جريدة الاسبوع الادبي العدد 678 تاريخ 2/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

رواية مجاز العشق بين جمالية الفن ووثائقية الواقع ـــ د. ماجدة حمود.

دلالة العنوان‏

نستطيع أن نعدّ رواية "مجاز العشق" إحدى طموحات نبيل سليمان، في انتساب إبداعه الروائي إلى "الواقع البسيط والمعقد، إلى العادي والحلمي"(1).‏

إننا مع هذه الرواية نعايش الواقع على سبيل المجاز، فيتبدى لنا وجه الفن معلناً بؤس حياة تحاصر أجمل المشاعر وتزهق أنبل الأفكار، وبذلك يبدو لنا الواقع المأزوم في صورة رواية نسجها الخيال بكل جمالياته كما نسجتها الحقيقة بكل قسوتها.‏

إن علاقة العشق التي تنمو بين البطلين "فؤاد" و"صبا" تبدو محكومة بالوهم، أي بالمجاز، لذلك يدعو فؤاد صبا في البداية إلى علاقة فريدة، ليكتبا رواية معاً أو أن يعيشا رواية يمتزج فيها الحلم بالحقيقة، في زمن بات الواقع فيه أقرب إلى الجنون.‏

شكل العشق هاجساً من هواجس الرواية، إنه عشق الوطن، عشق المرأة، لذا لن يكون غريباً اختيار أسماء الأبطال ذات دلالة عشقية "فؤاد" و"صبا"، وقد امتزجت هذه الدلالة بالدلالة المعرفية (صبا العارف) والدلالة الأخلاقية (فؤاد الصالح).‏

إيقاع الرواية:‏

بما أن الرواية تهجس بأزمة المياه التي تعانيها بلادنا لهذا وجدنا كثيراً من المشاهد أسسها الروائي على إيقاع الماء (المطر، الثلج، السيول، الصخرة التي تنز ماء) خاصة المشاهد التالية: "موت أغنية" و"زلزلة" و"الثلج" بالإضافة إلى أن عناوين بعض مشاهد الرواية كانت ذات دلالة توحي بهذا الإيقاع (صخرة، ثلج، بحر، نوح، غيمة، عكر).‏

وقد بدا لنا الغزل مبنياً على إيقاع الماء سواء بصديقته أم بحبيبته، فها هو ذا يتغزل بفاتن "قال مرتبكاً وهو يفكر في العينين الطافحتين بالماء، ويفكر أن يكون الدمع ماء، وأشهد على الصفحة عيني فاتن: انقلبت الصفحة ماء رقيقاً يتراقص في الساقية التي تشطرها صخرة عين العرقوب"(2).‏

أما حبيبته صبا فيتكرر وصفها بقطرة الماء فها هو ذا الراوي البطل فؤاد يصفها وهي نائمة بـ "قطرة ماء مغرومة ونائمة"، وفي آخر الرواية حيث بدت استطاع لنا علاقتهما في لحظاتها الأخيرة، لذا نجده يخاطب صبا "كنت تلك القطرة الفريدة من الماء: موجة الزلزال، لن أقول حبيبة البلاط، كنت ندفة الثلج وموج البحر والرقش على الماء".‏

لا أدري إن كان يحق لنا أن نتساءل: هل كان هذا الإيقاع المائي في صالح الرواية؟ هل استطاع المؤلف بذلك أن يوحي للمتلقي بأن هاجس الماء هاجس مسيطر على الشخصية؟ هل حضور المطر والثلج والسيول في فضاء الرواية بمثل هذه الكثافة يوحي بأزمة الماء التي نعيشها؟‏

الفضاء المكاني.‏

نعيش في هذه الرواية فضاءات، متعددة، فننتقل مع البطل فؤاد من دمشق، بكل ما يضطرم فيها من معاناة ضاغطة هي من سمات الحياة في العاصمة، ثم ننتقل إلى اللاذقية بما تعج من مزارات التي بفضلها هاجمت المدينة الزائفة القرى، بعد ذلك انتقلنا إلى عمان لنعيش أزمة التطبيع كما انتقلنا مع فاتن طروف من دمشق إلى قبرص إلى فلسطين المحتلة لنعيش معاناة الإنسان الفلسطيني في ظل سلام وهمي.‏

