جريدة الاسبوع الادبي العدد 678 تاريخ 2/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

سفر الحتف ـــ إبراهيم كبة

ديباجة:

ولما لم يعد لي دنيا خاصة ولا غرفة ولا جسم إلا ويتهدده الأعداء الذين يحيطون بي. إلا وتجتاحه الحمى حتى تبلغ العظم. رأيتني وحيداً وداخلتني رغبة الموت.

مارسيل بروست

الحياة تجري شأن الأيام الخالية. وعقارب الساعة لا تقف. لأن الزمان سائل شطر غاية لا يدركها ذهن كائن ما. وحين تحار وتتقرى نور المعرفة تصطدم بالإيهام واللاجدوى. لأن المعنى في قمقم في لجة أوقيانوس. وأتكلف عناء البحث عن مغزى الحياة ومغزى الحركة. فلا أحظى بإجابة تروي ظمأ غرثان. أعب هواء الليل الرطب. أتأمل النهر في سيلانه الدائم، تجوس عيناي في ذرى الأشجار. ينعب غراب. ويصدح بلبل. تيارات وأمواج بشرية تتلاطم في الشارع الحديث. تزدان السماء بالأنجم. وتزدان الطرقات بأضواء كهربائية وشجيرات. أتثائب حين أرنو  نماذج الجمال لأن الإحساس تبلد أو مات. الشارع الحديث خلف المشفى يخلب اللب. لا أثر للحياة سوى عربات عابرة لا تعني شيئاً. يحث الخطى صوب الحياة الأخرى. لن يلبث أن يخلد  إلى سكينة النفس أو يجاهد الأفكار. إنه درب وعر. شائك. روائح عفن تنبعث من ردهات المشفى وحجراته ودورات المياه.

 المشفى بناء ضخم وشاهق. العمران التهم الخلاء التهاما. أنا محض امرئ يبحث عن سر وصاب. العالم الصغير يبدو لنا هائلاً. شهد الجنان نهده ولكنه عاش أيضاً انكفاء. جلس القرفصاء على أرض شرفة المشفى. أشعل لفافه. توالت ذكريات شتى في فضاء المخيلة عجز الطب عن علاج الإسقام. كان يحيا حياة شاعرية ثم فجأة طفر المرض من أين؟...  لماذا؟. لا إجابة. متى شملته هزة الروع؟ كانت أياماً أكثر رهبة حتى من نزع الخيال وهمزاته. لدى المساء لا تبصر العين إلا أضواء تتلألأ على الأرض ونجوم تومض في السماء أخذت أخشى الحاضر والآت. وبدأ النقاش عقيماً بينه وبين الأطباء.

ذاد عن ذاته شبح المنية مراراً. وكاد يلاقي حتفه مراراً لولا عناية الله. لم يكن شجاعاً ولم يك جريئاً أيضاً. فل عزمه الداء. وأضناه وصاب المرض. اضمحل شيئاً فشيئاً. اضطر أثناء ذلك إلى تعلم لغة الطب والأطباء. بات يعرف أنها بداية نهاية المطاف.

وأن لا جدوى من صراع المنايا. وآل الأمر إلى الختام لكن بتؤده وبطء وأناه. لا يدري امرؤ كيف تكون الساعة المحتومة. غادر المشفى وقد عزم على أن يجالد قدره ما أمكن لكن هيهات. إن الموت يتربص. وحين يتناهى أصوات العالم إلى الأذن تثير استغرابه وكأنما الأمر لا يعنيه البته. تزعزعت النفوس حقاً. وبات الهناء عزيز المنال. ولا شيء إلا الجثام. وكابوس تلو كابوس. حتى تغدو الحياة جحيماً. وأنت نهب للحادثات والنكبات. وربما تراءى بصيص ثم خمد. وربما برق أمل ثم تلاشى. وتظل النفس يتنازعها يمن وشؤم. حمل ديوان (امرؤ القيس) ومضى إلى الحديقة. استظهر بضع أبيات. جال في الحديقة برهة ثم آب. الحياة تسري شيئاً شيئاً. حركة عربات وأناس قلائل ثم تبدأ أصوات الباعة ونداءاتهم تصطخب وتختلط. وتتلاشى أغاريد الطير على أشجار الحديقة الخضراء. خضرة عاتمة وخضرة يانعة.وتذكر ذات يوم أنك قلت لأحد الأصحاب عند الفجر:

- إنهم يفتكون بنا..

