جريدة الاسبوع الادبي العدد 678 تاريخ 2/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

سندباد في رحلة مؤجلة ـــ سمير بلوك باشي

بعد قراءة طويلة عشت فيها مع الكاتبة جمانة طه عبر كتابها، سندباد في رحلة بحرية، بحثاً متفحّصاً في أسرار كتابتها، أقول: إن الأرضيّة الأساسية التي تقف عليها هو موهبتها الكبيرة على الاكتشاف، والاكتشاف لديها هو رؤية التفاصيل في حياة الناس، ولكن السؤال الذي يأتي تالياً هو: ما هي أدواتها لصياغة هذا الفنّ؟‏

أدّعي أّني توصّلت إلى مجموعة اكتشافات نقدية، معترفاً بتقصير النقد بشكل عام، وعجزه عن الوصول إلى ماهيّة النص لإيماني بتعدد وجهات النظر خلال القراءة، وعسى أن تكشف ملاحظاتي عن البنية السردية لهذا الأدب، بعيداً عن وهم النقد.‏

يبدأ السرد غالباً بوصف للطبيعة لتعبّر تقلباتها عمّا يجول في نفسيات شخوص الكاتبة، تتحدث عن فرحهم وحزنهم، لينفتح السرد على عوالم تخيّلاتهم، وما يدور في أذهانهم، من استطرادات متتالية، فكتابة جمانة طه مكرّسة للمشاعر أولاً "البرودة في قلب خولة كانت أشد برودة من الجوّ الذي يحيط بها" (ص61).‏

سندباد في رحلة مؤجلة، كتابها الأول، يحمل همّاً نسائياً فيه تمحيص دؤوب للهمّ اليومي المعاش الذي تمرّ به المرأة العربية، وهي لا تحفل بالأحداث العظيمة، بل تصوغ أفكاراً من المواقف الصغيرة، والعابرة بحيث يتيح الموقف العابر الذي تمرّ به الشخصية فرصة للاستطراد في التفكير، ويبدو اكتساب هذه الفرص مناسبة للحصول على مواضيع وأفعال تحفّز السرد للوصول في النهاية، إلى خطاب من شأنه تحديد هويّة الفاعل، انطلاقاً من رؤية الشخصيّة "يمدّ أحدهم رأسه من الكوّة ويرمقه بنظرة ازدراء، بينما آخر ينفر من الباب، وبيده مصباح يدوي، يسّلط شعاعه على وجهه، ثم يغمغم بكلمات أثارت ضحك رفاق الغرفة الخشبيّة، غلى الدم في عروقه، ما الذي يدعوه إلى السخرية، ألأني لست واحداً من المنعّمين إياهم الذين يتدثرون الآن بهواء المكيّفات"،(ص21)، إنه الصوت الداخلي للشخصيات، وهو بآن صوت الراوي في القصّ. تحقّق خصائصها الداخليّة من خلال التجربة الفرديّة دون أن تحاول أن تعمم الصورة الاجتماعيّة، إذ يستحوذ عليها وعي الشخصيّة، وتتوسّع في هذا الوعي لتصل إلى حدّ التداعي، في مشهديّة مرسومة بعناية فائقة على خلفيّة وصف شاعري للطبيعة، طبيعة هي جزء من أمزجة الشخصيات، ولا تستعين الكاتبة بخيالها، بل تطالب عبر جمل رصينة الكفّ عن إفساد ما هو جيّد "ملأته مشاعر مختلفة متداخلة حزينة، الفارق شاسع بين طفولته وطفولة هؤلاء، طفولته كانت محميّة رغم البؤس الماديّ ورغم انتشار الأمّية التعليمية، واليوم في عصر الذرّة والأقمار والتلفزيون تتحوّل الطفولة إلى سلعة وتجارة واستخدام" (ص20)، وكذلك في (ص41) "كانت تسير إلى محاذاته سيّارة سياحيّة تقلّ شابة أنيقة المظهر، لكن عندما سمحت ليدها أن تلقي بعض الأقذار إلى الشارع، أدركت أن أناقتها لم تتعدّ الشكل الخارجي، أمّا أعماقها فهي بعيدة عن الحضارة والأناقة".‏

وها هي تستلهم أصداء عالم مثالي، في صورة شاعرية حالمة بالتعبير عن الطموحات المتخيّلة، التي غالباً ما تعطّلها فجاجة الرجال، دون أن تتخلّى دوماً عن العبارات والجمل التي توصل مغزى أخلاقيّاً ما، ودون أن تسعى إلى تحصيل موقف فنّي، بل إن قصصها تنطوي على الدواخل وما يعتمل بها.‏

تلجأ أحياناً إلى أساليب السرد التقليديّة، لاستعادة الحركة في الأحداث، لتنقذ شخصياتها من استطراداتهم، حين تخشى أن ينخفض إيقاع القصّ، تحت وطأة الانسياب المتدفّق والحرّ للوعي، ثم ما يلبث وعي الكاتبة، أن يقف كالشرطي أمام سلوك شخصياتها، "قلت في نفسي ليتهم استوردوا حافلات بطابقين، طابق للمدخّنين وطابق لغير المدخنين، وأراحوا العباد (قصّة صور في البال ص43) وكذلك في الصفحة 45 في القصّة ذاتها، بصراحة أنا لا أمنح مقعدي إلاّ لسيدة متقدّمة في السنّ، أمّا الأخريات فعليهنّ تحمّل ما نتحمّله، هنّ اللواتي يطلبن المساواة معنا، أكان يعني ما يقول، أمّ أن تطنيش الرجال هو نتيجة ضغط الحياة.‏

وهكذا فإن الوضع الذي ينمو منه الفعل، يعيّن الاهتمامات الرئيسية، للرسائل الأخلاقيّة التي ستقوم ببثها.‏

* الحبكة:‏

تتصرّف الكاتبة بحريّة، إذ لا تحفل بالحبكة ظاهريّاً، بل إنّ الحبكة التي تعتمدها، هي قمّة التداعي، في خطّ بياني متصاعد للمشاعر البشريّة تنطوي بالضرورة عند الكاتبة على قيمة أخلاقيّة أو انتقاد سلوكيّ، أو نقد لقيمة مجرّدة. تتصاعد الأفكار والمشاعر دون إتاحة فرصة لتبادل وجهات النظر، باعتماد كامل على الحيوية الذاتيّة للشخصيّة التي تتحوّل إلى طاقة. وأشبّه كتابتها بكاميرا سينمائيّة، تشرع بالتقاط الحدث، ثم لا يلبث المخرج الواقف خلف هذه الكاميرا، أن ينتقل إلى حالة تغييب الصورة (أوت أوف فوكس) ليحلّ محلها الحلم في السينما، وفي كتابة جمانة طه، تيار الوعي، وهكذا يبدأ التنامي للوصول إلى الحبكة الذهنيّة، تبدأ من تصوير الواقع، لتنتقل إلى ما هو موضوعيّ، في فعل مغيّب، إذ لا يعيدنا المخرج ثانية إلى ما شرعت الكاميرا بالتقاطه، في بداية المشهد.‏

ليس لديها قواعد مطلقة، فهي على طريقة أرسطو، قاضٍ يتحدث بإسهاب وإحكام حول ما يجب أن يكون، وهي بذلك مصدر شكّ بما يدور حولنا، في انتقالها من وصف الأشياء بشكل موضوعي والمحافظة بإصدار محكم على تمثيل الواقع، لتبليغ الإدراك الصحيح، الذي تراه الكاتبة، بادئة من الخاص إلى العام فيكون الخاص سابقاً على العام المعرّض للتغيير والتحويل تحت تراكم التفصيلات مشاعريّة تقود إلى الظنّ إنّها تقدّم لنا العون كي نبصر أفضل.‏

وأختتم حديثي عن الحبكة، أنها لا تفكّر في صيغ العموميات، وبعبارة أخرى يتضح أن موضوع الاهتمام لديها، في البناء الذي ينتج الأثر الإيجابي الذي ترغبه، يتّضح ذلك في حركة الفكرة، والمعنى في القصص، ويهتّم صوت السرد ببلوغ هذه الحركة في صنعة لا تخلو من غنائية خلاّقة.‏

* االسرد‏

يتسم النسق التركيبي للكلام بالتسلسل والتوالي زمنيّاً، لنكشف هاجساً يحمل دلالات يمكن تصنيعها في بنيات متجزئة، منذ دخول الفاعل وحتّى وصوله إلى ميدان الفعل، نجد تنشيطاً ذهنياً تقوم به الشخصيات للإفضاء بالدلالة الصريحة، دون إتاحة الفرصة أمام القارئ لإعادة إنتاج النص في ذهنه، لأنّ الدلالة تنبثق لديها من المنطق السائد.‏

وفي المقابل يغطّي الاستخدام البلاغي للغة نظام السرد الداخلي متستّراً على التعرية التي تقوم بها الدلالات الصريحة، فهي تلجأ كثيراً إلى المجاز الذهني، والوصف والتشبيه كمحسّنات بلاغيّة، "السيارة تطوي السجادة الإسفلتيّة برشاقة وأناقة، والشمس تتكوّر في خدرها الأسود" (ص28) وكذلك في صفحة (30) إنّها غارقة في حبّه إلى ما فوق الأذنين" وفي صفحة (47) أزهر سؤال على شفتيّ ما لبث أن قضى نحبه"، وتساعد هذه الاستخدامات العالية بلاغيّاً على إتاحة الفرصة لتخيّلات تتصل بالجوانب التأويليّة الخاصّة بالحدث.‏

يبدو المسار السردي، في وحدة مركّبة أحياناً، وبسيطة أحياناً، ولكن هذا المسار هو الذي سيفضي إلى دوره الفاعل في قصصها منتجاً ما يسميّه غريماس بالدلالة الأصوليّة، حيث تتحكّم مقولة دلالية واحدة بالقصة، لا تندمج في مسار السرد مباشرة، بل تبقى مرتبطة بما يمليه الفاعل من قيم موجودة في رؤية الكاتبة، بمدلولات تترادف في بعض الأحيان، لتعطي أدبها هوية أو خصوصية.‏

إن هناك نشاطاً لغوياً واضحاً يكشف عن القصد الناتج عن السردية الدلالية في تصاعد زماني، منتجاً خطاباً متحرّكاً ذو دلالات علاميّة للتأويل على ما هو إدراكي، على مستوى المحتوى.‏

* نتائج‏

لا أحبّ أن أصادر رأي المتلقّي بأحكام نقدية، ونتائح ثابتة، بل أدع فرصة للاستنتاج، ولكن هذا لا يمنع من القول إن قراءة جمانة طه، تدفع بالقارئ إلى تفكير هادئ وإلى مراجعة الذات لنتساءل نحن الرجال، عن حقيقة فظاظتنا مع المرأة، وختاماً لا أدّعي إن هذه الدراسة شاملة لأدب جمانة طه، بل إن تركيزي كان على الحبكة والسرد، وإن هناك جوانب أخرى كثيرة تستحق الدراسة.‏

في كتابها الثاني (عندما تتكلم الأبواب)، كانت أكثر عمقاً طوّرت فيه أدواتها، وراحت تبحث عن حلول سردية أكثر حرفيّة، وتأثيراً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244