إذاً بفضل تعدد فضاءات هذه الرواية استطعنا أن نعايش أزمات تنهش وجودنا وتهدد مستقبلنا (أزمة المياه، أزمة الحرب والسلام مع العدو الصهيوني، أزمة الديمقراطية، أزمة مجتمع يعاني من سيطرة الخرافة، والمظاهر الجوفاء في مراسيم الزواج والموت) لهذا لن نلمس استقرار المكان (البيت) الذي يعايشه الإنسان بشكل حميمي عادة، فالزلزال يهدده، إذ نسمع صوت الجارة (أم معين) يردد منذ بداية الرواية وحتى نهايتها "إذا زلزلت الأرض زلزالها"، فيفتقد المرء إحساس الأمان في وطنه الصغير (البيت) كما يفتقده في وطنه الكبير.‏

كأننا نعيش في هذه الرواية زلزالاً يدمر وجودنا ويعصف بأحلامنا، إنها إنذار لن يضعنا أمام حقائق مؤسية ستدمرنا إذا لم نتعلم كيف نواجهها.‏

لكن ربما بسبب تعدد الفضاءات لم يستطع الروائي أن يتعمق تفاصيلها، لذا سنفتقد في هذه الرواية المعايشة الحميمية للفضاء المكاني، خاصة ذلك الفضاء الذي يمت بصلة إلىهاجس الرواية (أزمة المياه) فمثلاً يمرّ البطل فؤاد أمام نهر بردى في طريقه إلى الشيراتون دون أن يعيره اهتماماً نجده يكتفي بهذه الجملة" أدار بردى ظهره هزءاً أو ذعراً أو ربما صمما"(3).‏

كذلك بدا لنا مشهد المزار قد رسم بسرعة، لم تتجسد أمامنا تفاصيله المكانية التي تهبه خصوصيته وروحه.‏

الفضاء الزماني:‏

تصرح الرواية بانتمائها إلى زمن التسعينيات، إذ نسمع الراوي البطل يردد "امرأة التسعينات" حين يتحدث عن فاتن طروف و"رجل التسعينات" حين يتحدث عن شهاب الوزير، إنه الزمن الذي تنهار فيه القيم الأصيلة التي تمنح حياتنا معنى "كل شيء في التسعينات هو الجنون: ليس الحب وحده يافؤاد: العقل في التسعينات هو "الجنون" وبذلك يلتقط الراوي نبض الزمن الذي نعايشه ليجسده لنا في لفظة واحدة هي: الجنون.‏

يلخص لنا مشهد "فتنة" صورة الإنسان في زمن التسعينات أي زمن العولمة، إنه زمن الضياع والفتنة حيث تلغى الحياة لصالح الآلة، فصار الإنسان "صورة وكبسة زر"، لذلك تصبح الرواية إحدى الوسائل التي نؤكد عبرها هويتنا، في زمن يكاد يقتلعنا من جذورنا، ليقذف بنا في جبّ الآخر.‏

أعتقد أن الخوف على مستقبل الإنسان العربي في زمن العولمة هو أحد دوافع كتابة هذه الرواية، لذلك وجدناها تدق ناقوس الخطر الذي يحدق بنا، فيسرق مستقبلنا، ويلغي وجودنا. هاهو ذا فؤاد يقول: "انظري هذا السعي المحموم كي تتقوض الذاكرة: نظريات وحكام وعولمة وفنون وعلوم: مالا يحصى كي تنخلعي من أمسك ويومك وتنقذفي إلى غدهم"(4).‏

صحيح أن ثمة خوفاً على ذاكرتنا من التقويض في زمن العولمة لكن الرواية لم تستطع أن تهجس بالماضي كما هجست بالمستقبل، فرأينا هذا الماضي متجلياً بالخرافة والأسطورة أي عبر الوهم الذي يجرنا إلى الوراء، ولا يدفع بنا إلى مواجهة تحديات العولمة‍‍! مع أننا نجد في هذا الماضي كثيراً من مقومات شخصيتنا وهويتنا!.‏

الشخصية:‏

تقوم رواية مجاز العشق على أربع شخصيات: فؤاد وصبا يمثلان الشخصيتين المحوريتين، في حين نستطيع أن نعدّ شخصية فاتن طروف وشخصية شهاب الوزير شخصيتين ثانويتين لكن بإمكاننا أن نلاحظ أن صوت البطل "فؤاد" كان طاغياً، صحيح أن الروائي سمح للأصوات الأخرى أن يكون لها صوتها الخاص في بضع لحظات، لكن هذه اللحظات السريعة، لاتسمح ببقاء منطق هذه الشخصيات في ذاكرة المتلقي، لهذا يمكن القول بأننا نكاد نفتقد في هذه الرواية تعدد الأصوات.‏

تلتقي هذه الرواية، باعتقادنا بالسيرة الذاتية للمؤلف، يشارك البطل فؤاد الروائي نبيل سليمان انشغاله في الكتابة الروائية والبحث، بل نجد المؤلف عبر الرواية يخبرنا بمعاناته الإبداعية، وبذلك يلتقي صوت الراوي البطل (فؤاد) بصوت المؤلف في تجسيد معاناة المبدع قبل كتابة الرواية وأثناء كتابتها، من أجل إبداع رواية متفردة، كما يلتقي في الحديث عن نظرية الرواية وطريقة إبداعها "أحاول أن أصب الأساطير فوق البحث لأصل إلى رواية لاتشبه غيرها "وقد رأينا المؤلف يعترف في كتابه "بمثابة بيان روائي" أن من طبيعة الرواية الفنية "أن تمنح من معاناة صاحبها الروحية والنفسية والفكرية، وفي صلب هذه المعاناة الإبداع في الشكل...."(5).‏

ولعل من الأسباب التي جعلت هذه الشخصية حيوية أكثر من غيرها من الشخصيات تلك الصلة الحميمة التي تربطها بالمؤلف، وإن بدت لنا تداعيات فؤاد إثر وفاة والده غير مقنعة، يطغى عليها الافتعال، إنها تداعيات أشبه ماتكون تلفيقية لا تمس برهة الموت بكل مأساويتها على صعيد الحياة الفردية أولاً على اعتبار أن الموت خطف أقرب الناس إليه، لكن البطل يبدو مشغولاً بالموت الجماعي أكثر من الموت الفردي، لذلك لانجد لوعة الفقد وأوجاعه، وإنما استعراضاً لأنواع الموت التي تتعرض لها الأمة "يحدو الموج لفؤاد مشكلاً المفردات والعبارات والقواعد والزمن والبنية... ثم تكون خضّة أكثر هولاً من قصف طائرة الشبح الأمريكية لملجأ العامرية في بغداد، وكما تشظت الأشلاء العراقية يتشظى فؤاد وصبا ورواية دافنشي ولوحة ولعب وهناءة والحريري والمقامات وكلود مونيه وعود لمنير بشير أو نصير شمة وتنقلب الأشلاء جميعاً من باطن الأرض إلى ظاهر البحر".‏

أعتقد أن مثل هذه التداعيات لا تخلق تفاعلاً بين المتلقي والنص الروائي، لأنها لا تعتمد الوجدان والفكر المأزوم في برهة ربما تكون أقسى ما يواجه الإنسان في حياته، هي برهة الموت التي تصفع وجودنا الإنساني بالزوال وكأننا لم نكن!‏

قدم المؤلف شخصية شهاب الوزير التي تعدّ نقيضاً لصوت البطل فؤاد المثقف الملتزم، فهو تاجر سمسار ومهرب، يلهث وراء المال، تمتد أذرعه الأخطبوطية إلى كل مكان في العالم، دون أية قيم أخلاقية أو وطنية، فهو يتاجر بكل شيء (صناديق بلاستيكية، بخاخات لمحركات روسية، نساء، إعلان...)، حتى المستقبل يفكر في المتاجرة به، إذ سيشتري الأراضي التي ستسور أوتوستراد السلام، وسيشارك في مشاريع المياه في تركيا مع الأميركيين والإسرائيليين.‏