لعلك لم تكن صائباً. ولعلك صائب. الحيرة الآن هي الخصم. وهي هاجس لا يهدأ ولا يستكين. قهقه ونظر إليك مرتاباً حين قلت:

- الحرية والعدالة والنظام يجب أن تكون غايتنا. لا الفوضى والهدم والخرام.

وحينما كنتُ تعد للكفاءة والثانوية. تلك الأيام كانت حافلة. وحبلى أحلاماً وآمالاً ومنى عرفت النجاح رغم الاغتنام. ورغم أن ظروفاً قاهرة أحدقت بك. وكنت تتمنى أن يطرد النجاح. إلى أن باغتك المرض فجأة. كيف؟. ولماذا؟. لا تدري. شد ماتبدو الحياة أحياناً غريبة. خاصة لدى تفكير المرء بها. تبدو غريبة. مأساة أو ملهاة؟.

أما الحياة التي تروم فهي أقصى من مجرة (اندروميدا). وغاب الأصحاب. ابتلعهم تيار الحياة الجارف. حتى الحب القديم طواه النسيان. ربما لم تكن هوى. وإنما رغبة في الحب. يلوح لي أحياناً أنني كنتُ ضحية وكبش فداء وقربان. وأحياناً كائناً بلا أسلحة دفاع عن الذات.

وتغيرت ألوان الحياة وزخارفها وطلائها. إنها نهر سائل لا تقر مياهه. وتختلف تمام الاختلاف. تغير الزمان أم تغيرنا نحن. إنه يجهل الإجابة. كما يجهل كنه الداء وكنه الهاجس. ولو كان ثمة نظارة في مسرح الحياة لأدرك هؤلاء أن المأساة والملهاة تمتزجان. وأنهما قناعا وجه واحد.

فاء إلى منزله. بارح المشفى. المرض شوكة في الخاصرة. عاده الأهل. لا سلوى ولا عزاء. يبدو أنه إرث الأسلاف تارة وتارة يبدو لعنة مبهمة. أو عارضاً زائلاً.

ألا كل شيء سواه جلل.

لا تدري كيف تصف الأيام آنفا. قاتمة. حالكة. ممضة. أثقلها الهم وزخم الوساوس وأنت طريح فراش المرض. ترنو إلى أطلال خرائب من شرفة حجراتك. وإلى عامة الناس تنصت للنداء، وأصوات التجار والمارة وقهقهاتهم. أي شيء إلا هذه الغمامة السحماء غمامة دكناء. تحجب بهاء الحياة ومعنى الحياة معاً. وأنت جثمان بلا حياه. أين الأصحاب والأتراب والأقارب والأهل. لا أحد منهم يلوي على شيء. لا اسم لما تعانيه عزلة جبرية. حجر. نفي. هجران. وتتمزق الأحشاء. ويتفرى الكبد. ويتفطر القلب لكن لا اسم لما تكابده. يتغير الزمان والأيام والأشهر والأعوام. وتتغير الأماكن. المشفى. حجرتك. المدينة حين تهب نسائم رخاء وتصدح موسيقا لا يصيخ إليها غيرك الابتسامات لأنك لا تزال على قيد الحياة. ومتى واراك التراب لن يذكرك أحد حاشا الأبناء.

اقتفى أثر أخيه. كان يروم أن يعرضه للصدمة الكهربائية. جلس ساكناً أمام الطبيب لايريم. ثمة ابتسامة. أو طيف ابتسامة على ثغره. وسكون ورهبة في الأعماق. تختلف الأطباء. لولا نصيحة الطبيب. حتى تلك لم تجد فتيلاً. وأصر الأخ على تعريضه للصدمة الكهربائية. لكن المرض لا يزول. أخيراً حين أدرك أنهم ينوون تعريضه للكهرباء لجأ إلى أبيه. قال له الأب: لا تخشَ شيئاً مادمت على قيدِ الحياة.

إنه الآن وحيد لا يملك إلا إثاره وعي وانتباه. وقد بث عزم الأخ ذعراً عنيفاً في أعماقه.

قال الطبيب:

- نسبة النجاح 10% ربما قضى نحبه. وربما استفحل مرضه. وربما نجا. لكن الداء لن يلبث أن يبقى. سأصف له دواء مؤقتاً. فإن لم يبرأ فلا بد من صدمه.

زلزل كيانه. إلى هذا المدى لا يأبه الأهل به. والأصحاب أين هم؟.. يتنازعون الحياة. مات (علي). لكنه سمع جلجلة ضحكته في غيبوبة ألمت به ذات يوم. سخر منه. وأصوات الموتى تتردد من فضاء لامتناه. تسخر من آلامه وتهزأ. أتذكر إصرارك على استشفاف الحقيقة. رغم النازلة. وحين عكفت على دراسة اللغة الآشورية واللغات الأخرى. الجعزية. والشحرية. والأمهرية. والخط المسند. الذي يشابه الكتابة المسمارية. ورغم الداء انكب على البحث. وحين نظر إلى خياله في المرآة راعه الشيب في رأسه. ليست شعيرات بيضاء. وإنما شيب غزير كأنه نذير الهرم. والشيخوخة والموت. لذلك فزع. وجزع لمرآه. وصار شأن من يلقاه ودأبه أن يسأل عن سر ابيضاض شعره. فلا يجد جواباً سوى: المرض. وقاك الله شره.

كان قد ذاع في مبدأ حياته أن الشيب علامة الذكاء والعبقرية. لكنه كان بلا ذكاء ولا نباهة ولا فطنة. كيف إذن اجتاحه هكذا. وجلل شعر رأسه ولحيته وشاربه. لا ريب أنها أعوام المرض وأثقاله وأعباءه. والمعاناة التي ألهبت نفسه وبدنه.

فوا عجباً ماقد عجبت من الفتى
 

 

 

تبدله الأيام والدهر أعصرا

ما أوعر الحياة. ذكر إعجابه بالشعر الإنجليزي. والفكر الغربي. وترنيمات شعراء العرب. والفكر العربي الحميم. كان كأنه تعبير عما يجيش في خاطره. ويبلبل نفسه الحرى. وهم أن يبكي رثاء لنفسه. لا زال رغم لأواء المرض والأحوال وعسر الحياة يرنو إلى مناط إعجابه. وحين قرأ (أغاني القبه) وآثار (خير الدين الأسدي) الأخرى قال لنفسه: لاشك أن الحياة تتسع أحياناً لبرد النفس ولذائذ الفكر. وتساءل عن سر منازل الجوزاء لدى علماء الفلك وقراءة الحظ أو تخمين الحظ واستطلاعه. وأن كان لا يوقن بذلك يقيناً تاماً. لكن ثمة معجزات حدثت وآيات كبرى على أن الإنسان ربما تمكن -إن شاء البارئ- من إتيان أفعال تعجز عنها حتى أخيلة الإنسان أو عن تصور تلك الآيات. ولم يناوئ إحساس صادق ربما. أن الغيب أعجب من عالم الشهادة. وأن عالم الشهادة نأنأه حياة أشد إدهاشاً من الخرافات وأساطير الأولين. وحتى العلم بدا ملهاة أو دلالة على عجز الماديات عن شأو الروحانيات. وقوى أخرى خافية لا حد لما تروم ولأعاجيب لا توصف. وغرائب ساحرة وفاتنة وباهرة. كأنه خمار. وربما استحالت تفاهات الحياة إلى وجس غريب فائق. أو أن كلمات مثل تفاهات وسفاسف لا معنى لها كما أن الكمال تفرد به الله وحده. شد ما تطرب النفس وتجزع طوراً آخر حين يتبدى لها العالم كأنه عروس بحر أو طاووس يفرد ريش ذيله أوزهرة لوتس طافية على سطح الماء أو ثورة بركان جائح. أو مهرجان ألعاب نارية هائل. أو غابات يابانية رائعة الزخرف والزينة. تبهر الناظر. أو وجه قمر كما بدا لرائد الفضاء الأول. أو ترجمة لرسائل وذبذبات المركبات الفضائية التي تخترق الزمان كما يراها. هـ.ج.ويلز. أو خيال (جول فيرن) الباهت. إذن زغ النفس عن تأملاتها لأنها أنهكت. أو بدد عنها الإعياء والونى وبت أنت كمومياء أو جثمان ميت. فإذا زعمت أنها قد تمرست فانظر إلى محياك في مرآة صادقة ترى أنها قد اهترأت.

