جريدة الاسبوع الادبي العدد 678 تاريخ 2/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

رحماكَ أيها الموت... ـــ د.وليد مشوَّح

حتى أنتَ يا صديقي...

وترحل دون أن تلوّح لنا تلويحة وداع وكأنك -على عادتك- ما أردت أن تثقل علينا بفجيعة أخرى وأنتَ أدرى بواقع قلوبنا التي أوهنتها المصائب وأضنتها الأحزان..

ما عهدتك يا أبا الوجد تتسلل منسحباً من معركةٍ كنتَ في طليعتنا ونحن في غمارها.. معركة الدفاع عن اللغة العربية التي كانت مشيمتك في البدء وكفنك في النهاية.

أجل يا مسعود هي عليك هذه المرّة ولأول مرة تتركنا نواجه قاتليها بمفردنا، فلا تبتئس أيها الراحل الجليل الجليل لن نتركهم ينالون منها أو التحقنا بك شهداء في سبيل ديمومتها وخلودها...

فيا أيها الهادئ الساطع كقمر صحرائنا، الشفيف الدؤوب كنوارس بحرنا، الشامخ المقتدر- كقمم جبالنا لن نفتقدك لأنك فينا في كل حنيّة من حنايانا موقف لك، ورأي يقوّم وهننا هنيهات الوهن في وسط الموقف إذ يجئنا صوتك هادئاً حانياً: دونكم القيم.. فحذار الوهن لأن التراب لا يموت، فهو أبداً ملاعب جذور الصفصاف والسنديان.

مسعود.. يا راحلاً في سماوات ذهولنا، لمن سنرجع عندما تنده اللغة العربية بلسان جبريل من فوق منبر النبي العربي الهاشمي: الجذور الجذور...

مسعود.. قلوبنا تتوزع على السارية- الراية فقد تساقط الفرسان من حامليها، وانشغل القلب بهمّ حملها لذا توزعت اليدان، واحدة تمشُّ وشلاً من دمع تحدّر عنوة من المآقي التي تملّحت زمن الفجائع هذا؛ وأخرى تداري وجيب القلوب التي انفطرت وما عادت تتحمل وقع الألم إذ يستمر الرحيل وتتكاثف المآسي.

فيا أيها الصديقُ الصدوقُ، الواضح النقي، الهادئ الرزين، أوجبت علينا الزفرات أن ننحني لمواطن كنتَ فيها، فوجبت علينا صلاة القهر في رحاب الموسوعة العربية التي مضيت فيها بصبر واقتدار وإرادة حتى أثمرت بِكرها ووعدتنا بالمزيد حتى تقف المكتبة العربية على دعائمها لتشرق الحقائق...

وجبت علينا صلاة التهجد في حرم الجامعة إذ ينتظر طلابك المتعطشون للمزيد من علمك، فيمضهم الانتظار، ويضنيهم الغياب فيهزون جذوع النخل يَسَّاقط عليهم فُقداً وحرماناً وغياباً.

وجبت علينا الصلاة في مجالس العلم وسوامر الثقافة ومنتديات الفكر نحن زملاءك الذين شلَّ التعب أيمانهم وهم يودعون أحلاماً ومواعيد وخططاً وملتقيات لصون اللغة من غائلاتها والفكر من كبواته، ويقسمون على نور الحرف بأن يظلوا على الدرب أوفياء لما تعاهدوا عليه.

مسعود... أيها الحامل وجع الكلمة وعناء الأبجدية.. كيف مضيت هكذا تاركاً عملاً انتظرنا منك إنجازه نحن المتعجلين لاستقبال رحيق صبرك...

لن ننوح عليك فأنت خالد فينا، أنّى تلفت القلب يجدك باسماً تحيينا، وسنختصر فيك أحزاننا الماضيات؛ فنختار أعذب الشعر وأنقاه وأشجاه لنودعك به، وكأنما تجمع فيه كل الأحبة الذين مضوا:

يا قبور اللّدات كل شقيق

 

 

حاضن في الثرى أخاه الشقيقا

وسعت هذه القبور همومي

 

 

كيف تشكو، وهي السماوات__ ضيقا؟

مقلتي يستحم في دمعها الطيف

 

 

وتحنو فلا يموت غريقا

رحماك أيّها الموت... تخطفتهم سريعاً... فتركت أرواحنا تهيم في مهامه الوحشة والأسى، فأرسل عرباتك يا قطار الرحلات الأبدية كي تأخذنا إليهم نتقاسم الترب الذي وفرّوه، كما تقاسمنا الكاسات والأحزان والمواجد هنا...

رحماك أيّها الرحيل المرير الحزين لم تترك لنا زوّادة نداري بفتاتها الانتظار.. انتظار عودة الصواري وهي ترفع أشرعتها حين عبورها الأفق، فتضج الكتب ويندب الإبداع وتشهق اللغة العربية وهي تسبّح بمجدهم أولئك الذين عمدوها بأنوار عيونهم فمضوا دون أن يتركوا ومضة قلب إلا اهتدى بها معنى، ولا خفقة روح إلا قام عليها كيانُ مبنى، فتواصلوا على الطريق لتظل الأم؛ أم اللغات في ملكوتها...

وأنتِ أيتها القبور.. يا مراقد الأحبة التي ضاقت بها الأرض وقصّرت عنها الصفائح، فباتت تنحفر في قلوبنا وتتغطى بأرواحنا نحن الأحياء المنتظرين نقول برجاء: ترفقي بأجسادهم الطاهرة فهي لم تقبل غدرات الزمن، ولا طراوة المبادئ، ولا انحناءات القيم، ولا زيف الأنواء والأضواء....

ولا يسعنا هنا وقد استعرنا دموع البدوي الشاعر، إلا أن نختتم بمواجد البدوي الشاعر عندما طوّفت أحزانه على قبور لداته فقال:

أفدي القبور التي طاف الرجاء بها

 

 

يا للقبور غدت تُرجى وتُفتقد

مصارع بعطور الحق زاكية

 

 

كأنما سكبوا فيها الذي اعتقدوا

مسحتُ دمعيَ من ذكراهم بيدٍ

 

 

وأمسَكَتْ كبدي، ألا تذوب يدُ

وها نحن نمسح الملح عن عيوننا نعدكم أيها الأحبة أن نلتقي في رحاب الحق والسرمدية...

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244