تكتشف صبا التي تعمل في الرقابة والتفتيش سرقاته وتجارته المشبوهة، فتقرر مواجهته، ولكن دون جدوى، وحين تلتقي بفؤاد صديقه تسلمه ملف التقارير لتكشف له حقيقته الزائفة، وقد خفّف من حدّة الصراع بين صبا وشهاب الوزير أن المواجهة كانت عن طريق السرد لا عن طريق المشهد الحواري.‏

عانى متلقي هذه الشخصية من غياب صوتها، في معظم الأحيان، مع أن معالمها الشخصية تؤهلها لتكون صوتاً نقيضاً للشخصيات الأخرى، وخاصة (فؤاد وصبا) مما يتيح الفرصة لتعدد الأصوات.‏

تبدو لنا هذه الشخصية بالمقارنة بشخصية فؤاد قد رسمت بسرعة، إذ قلما نظفر بمثل هذا المشهدالذي يجسد صوتها الخاص، أي وجهة نظرها الخاصة، أو صوت أعماقها وهذا خلل في بناء الشخصية باعتقادي.‏

يمكن أن ينطبق هذا القول على الشخصية النسوية أيضاً، التي نالت اهتمام المؤلف وبطله فؤاد فالأرملة (صبا) بدت لنا في بداية الرواية شخصية موازية لشخصية فؤاد المستقلة، لكن حين تقع في حب البطل فؤاد نلاحظ أنها باتت أقرب إلى التبعية، بمعنى آخر، تفقد المرأة خصوصية صوتها لصالح صوت البطل، أي لصالح وجهة النظر التي يتبناها الرجل، باعتقادنا، لهذا بدا لنا مشهد الإجهاض مشهداً غير مقنع، لأنه لا يجسد لنا أعماق المرأة وطبيعتها التي تتجلى عادة في حرصها على الأمومة، خاصة أنها عانت من العقم في زواجها السابق.‏

إن إجهاض الجنين ورفض الزواج من فؤاد يعني أن تتخلى عن حلم يراود كل امرأة، أعتقد أننا في هذا المشهد أمام منطق الرجل وصوته، لنسمع هذا المقطع حين تكتشف أنها حامل من فؤاد الذي يكاد أن يكون المقطع الوحيد الذي يبرز صراعها الداخلي قبل أن تقرر الإجهاض "فؤاد هو السبب: ذاكرتك وأحلامك: المرحوم مازن الذي لم يخصبك: رحمك الملهوف إلى من يملؤه: القانون الذي درسته في الجامعة وانقلب عليك يا مفتشة، خوفك هو السبب: قتل النفس التي حرّم الله والزنا والفضيحة والأم التي لم تكوني والعقد الذي لن تعقديه على فؤاد..."(6).‏

فهي منذ اللقاء الأول مع فؤاد تقول له: "لن أتزوج ثانية لا في هذه البلد ولا في غيرها.. إذا كنت تريد أن تكون أباً أو زوجاً فابحث عن غيري.".‏

إننا نفتقد في هذا الحوار الداخلي، الذي يبرز لنا الصراع في أعماق المرأة، ما يؤجج هذا الصراع ويهبه خصوصيته، أي نفتقد صوت الأمومة، فكأننا نسمع صوت الرجل الباحث عن المتعة فقط في علاقته مع المرأة، لهذا يرفض رباط الزواج والأبوة.‏

أعتقد أن هذه الرؤية تجرد المرأة الشرقية المثقفة من خصوصيتها، لتجعلها صدى لرؤية الرجل المثقف، الذي لا يهمه الماضي ولا يؤمن بالتقاليد، لذلك نسمع صبا تقول، كما يقول الرجل عادة "الماضي لا يأسرني يا أستاذ نمرود: انظر ها أنا برفقة صديقي فؤاد ليس زوجي ولا أظنه سيكون"(7).‏

أما فاتن طروف فهي امرأة مثقفة ناضلت إلى جانب المقاومة الفلسطينية، متزوجة زواجاً شكلياً، تعيش في دمشق وزوجها يقيم في تونس، إنها متحررة من قيود الزواج، لذلك يدعوها البطل فؤاد بامرأة التسعينات، تترك عشيقها غسان من أجله، وتعد نفسها ألا يمسكها رجل سوى فؤاد، لكنها في اليوم التالي حين تسافر إلى قبرص، نجدها تنكث بوعدها فتضاجع كلاً من أنيس (زوجها) وغسان (ص73)، وبذلك نجدها تضاجع ثلاثة رجال في يومين!!!‏

أعتقد أن المرأة المثقفة أكثر إحساساً بكرامة جسدها، وأكثر محاسبة لذاتها، إن سيطرة صوت الراوي ورؤيته على صوت المرأة ورؤيتها، قد يكون من أسباب ضياع صوت أعماق المرأة، التي لا نجدها تعاني أزمة ضمير وهي تخون زوجها، أو تخون حبيبها، كما أن هذه السيطرة على صوت المرأة ضيعت خصوصيتها، فمثلاً قدم مشهد (بحر) بصوت الراوي فنجد فاتن تسترجع ذكرياتها القريبة (وداع الحبيب: فؤاد، والابن، يمان)، فنلاحظ ورود اسم فؤاد خمس مرات متتالية في الفقرة الأولى (ص63)، في حين يرد اسم يمان مرتين، وهذا ما ينافي باعتقادنا خصوصية المرأة الأم، إذ لا يمكن أن تذكر في تداعياتها الحبيب أكثر من الابن!!‏

وهكذا بدا لنا حضور صوت الراوي البطل، الذي هو صوت المؤلف، حضوراً طاغياً على كل الأصوات الأخرى في الرواية سواء أكانت أصواتاً نسوية أم ذكورية.‏

الرواية وإشكالية التوثيق:‏

لاشك أن استخدام الوثيقة التاريخية أو العلمية، ضمن فضاء الرواية يطرح إشكالات كثيرة، من أهمها طغيان الجانب المعرفي على الجانب الجمالي، وبالتالي فإن استخدام الوثيقة ضمن الفضاء الروائي، باعتقادنا بحاجة إلى دراية وخبرة ورهافة فنية، كي لا نحس بنشاز الوثيقة، ولا تصبح عبئاً على جمالية الرواية.‏

اعتمدت رواية "مجاز العشق" على الوثيقة في بناء عمارتها الفنية، وقد بدا لنا الروائي نبيل سليمان، واعياً لتقنية الوثيقة ضمن الفضاء الروائي على الصعيد النظري، في كتابه "بمثابة بيان روائي".‏

إذاً ثمة إدراك لديه بمخاطر استخدام الوثيقة داخل جسد الرواية، إذ بإمكانها تشويهه، كما بإمكانها تجميله، لذلك نلاحظ جهداً في تقديم الوثيقة ضمن الفضاء الروائي، كما نلاحظ وعياً من جانب الراوي البطل في ضرورة الحذر في استخدام الوثيقة، لذلك يطلب من صبا أن تمزق هذه الوثيقة، ثم نجده يتساءل: "قد يكون هذا كله نهاية طيبة أو غير طيبة للقرن العشرين، قد يكون بداية طيبة أو غير طيبة للقرن الحادي والعشرين، ولكن هل يمكن أن يكون بداية أو نهاية أو متناً لرواية؟".‏

إذاً ثمة شك يلاحق الراوي، الذي هو صوت المؤلف، في إمكانية أن تشكل الوثيقة جزءاً حيوياً من فضاء الرواية، وأنها بحاجة إلى جهد متميز لإدخالها هذا الفضاء، سنحاول أن نتأمل هذا الجهد لنبين إنجازات المؤلف وإخفاقاته.‏

- بدت لنا الوثيقة التي تتحدث عن أزمة المياه في الوطن العربي جزءاً من أعمال الندوة التي حضرها كل من فؤاد وصبا في عمان، ستبرز هذه الوثيقة بؤس الواقع العربي بالمقارنة مع العدو الإسرائيلي، الذي لا يكتفي بالعمل داخل الأرض المحتلة وسرقة المياه فيها بل نجده يسعى للسيطرة على منابع المياه الرئيسة في الوطن العربي: الفرات في تركيا، والنيل في الحبشة.‏

تقدم الوثيقة هنا حقيقة لا يداخلها الشك أو التخييل الروائي، كي يضعها المتلقي نصب عينيه، فيتدارك نفسه وأمته من الضياع والعطش والموت.‏

- قدم الروائي الوثيقة بصيغة الحاضر، أحياناً، فبدت حية مؤثرة، كما استعان بالفنون الأخرى في تقديمها كالفن التشكيلي، وذلك حين زار فؤاد وصبا معرضاً فنياً لـ "هوغ فونتين" في المركز الثقافي الفرنسي، فصاغ لنا مشهداً تمتزج فيه اللوحة بالوثيقة، إذ جعل تتابع اللوحات مدخلاً للحديث عن نهر الفرات، وما طرأ عليه من تغيير عبر الزمن.‏

كذلك استعان بتقنية السينما في توثيق العدوان الصهيوني على الفلسطينيين، لكن (مشاهد العشق بين صبا وفؤاد، وخاتمة المشهد) أي التخييل الذي رافق الفيلم الوثيقة بدا أقرب إلى الافتعال باعتقادنا، لنلاحظ خاتمة المشهد: "كانت صبا تنهض من حضن فؤاد باكية [إثر رؤيتها لمقتل الفلسطينيين] وفؤاد يلقن الصحفية الأجنبية [التي كانت في حضن الضابط الإسرائيلي]، درساً في اللغة العبرية، والصحفية تحضن صبا وتترجم لها"(8).‏

إن استخدام فؤاد لغة العدو وتلقينه الصحفية درساً فيها، أمر غير مقنع، ويبلغ الافتعال مداه حين تترجم هذه الصحفية ما تسمعه لصبا!!‏

لعله يدعونا إلى استخدام لغة العدو وأسلوبه في التعامل مع الإعلام الغربي، لكن الافتعال في التخييل أساء لنبل المقصد باعتقادنا.‏

- بدت لنا الوثيقة، أحياناً، مملة، ربما لإغراقها في التفاصيل الصغيرة، حتى إنها احتلت حوالي ثلاث صفحات تقريباً(138-140).‏

- قُدمت الوثيقة أحياناً بطريقة سردية جافة، فمثلاً تستعرض فاتن، إثر عودتها من غزة مشكلة المياه فيها وفي الضفة الغربية، فتبدو لنا وكأنها تكتب بحثاً عنها مع أن أهلها يقيمون في غزة، لذلك كان بإمكاننا أن نعيش هذه المشكلة عبر مشاهد تخييلية تجسد الوثيقة بشكل روائي.‏

- لم تشكل الوثيقة جزءاً حيوياً من فضاء الرواية، صحيح أن الشخصيات بدت مهتمة بقضية المياه لكن هذا الاهتمام بدا خارجياً أكثر من أن يكون هماً يومياً مؤرقاً، فأزمة المياه لم تنعكس على الحياة اليومية للشخصيات، فمثلاً لم تعانِ الشخصيات من أزمة المياه في حياتها اليومية!! مع أنها انتقلت عبر عدة مدن عربية (دمشق، عمان، اللاذقية، غزة)، تعاني هذه الأزمة.‏

لو أجرينا مقارنة بين رواية "ذات"(9)، لصنع الله إبراهيم، وبين رواية "مجاز العشق" للاحظنا تنوعاً مدهشاً في طرق تقديم الوثيقة في "ذات" (قُدمت عن طريق الحوار، القصة، البيان، الإعلان، المقتطف من الصحيفة أو من محضر المحكمة أو من المخفر....).‏

كذلك بدت لنا الوثيقة، رغم أنه قدّمها في فصل خاص بها، جزءاً حيوياً من فضاء الرواية، إذ شكلت خلفية معلوماتية لا بد منها، تساعد المتلقي على فهم الهموم والأزمات التي تتعرض لها شخصيات الرواية.‏

إذاً الفضاء الكارثي للوثيقة، أي الواقع، انعكس على كارثية الفضاء الروائي، فبدا لنا البؤس الذي نعيشه روائياً جزءاً من البؤس الذي نعيشه واقعياً.‏

جمالية اللغة الروائية:‏

نلاحظ أن ثمة وعياً لدى المؤلف في أغلب الأحيان، لأهمية اللغة وإيحاءاتها، فمثلاً نجده على لسان الراوي البطل يبين منذ المشهد الأول (موت الأغنية) إن قانون الفوضى هو الذي يسيطر على حياتنا، ويلمح إلى أسبابها "استوقفته شاشة الكمبيوتر: تبسم لها وهمس: قانون الشعث: خجلت الشاشة وأومأت إلى لوحة المفاتيح التي ركب في كل منها حرف أجنبي على حرف عربي..."(10).‏

إن اختيار الراوي لغة العصر (الكمبيوتر)، ليبرز عبرها قانون الشعث الذي نعيشه، اختيار ذو دلالات موحية، ومما زاد هذا القانون وضوحاً توقف الراوي عند لوحة المفاتيح التي ركب فيها الحرف الغربي على الحرف العربي ، ليبرز عبرها لوحة الواقع العربي الذي يعيش عالة على إنجازات الغرب، لهذا لن يكون غريباً أن نعيش حالة الاستلاب والفوضى، مادمنا مطية الآخر في صغائر الأمور(لوحة المفاتيح، الكمبيوتر)، وفي عظائم الأمور،ومثل هذه الحالة تجعل الجماد يشعر بالخجل (لهذا خجلت الشاشة)، فما بالكم بالإنسان.‏

إن جمالية اللغة تكمن في الإيحاء دون التصريح، فهي توحي بأسباب بؤسنا وتخلفنا دون أن ترهق فضاء الرواية بتفاصيل فكرية، ومثل هذا الإيحاء يبدو أكثر تأثيراً، خاصة حين تسبغ مشاعر الخجل مما نحن عليه حتى على الجماد، لهذا سيختار عنواناً موحياً لهذا المشهد (موت الأغنية)، أي موت الفرح والجمال في حياتنا.‏

نسمع لغة أقرب إلى الشعر، أحياناً، خاصة في لحظات لقاء الحبيبة والتغزل بها، ها هو ذا فؤاد يخاطب صبا "دعيني أعش بالتماعة هاتين العينين: أستر عري ذراعيك بهذا الضوء البهيم، وأصل الحاجبين بأنفاسي، آه ياصبا كيف تهت عنك كل هذه السنين".‏

يلاحظ أن لغة الشعر هذه تتعثر أحياناً، فتبتعد عن الشفافية، لتسقط في الفجاجة التصويرية، فنجد فؤاد نفسه يصف صدر فاتن وصفا مادياً، "يلمع مثل طاس من حجر"، مثل هذا الوصف يفتقد الإيحاءات الجمالية، فيهبط من اللغة الشعرية إلى اللغة الجافة إذا لم يشفع لها الإطار التصويري الذي اتخذته باعتقادنا.‏

كذلك بدت لنا اللغة التراثية، أحياناً، التي استخدمها الراوي البطل جزءاً حيوياً من جسد الرواية "التمع البرق فراح يرتل على عجل"، ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض من بعد موتها"(ص15)، لكنه في أحيان أخرى تبدو اللغة التراثية مجرد استعراض للمقدرة اللغوية التي يمتلكها المؤلف لا علاقة لها بفضاء الرواية، فمثلاً حين تحدث عن أنواع النكاح عند العرب(ص130).‏

وقد استطاع المؤلف أن يمنح المشهد الروائي حيوية، بفضل اهتمامه بالبنية الفعلية للجملة التي تعتمد أفعال الحركة بشكل متتابع لنتأمل هذين السطرين من الرواية "وسرعان ما قذفته الغصة خارج المطعم فراحت قدماه تخبطان وتحومان وتضيعان من مكان إلى مكان".(213).‏

كما اهتم الراوي بتنويع طرق السرد، إذ لم يكتفِ باستخدام ضمير الغائب المفرد كالمعتاد، بل استخدم ضمير جماعة المتكلمين ممتزجاً بالضمير الغائب المفرد فها هو ذا الراوي البطل يقول: "ليلاً يعوّدنا الطقس الجديد على أن ننتظر نصف الليل لنسابق الهاتف، صوت يطمئن، صوت يتنهد، صوت يتحسر على الملفات التي أتلفها الفيروس، صوت يعد بذاكرة لا ينالها التلف... "(ص217).‏

