|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
أقسم أني.. كتبتها ـــ حباب بدوي كانت ترسم صورة مثالية لعالم الأدب عندما قررت أن تكون كاتبة كبيرة تحمل رسالة إنسانية سامية تحقق العدل والحرية والجمال.. وبين تشجيع الأهل وتأييد الأصدقاء لم تترد بعد حصولها على الشهادة الثانوية في دفع أوراقها إلى كلية الآداب مضيفة إلى صورة ذلك العالم ألواناً زاهية وزخارف جميلة تجعله يناسب طموحاتها الكبيرة. وقبل أن تبدأ رحلة الدراسة والبحث فتحت صناديق الحياة وصارت تختار من ألقابها ورتبها ما يلائم كاتبة صغيرة أحبت الأدب وأخلصت له، كتبت يومها مقالة صغيرة توضح فيها أهمية التزام الإنسان بهدف معين وكفاحه من أجله، كانت قد استنفدت فيها كل ما لديها من تعابير وكلمات، ولم تنتظر فترة طويلة حتى قرأت اسمها مدوناً بوضوح في أسفل تلك المقالة في الصفحة المخصصة لأدب الشباب، عندها شعرت أن العالم يضيق بطموحاتها وأمانيها. أقسمت أن تتابع الكتابة متحدية كل الصعوبات التي يمكن أن تعترضها رافعة شعارات كثيرة تؤيد موقفها وتدعم إرادتها، واعدة أن تكتب اسمها ببساطة وعمق كما يفعل العظماء. فتحت دراسة الأدب أمامها آفاقاً واسعة للاطلاع على أعمال الكتاب الكبار من غربيين وعرب، ومابين الدراسة وحلقات البحث والمحاضرات الثقافية التي كانت تقام في جامعتها. استطاعت أن تحصل ثقافة لايستهان بها. صادف أن لمحت بين أوراقها تلك المقالة التي كانت نشرتها لها صحيفة متواضعة أعادت قراءتها لتكتشف أنه كان ينقصها الكثير... تذكرت قاعة الدرس وأستاذها الذي كان يردد دائماً أن الكاتب الحق هو الذي لايكتب الكلمة حتى يتأكد أنها وحدها التي تعبّر عما في نفسه... الكاتب الحق هو الذي يثقف نفسه ثقافة موسوعية.. الكاتب الحق هو الذي يعرف كيف يوظف الجزئيات الصغيرة لتعبر عن الأشياء الكبيرة... كانت شهادة الإجازة في الآداب هي بداية هذه الرحلة الشاقة فقد عادت إلى أمهات الكتب لتطيل المكث بين صفحاتها تسترجع ماقاله الجرجاني والأصمعي وماجاء بعد ذلك على لسان العقاد وطه حسين ونعيمة وغيرهم كثر... أدركت عندها خطورة العهد الذي قطعته على نفسها وراحت تواصل البحث مستفيدة من عبقرية هؤلاء الكتاب في تكوين ثقافة خاصة بها تمكنها من الإبحار في عالم الأدب بقوة وثبات.. ومع ذلك لم تكن الكتابة مسألة سهلة، فقد بذلت كثيراً من الجهد حتى استطاعت أن تنجز دراسة لاتتجاوز بضع صفحات، ما إن أنهت كتابة الحرف الأخير منها حتى حملتها مسرعة إلى صندوق البريد... غداً ستكون على الطاولة، سيفتحها القارئ وهو يتناول قهوة الصباح، ربما لايروق له العنوان، لا بأس لابد أنه سيعجب بالمقدمة... أسئلة كثيرة كانت تتوارد في ذهنها لكنها لم تلبث أن شعرت بالطمأنينة عندما تذكرت الصدى الذي تركته مقالتها السابقة، مع أنها لم تعد ترى فيها مايستحق كل هذا الاهتمام. كانت الجريدة من ضرورات حياتها اليومية تقطع في كل يوم مسافة لايستهان بها حتى تصل إلى بائع الصحف وقبل أن تغادر دكانه تفتح الجريدة تلقي على صفحاتها نظرات سريعة ثم تلفها بنظرة خيبة يتبعها أمل جديد لابد أن تنشر غداً. وبعد انتظار طويل كان مقر الجريدة هدفاً لابد من الوصول إليه لمعرفة السبب وكانت المفاجأة عندما تناهى إلى مسامعها صوت القارئ وهو يقول: -نعتذر.. دراسة معمقة كهذه لايمكن أن تكتبها فتاة ماتزال في بداية الطريق. تتالت كلماتها مسرعة تقدم الأدلة والبراهين على صدقها بينما يقابلها ابتسامة باردة تردد العبارة ذاتها.. لايمكن أن تكتبها فتاة ماتزال في بداية الطريق... أدارت ظهرها ومشت بخطى متثاقلة نحو الباب الخارجي كان الشارع يزدحم بالمارة والبائعين والحافلات.. لكنها لم تكن تسمع سوى عبارة واحدة.. لايمكن أن تكتبها فتاة ماتزال في بداية الطريق... تذكرت كثيرات من الأديبات اللواتي شهد لهن كبار النقاد بالبراعة والعبقرية. لماذا إذن ينكر عليها هؤلاء حقها في المحاولة؟ هل عليها وحدها أن تتحمل أعباء الأفكار التي يظنها بعضهم صواباً لا يأته باطل أبداً؟ هل تتراجع؟... من المؤكد أنها لن تستطيع التراجع بعد أن قطعت هذه المسافات الطويلة باتجاه طموحها. وإذا أرادت أن تستمر.. ترى هل عليها أن تكتب مقالات عابرة تليق بفتاة ماتزال في بداية الطريق؟... كانت خطاها تقودها نحو المنزل القديم الذي تقطنه مع عائلتها الصغيرة. وما إن وصلت حتى دخلت مسرعة إلى غرفتها، جلست طويلاً خلف الطاولة قلبت أوراقها بهدوء... أخرجت نسخة من الدراسة التي كانت قد كتبتها، وضعتها في ظرف جديد، كتبت عليها عنواناً جديداً، وقطعت على نفسها عهداً جديداً. أقسم أني كتبتها... وأقسم أني لن أتراجع عن الكتابة حتى نهاية أحرفي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |