|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
شعر
الطفولة في تشرين ـــ محمد قرانيا إن اجتياز
المقاتل العربي السوري خطَّ (آلون) قد أعاد للعروبة وجهها المشرق الذي حاول ضبابُ
الهزيمتين، النكبةِ والنكسةِ أن يطمسَ ملامحَ أصالته، وبسقوط خطّ الرعب والدمار الذي
كان يسجن خلفه جزءاً من جسم الوطن العربي السوري، سقطت مغالطاتٌ عديدة، كانت تطحن
المواطنَ العربي تحت وطأتها من خلال إحساسه الفادح بضرورة الهزيمة. لقد أعقبَ
نكسةَ حزيران طوفانٌ من أدب الانهزام والاغتراب والهلوسة، واتفق أن صاحَبَ ذلك
موجةٌ غريبةٌ وافدةٌ من حداثةٍ ومعاصرةٍ ساعدت على التجريح والإدانة وتحقير الذات،
وربما توغل بعضها في متاهات العبث والتمزق والضياع، حتى غدت نادرةً تلك الأعمال
الأدبيةُ المتفائلةُ، التي لم تفقد الأمل في رؤيةٍ مستقبليةٍ وسط ضباب اليأس
والقنوط، ولكنها كانت على درجةٍ من الخفوت بحيث عجزت عن النفاذ إلى داخل الحس
الحقيقي، والوجدان الأصيل للإنسان العربي. وبحمد الله،
فإن هذا الأدب اليائس الباكي، لم يدم طويلاً، إذا اختلف الأمر اختلافاً واضحاً بعد
الحدث التشريني، الذي أخذ بيد الأدباء والفنانين فأنهضهم من وهدة العثرات، وجعلهم
يعيدون النظر في الموقف، توافقاً مع روعة الحدث، والارتفاع إلى مستواه فكرياً
وفنياً، فظهر على الساحة الثقافية فنٌ أدبي يدخل ضمن إطار (أدب الحرب) مستهدفاً
بصدقٍ وجديةٍ تحقيقَ توازنٍ منطقيٍ بين البيئة والعصر، وبين الأصالة والحداثة،
ومعبراً عن طموحات وآمال الإنسان العربي المعاصر. لقد انتعش
الأدب عموماً، أدبُ الراشدين، وأدبُ الناشئة والصغار في القصة والشعر، وأخذ كلٌ
منهما موقعه على الساحة الثقافية، وشارك الأديب -من موقعه بكلماته المقاتلة، أخاه
الجندي الذي يقاتل في خندقه، بمدفعه وبندقيته، وشارك الاثنان معاً -الكاتبُ
والجنديُّ- في صياغة الروح الجديدة للمجتمع العربي المعاصر. لقد وقف
كاتب الأطفال -دائماً-إلى جانب الخير والحق والعدل، وبقية القيم الإنسانية التي
كان يطرحها في كتاباته، وعمد إلى تأجيج المشاعر العاطفية القومية في نفوس الصغار،
وهو، وإن كان قبل الحرب يكتبُ عن الوطن الذي تزين سماءه الزرقاءَ، عصافيرُ
مغرّدةٌ، وغيومٌ ملّونةٌ، تحومُ فوق سهولٍ وأنهارٍ وملاعبِ صبيةٍ، فإنه بعد الحرب،
انتقل للتعبير عن الوطن القوي، والعروبةِ التي لا تركن للذل، وهاهي تنفض عن
كواهلها غبارَ الهزيمة، وتشيرُ الدراسات النقدية التي رصدت أدب الأطفال الذي دار
حول تشرين، إلى أن مجموعة القيم الوطنية والاجتماعية والقومية، التي كانت تحتل
المرتبة الثانية في سلم القيم قبل الحرب، قد استطاعت أن تزيح القيم المعرفية
الثقافية، وتتربع فوق القمة عوضاً عنها، فتحتل -بعد الحرب- المرتبةَ الأولى في سلم
القيم السائدة في أدب الأطفال. إن الأحداث