إني امرؤ من خير كنـ

 

 

ــده لست من أشرارها

من خيرها نسبا إذا

 

 

تنمى إلى أخيارها

وتهتف صائحاً: إن من البيان لسحرا. ويخترق صياحك صمت الفضاء. يمزق جدار السكون. لا كما يمزقه هدير شاحنة. ولكن كما تصنع الألحان والأنغام بنفس سالك. ولا يلبث الداء أن يهتز اهتزازة طفيفة إلا أنها كافية لزعزعة سكينة النفس. ويتردد في فضاء الأعماق. حم القضاء. وتذرف دمعاً سرعان ما نضب. ثم لا تجد العين عبرة تسفحها. إنه ريب الدهر. عاش أحقاباً كما توهم. أو كما توهمه ذاكرته. امرؤ عادي بلا شكاه ولا مرض غريب بلا اسم ولا علاج. سحر قديم أمعن فيه. أخيراً لجأ للشعوذة عسى أن تدركه من تدهور صحته الذي لا يني يجري جرياناً هادراً. يفتك به ينخر النفس والبدن معاً. كلاهما نهبة لنوبات المرض. والدواء كما أنه عنصر شفاء. إلا أنه يبدو تسكيناً فقط لا جدوى منه ولا ثمرة. وتذكر في غمار الإغماءة الاسكندر الأكبر الذي قهره الموت. وحال حائل الحتف بينه وبين إتمام غزو العالم. وإذا هتف:

أجابه الصمت الأصم. وسكينة عميقة هادئة. إذا نظر إلى الصحارى تاه. وإذا نظر إلى البحر تاه. وإذا نظر إلى السماء تاه أيضاً. حتى البر تيه وآفاق تشي بآفاق. قال لنفسه: حياة غريبة. وأحاسيس سريالية أو خرافية تلم به. فلا تدع له فرصة للتنفس. واسترجاع القوى الخائرة والعزم الواهن. جاب أعماق التاريخ وأعماق الفضاء. وأعماق الحياة. وتساءل: عم تبحث؟ عن مرفأ؟ لم لا تبحث عن امرأة أو ثروة وكنز؟ أو عن أرض لا تميد؟. لا أرض ثمة لا تميد. يوم تطوى السماوات والأرض وتذكر المعري. قال: لعله كان أيضاً مريضاً. لكن تاريخ حياته لا يذكر شكاية له إلا إذا نظرنا إلى أشعاره على أنها آفات سقيم عليل.

وقال أيضاً: إذا عرف السبب بطل العجب. هذان إن كان للداء سبب أو اسم، أما أن يأتي بغتة بلا إنذار. ويجتاح المرء كالعاصفة. ثم رغم جلسات العلاج، وعقاقير الأطباء لا تسكن بلابل الداء. فإن هذا منتهى إعجاز المادة والقضاء معاً. كلاهما تظافرا على تحطيمه وتهشيمه. وذر رماد رفاته في المحيط والبراري والأثير.

وحينما انبثقت زرقة الفجر حالمة. تؤذن الناس بيوم آخر. لعله يكون هناءه أو شقاء أسلم جفنيه للنوم. وسكنت حركته تماماً... تماماً..

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244