إذاً استخدام لفظة (صوت) ساعدت على تبيان انتقال لغة السرد من وصف حالة المرأة (صبا) إلى وصف حالة الرجل (فؤاد) أثناء الحديث الهاتفي، لذلك جاءت هذه اللفظة لتسرد لنا المكالمة بطريقة صوتية إن صحّ التعبير.‏

يمكننا أن نلاحظ تنوع التناص الديني (العهد القديم والعهد الجديد، والقرآن الكريم)، والتناص الشعبي (الحكاية الشعبية، المثل، العبارة....).‏

ظهر التنوع اللغوي أيضاً في استخدام اللغة الفصيحة لغة السرد والمشاهد الحوارية واستخدام اللهجة العامية أحياناً في المشاهد الحوارية، مايلفت النظر أن الحوار الفصيح والعامي يتمّ بين الشخصيات نفسها (فؤاد، فاتن، صبا....) لهذا كان من الأفضل باعتقادنا إجراء الحوار بالفصحى.‏

ومما أضفى الحيوية على لغة الرواية استخدام العبارات العامية والأمثال الشعبية نجدها باللهجة المحكية كقول شهاب الوزير: (البرطيل بيحل دكة القاضي) كما نجدها محورة إلى اللغة الفصيحة "المكان الضيق يتسع لألف صديق"(195).‏

إذاً يمكننا أن نلاحظ تردد المؤلف في استخدام العامية لغة للحوار ولغة للمثل الشعبي، كما نلاحظ رغبته في ابتكار تراكيب لغوية جديدة فها هو ذا يقول: "ومنه مارقش قلم عن على في ماء"، وإن بدا لنا غير موفق في هذا التركيب على المستوى التعبيري والمستوى الفني.‍!‏

حاول الروائي أن يعتمد التناص الأسطوري (أسطورة الخلق، وأسطورة الطوفان) غير أن هذا التناص لم يستطع أن يعيش المتلقي ضمن فضاءاته الأسطورية.‏

الخاتمة:‏

لا تبدو لنا الخاتمة منجزة، كما عهدناها في الرواية التقليدية، فلا تبدو مصائر الشخصيات واضحة، لذلك وجدنا المشهد الذي يتعلق بالخاتمة "كالخواتيم" صفحة بيضاء يملؤها المتلقي بما يشاء، أو بالأحرى يصنعها المتلقي كما يريد، خاصة أن الجملة الأخيرة في المشهد الأخير "عابران" بقيت مفتوحة يكملها المتلقي بما يمليه عليه وعيه "إذ لا فخامة تبقى سوى": فقد يكون جواب المستثنى بـ "سوى" هو القيم الخالدة، أو العشق الحقيقي لا المجازي، أو العلم الذي لا يكتفي بأن يكون نظرياً وإنما ينهض بواقعنا بفضل تحوله إلى نبض حياتنا أو...‏

صحيح أن المؤلف قد أوحى لنا ببعض معطيات هذه الخاتمة ضمن سيرورة الرواية، لكنه حاول ألا تكون منجزة أو مطلقة كي يضع المتلقي في هذه الرواية الخاتمة التي تناسب الفكر الذي يؤمن به بعيداً عن تسلطية المؤلف وفكره، ليسهم في صنع حياة أفضل منقذاً ذاته وأمته.‏

الحواشي:‏

1- نبيل سليمان "بمثابة بيان روائي"، دار الحوار، اللاذقية"، ط1، 1998، ص 37.‏

2- نبيل سليمان "مجاز العشق"، دار الحوار، اللاذقية"، ط1، 1998، ص24.‏

3- " مجاز العشق" ص 21-22.‏

4- المصدر السابق نفسه، ص 125.‏

5- "بمثابة بيان روائي"، ص 102.‏

6- المصدر السابق، ص214.‏

7- المصدر السابق نفسه، ص197.‏

8- "مجاز العشق" ص 179.‏

9- صنع الله إبراهيم "ذات" دار المستقبل العربي، القاهرة، ط2، 1993.‏

10- "مجاز العشق" ص 15.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244