التاريخية، بوجهيها المأساوي الحزين، والإيجابي المفرح، كانت على الدوام من
العوامل المحرّضة والمؤثّرة في إبداع الكتّاب، وكما أن النصر في المعركة من شأنه
أن يفجّر نوازع المبدعين من الأدباء والفنانين، فإن الهزيمة لم تكن دائماً عاملاً
سلبياً مثبطاً للهمم، قاتلاً للإبداع، وإنما هي -عند الكبار- عاملٌ محفّزٌ للهمم،
مثيرٌ للمشاعر العاطفية الخلاّقة، باعتبار الكاتب أشبه بزورقٍ يتهادى على صفحة
بحرٍ، يوجهه تيارُ التاريخ، فيفرد أشرعته ليرصد أحداث زمنه، وليرصدَ المستقبل عبر
نبوءات أثبتت صدقها وجدواها لدى العديد من الكتاب في العالم، وقد يُرْخي الأديبُ
هذه الأشرعةَ، ليسترجع الماضي بأفراحه وأتراحه، ويخرج بزبدة الفكر والحكمة، في صور
جميلة، أوْ رؤيةٍ شاعريةٍ، أو مواقف إنسانية، ولذلك احتلّ أدبُ الحربِ حيّزاً
كبيراً في أبرز الأعمال الأدبية العالمية، ووجد النقاد في فترات الأزمات أو فيما
تلاها مهداً حقيقياً للعمل الأدبي المتميز، إذ اتخذ الأدب من موقع الحرب مسرحاً
لأحداثه، عليه يدور الحدث، وفوقه تتحرك الشخصيات، ومن الأحداث والبطولات تكتسب
الشخصيات ملامحها القومية والإنسانية المتفردة. فيكتسي العملُ الأدبي في النهاية،
حلةً إنسانيةً قشيبةً، تطرح من خلاله قضيةَ الإيمان والعقيدة، وقضيةَ الحق
والعدالة، وقضيةَ الالتزام السياسي والقومي الذي يقدس التضحية ويُعلي من قيم
الفداء والشهادة. وكثير هي الأعمال العالمية التي غدت روائع فنية، وجسّدت هذه
القيم، بدءاً من إلياذة هوميروس، وحصار طروادة، إلى أزاهير تشرين المدماة لعبد
السلام العجيلي، وصخرة الجولان لعلي عقلة عرسان، ومروراً بتراجيديات شكسبير،
ومرغريت ميتشل التي خلدت الحرب الأهلية الأمريكية في روايتها (ذهب مع الريح) وكما
في روايات (وداعاً أيها السلاح) لأرنست همنغواي، و(الأمل) لأندريه مالرو، و(الحرب
والسلام) لتولستوي، و(نجمة الصبح) لمحمد إبراهيم العلي، ومسرحيات سارتر
ودورنمات وبرنارد شو وكثير غيرها. إن الحرب،
والنكسة الحزيرانية على وجه الخصوص، هي التي دفعت الشاعر سليمان العيسى لينعطف
بشعره انعطافةً جذريةً باتجاه الطفولة. لذلك نجده يعترف: "تجربتي الشعرية،
وكدت أقول: تجربتي القومية مع الأطفال، شجرةٌ بدأت صغيرةً متواضعة الجذع والفروع
في أعقاب مأساة حزيران من عام 1967. كانت نافذةً زرقاءَ. أُطلّ منها على السماء
بعدأن كدتُ أختنق بغبار حزيران ووحله الأسود. وجعي وقتئذٍ من تلك الغيمة
المرّة الخانقة التي حاولت أن تخنق العرب وتردّهم إلى أعماق المقبرة..."(1). وما إن
أطلّت شمسُ تشرينَ على الشاعر حتى انقشعت الغمامة السوداء وحلّت محلها روح
التفاؤل، فتفتّحَ الوردُ، وغنّت العصافير، وابتدأ الأطفال ينشدون متباهين
بانتصارات تشرين وأمام المتنبي الذي كان يعتزّ ويفتخر بانتصارات سيف الدولة على
الروم وهم يردّدون على مسامع العالم: كان لنا
تشرين كان لنا
تشرين جمّعنا
البرقُ العربي وفجرّنا
تشرين .... .... البداية لم تكن إلاّ
البداية والحكاية
سوف تأتي .... .... سوف تأتي مثلما تأتي
الفصول مثلما تجري
السيول مثل العاصفة
الخضراء تأتي هكذا تشرين
يأتي وإذا كنا
نذكر جيداً أن حرب تشرين قد انطلقت شرارتُها في اليوم العاشر من شهر رمضان، وهو
التاريخ الذي يصادف ذكرى موقعة بدرٍ بين الطلائع الإسلامية، وقوى الكفر والطغيان،
فإننا ندرك الأسباب التي جعلت الشاعر يستدعي بعض المواقع والشخصيات التراثية- في
المقطع الأخير من نص الأطفال والمتنبي - ليضفي على حرب تشرين صفةَ القداسة أولاً،
وليؤكد -ثانياً- على تواصل الحروب بين قوى الحقّ والباطل، فجيشُنا العربي الحديثُ
الذي ردّ الطغيان الصهيوني، عن الجولان الحبيب، مثلُه في ذلك مثلُ جيش صلاح الدين،
الذي دحرَ الغزواتِ الصليبيةَ القادمةَ من أوربا، ولعل الشاعر استمدّ من كتاب الله
الخالد معنى الآية الكريمة: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل
أحياءٌ عند ربهم يرزقون".ومعنى الآية الأخرى: "إن الله اشترى من
المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله، فيَقتلون ويُقتلون
وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا
ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم"(2). يقول سليمان
العيسى(3): أعرفه تشرين
أعرفه تشرين
حدثني عنه
اليرموك وقبر صلاح
الدين حدثني عنه
الشهداء بأعلى
علّيين... إن المتتبع
لأدب حرب تشرين يمكن أن يقف عند لونين من الشعر: اللون
الأول: يتمثل في الشعر الذي قيل إبّان اندلاع المعارك، إذْ نلمسُ شدةَ انفعال
الشاعر، وتأثره الآنيّ بالحدث، وهو يسمع ويرى عمليات العبور التاريخية، تتجسد
لحظاتها في ناظريه، ويتابع الشخصية العربية، وهي تتسلّق أسوارَ الصمت بالصبر
والترقّب، ثم تنطلق إلى دنيا جديدةٍ، تنبثق فيها قيمٌ مغايرةٌ لتلك التي فرضتها
أحزانُ النكسةِ، وإذا كان من الصعب معرفةُ كيفيةِ جريانِ الأمور في لحظات الحرب،
لإعطائها حقها من الصدق في التعبير، فإن من أشرف المواقف للأديب، أن يشارك بنفسه
في المعركة العسكرية، وأن تقف الكلمة والبندقية معاً في خندقٍ واحدٍ، ليغدو الناتج
الأدبي شاهداً حيّاً على إثبات مرحلةٍ، وإثباتِ عصرٍ، وإذا كان الانفعال
العاطفي على أوجهِ في ساعات الحرب، فإن القصيدة التي تنطلقُ على اللسان، والقصة
التي تمورُ في الوجدان، تتعاملان مع زمنٍ متحرّكٍ. ترسم فيه الكلماتُ نبضَ
المقاتلين الذي يخفقُ على أصوات المدافع، وليست قليلةٌ تلك القصائد والخواطرُ التي
انطلقت عفوياً على ألسنة المقاتلين الكتّاب، حتى إذا لم يجدوا ورقاً يكتبون عليه
دَفْقَ مشاعرهم، تناولوا الأوراق التي كانت تَلِّفُ بها القنابل، وأودعوها المشاعر
والأحاسيس: (4).
واللونُ
الثاني: لونٌ هادئٌ، أبدعه الشعراء بعد أن وضعت الحرب أوزارها، اتسم بسماتٍ فنيةٍ
فيها روعة الواقعية، وشفافية الحداثة التي استمدّت نسغها من الأصالة، والتراث، فغذّتِ
الخيال بصورٍ حيةٍ مما اختزنته الذاكرة، وعاينته الأبصار، فجلسَ الأديبُ إلى
أوراقهِ يكتب بهدوء ورويةٍ، فكانت القصصُ والقصائدُ الجديدةُ، وسائلَ الاتصالِ
الواعي التي عملت على إثراء الوجدانِ العربي والعالمي بقصصِ البطولةِ، وقصائدِ
الحبِ للأرضِ والمقاتلين الذين غدوا حقيقةً ناصعةً في تاريخنا المعاصر، وانطلق
الأطفال يمجّدون البطولةَ ويُعْلون شأن الشهادة وهم يردّدون شعر سليمان العيسى:(5)
تبقى أوراقك
خالدة يسقيك دم
الشهداء وغداً نحن
الأطفال نتدفق
كالشلال وحديقتنا
الوطن العربي حديقتنا
الخضراء ... الوحدةُ في
دمنا ياوردة
تشرين يارمز
كرامتنا بجناحك
ضميني تبقى
أوراقكِ ناضرةً تبقى أملَ
الأجيال علمُ
التحرير بأيدينا وبأعيننا
الآمال. وعلى الرغم
من أن تاريخ كتابة القصيدة هذه يشير إلى عام 1973 وأن نشرها ضمن مجموعة شعرية كان
عام 1975 فإن الشاعر الذي امتلك ناصية الفن الشعري قد استطاع أن يتمالك نفسه، وأن
يجمع أفكاره وأخيلته، ويبدع في هذه القصيدة القصيرة، ملحمةً تشرينية تحكي باختصار
سيرةَ الحرب، وتضعُ بين صفحاتِ التاريخ ورقةً عنوانُها حربُ تشرين. لقد كانت فرحةُ
النصر تزغردُ على وجوه الصغار، وتنطلقُ على ألسنتهم بوعيٍ، وبغيرِ وعيٍ، وما أجمل
أن يتحوّل العالم في أنظارهم من جديد إلى عصافير وبساتين حبٍ وألوانٍ وفراشاتٍ
وحمائم وأعشاش آمنة(6): في الغوطة
الغناء قرب العاصمة تبسّمت
عصفورةٌ ملوّحة طارت ونادت
أختها بنغمةٍ
مفرّحة هيّا إلى
ثوارنا فالحرب كانت
لافحة عظيمةٌ
غاراتُنا عظيمةٌ
وناجحة .... تشرين ياذات
الجناح كالوردة
الحمراء يغسلها
الصباح فغرّدي في
ربعنا وسابقي
الرياح فالأرضُ
باتت ملعباً والسور
يحميه السلاح ...... في الغوطةِ
الغناء قرب العاصمة تشرين قال
ضاحكاً وداعبَ
العصفوره بالجملة
الشهيرة والآن
ياحبيبتي الصغيرة طيري
وَعَلّي آمنة وحلّقي
ببيتنا هناك وسط
العاصمة وقبّلي
جدرانه وصافحي لي
ساكنه لقد لعب
الحرب دوراً بارزاً في تعبئة النفوس، وكان المعبّر والمصوّر عما يجول في صدور كتّابه.
فحين حدثت الأزمة والانتكاسة، وأصيب العرب باليأس والإحباط، وران على القلوب غبارٌ
كثيف حجبَ البصيرة، كان العدو في الطرف الآخر يرقص على أنغام انتصاراته، ويشربُ
أنخابَ النصر على أحزانِ انهزامنا، لكن الصورة انقلبت رأساً على عقب، حين أخذَ
العربُ زمامَ المبادرة، وخسرَ العدو، ورأينا أولئك الذين أَخَذَهم جنونُ النصر،
فاعتبروه أسطورةً جديدةً، قد انقلبوا على أعقابهم خاسرين، وأجهشوا للبكاء، حين
أذهلتهم المفاجأة، وعقدت ألسنتهم الهزيمة، حتى قال قائلهم: (7). ما حَدَثَ
قد حَدَثَ حقاً.... ما حَدَثَ
قد حَدَثَ حقاً.... ما حَدَثَ
قد حَدَثَ حقاً.... أعتقدُ بكل
مالديّ من إيمان بأن ما
حَدَثَ قد حَدَثَ حقاً.... ويعترف
شاعرٌ صهيوني آخر بِهَوْل الهزيمة، وكثيرةٌ هي اعترافاتُ شعراء العدو، فيقول في
قصيدة بعنوان (دعونا نبكِ)(8): من فضلكم طالما أن
جراحاً مفتوحةً وطالما أن
الألم هو خبزنا اليومي فدعونا نبكِ
في سرائرنا بهدوء .... نطلب
المغفرة لأن الوسائد
التي نَضَعُ
عليها رؤوسنا في الليل مرطّبةٌ
بدموعنا منذ الصباح لقد أنتجت
حرب تشرين أدباً مغايراً لما كان سائداً من أدب تغريب وتشاؤم، أنتجت أدباً.
تثويرياً في لونيه، الانفعالي السريع الذي رافقَ الحدثَ، الفكريَّ الهادئَ الذي
تَذَوّقَ طعم النصر، ووقفَ على معانيه وأبعاده القريبة والبعيدة، فكانت له
خصوصيتُه وسماتُه التي يمكن إيجازها في النقاط الآتية: 1- إنه أدبُ
فرحٍ وحب واحتضانِ الوطن. 2- أدبُ
تفاؤلٍ يشيعُ الأملَ الواعي، والفكر الإيجابي، بعد سنواتٍ عجافٍ من اليأسِ
والقنوط. 3-
أدبُ شجاعةٍ وبطولةٍ أعاد الثقة بعد الهزيمة، وأثبت في الذاكرة أن الأقوياء هم
الذين يتمكّنون من التحريض على إبداع أدبٍ تثويري. 4- أدبُ
رؤيةٍ مستقبلية، تُعدّ الأطفال ليكونوا عدَّةَ المستقبل، وتغذّي الروحَ والعقلَ
بالقيم الوطنية والقومية. لقد كان من
الممتع جداً لبعض الأدباء من كتّاب الأطفال، أن يشهدوا الحرب ويكتووا بنيرانها،
ويشاركوا في انتصارات الأمة، وأن يمسكوا بأقلامهم، ويرسموا الكلمات والصور على
أنغام المدافع، ولقد كان من الضروري، أن تتعانقَ العقولُ، مع الأخيلة، عقولُ
المقاتلين، وأخيلةُ الكتّاب، فيسوّي المقاتلُ رسمَ الخارطة الجغرافية على الأرض،
ويرصدُ الأديبُ هذه التّحركاتِ العسكريةِ المدروسةِ بعنايةٍ فائقةٍ، فيصوغها في
وثائق من الأدب الحيّ، تعملُ على صياغةِ الواقع الوجداني الاجتماعي وتشكيلِ
المستقبل من خلال تجربةٍ تاريخيةٍ فريدةَ. لقد كنا في
الحرب. ندخلُ مدارسَ الأطفال فنجدُها قد تحوّلت في الجولان إلى ثكنات عسكرية،
نتلفّتُ فيما حولنا. تسبقنا غبطُتنا، ونركضُ فرحين باتجاه الأرض المحرّرة فيركضُ
معنا عشراتُ الأطفالِ العرب في تلك القرى. نركض
ويركضون من دون خوفٍ، وكأننا -نحن المقاتلين الكبار- قد عُدنا أطفالاً، وكأن
أطفالَ الجولان قد خرجوا من القمقم الذي أُرغموا على الانحباسِ فيه مدة سبع سنين،
فانطلقوا إلى ملاعبِ طفولتهم بعد طولِ غيابٍ... يحملون الأعلام السورية يُلَوِّحون
بها، وأمهاتُهم على السطوح يزغردنَ مهلّلاتٍ مكبّراتٍ للنشامى من أحفاد خالد وصلاح
الدين، في اليوم السادس من تشرين الأول عام 1973 العاشر من شهر رمضان المبارك كان
يوماً غرّاً خالداً في غمرة الأيام التي وعتها الذاكرة العربية، وكان غروب ذلك
اليوم غروباً رائعاً على الرغم من أنّه كان معكراً بدخان المدفعية، كنا ننظر إلى
الروابي الخضر، والسفوح الصفر التي تلونت ببقايا الحصاد، ومن خلفها السهول المؤرقة
والقمم التي تكللت بالبياض والتي أضفت عليها تباشيرُ الخريف لمساتها الشاعرية. كنا
ننظر إلى كل ذلك بعيون الحلمِ، فلا ندري أهي الحقيقةُ تسحرُنا بعطاءاتها، أم العزيمة
قد آتتْ أكلَها، وهاهي كل هذه التشكيلات الشاعرية تهتزّ بها الأرضَ بفعل ضرباتِ
مقاتلاتنا الجوية، كنا ننظر إلى الأرض القادمة إلينا. والأطفال يركضون أمامنا
كالدليلين السياحيين الخبراء بالأرض وشعابها، ونستعجل الساعات التي سنعانق فيها
الأهل، ونلثم ترابَ الوطن الذي كان سجيناً. إنها الحرب
المفاجأة المذهلة، كنا نشاهدها بأعيننا، ونسمع أخبارها من مذياعنا الصغير
الذي أجادَ نقلَ أخبار انتصارات رفاقنا في الجبهات الأخرى.. كنا ننظر إلى السفوح
التي تأتلقَ أمام عيوننا فتبكي ونبكي، ونتعانق، وتنهمر دموع الفرح، ونكاد نرى ببصيراتنا
أولئك الأهل الذين ينتظرون خلف نوافذ بيوتهم، فنسمع مع همسات الغروب قصص
الحب وآلام الجراح، ونتلمس لهفة الأطفال للعودة إلى الوطن الأم... وكنا نكتب
على قصاصات أوراق الدفاتر المدرسية رؤوسَ أقلامِ تلك القصص، ونرسم لهفة أولئك
الصغار، ثم نصوغها -فيما بعد- قصصاً وقصائد، ضمتها مجموعاتنا الشعرية والقصصية،
ولن ينسى القلب أبداً لحظات ذلك اليوم الذي أسقطتنا فيه طائرةَ (فانتوم) معادية
قرب (تل الفرس) فهرعنا إليها يسبقنا أولئك الأطفال، ليعملوا فيها أدواتهم الصغيرة
فيصنعون من بعض حطام الطائرة أساورَ وخواتمَ ومساطرَ، ويرسمون فوق ماتبقى من جسمها
أعلاماً سوريةً ويكتبون عبارة الحب للوطن. *أليس في
ذلك أدب وقصة وشعر وذكرى.؟! أجل:
"إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد". صدق الله
العظيم. ...... الإشارات
والمراجع: 1- تجربتي الشعرية
مع الأطفال مجلة الموقف الأدبي، العدد 63، تموز 1976، دمشق. 2- سورة
التوبة، الآية12. 3- مقطع من
النصّ السابق، وهو جزء من عملٍ شعري بعنوان (المتنبي والأطفال) الذي يتألّف من
اثني عشرَ مشهداً، والنصّ من المشهد الحادي عشر. 4- ديوان:
المجد للطفولة. محمد قرانيا. حلب 1980. 5- ديوان:
أناشيد للصغار. سليمان العيسى. اتحاد الكتاب العرب 1975. دمشق. 6- ديوان:
ألعابُنا الحلوة. محمد قرانيا. وزارة الثقافة.1984. دمشق. 7- الشاعر
الإسرائيلي (كلامي) نقلاً عن: "حرب تشرين في نماذج من الشعر الإسرائيلي"،
محمد توفيق الصواف. جريدة الأسبوع الأدبي العدد 581. تاريخ 11/10/1997. 8- المرجع
السابق. |