وقبلتها، ومضت بها إلى حيث تجلس النسوة. على جناح السرعة خرج رئيس وقحطان يحمل الأول (مخمراً) للخبز فيه المناشير، والآخر (قدرية) وانطلقا بالسيارة يتوجهان إلى حيث كان بالانتظار مسؤول التنظيم وبعض الرفاق، فسلماه المناشير، وحدثاه بأمر الرفيقة فأمرهما بمرافقتها إلى حلب في الحال. عند بيت رئيس دنا منه شخص كان يقف في القرنة، وسلّمه رسالة، قال: هذه من الرفيق عبيدة ومضى. رئيس!!... بذهول قال قحطان؟.... ألا ترى معي أنه سائق (البوسطة)؟. - بلى هو...... إنه الرفيق كرمو. عندها فهم قحطان التحرك الذي تم. في الواحدة ظهراً انطلقا وبرفقتهما الرفيقة سلمى بزيها الحلبي، وقناعها الأسود. السيارة تطوي المسافات، يقودها رئيس بسرعة فائقة. في الخامسة والنصف بعيد العصر كانوا في حلب. في منعطف قريب على بعد خطوات من بيت عبيدة توقفت السيارة. نزلت سلمى وبعدها بدقائق نزلا وتبعاها. اجتمع عبيدة بهما وزودهما بتوجيهات وأوامر، فأقفلا راجعين، وقبيل منتصف الليل وصلا دير الزور. في أكثر من موقع شاهدا رفاقهما يوزعون المناشير... توجها إلى مسؤول التنظيم وابلغاه بتنفيذ الأمر وأعلماه بما زوّدا به من حلب. فزودهما هو بعدد من ربطات المناشير، انطلقا يوزعانها على المارة ويلقيان بعضها في الطرقات، وفي البيوت من شقوق الأبواب ومن تحتها، حتى قبيل الفجر. ثم عادا لمسؤول التنظيم وأبلغاه بتنفيذ المهمة، فأبلغهما بأن مظاهرة ستخرج هذا الصباح نقودها نحن. في الثامنة صباحاً خرجت المظاهرة فراح عددها يتزايد ويتزايد وراح الشباب ينضمون إليها والرجال. حسناوات الدير يزغردن لها والنسوة تنثر الحلوى عليها والنقود، وأصحاب المحال يباركونها وينثرون النقود عليها، ويلتحقون بها تاركين محاّلهم وأعمالهم، فغدت لجّة من بحر هائج متلاطم، الجموع فيها تهدر بأصوات تطرق أبواب السماء عبر حناجر تلتهب حماسة. أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة. يسقط الاستعمار وأذنابه الخونة.................. يسقط العملاء والمأجورون...................... تسقط الأحلاف الاستعمارية..................... لا شرقية ولا غربية.............. أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |