|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
مصداقية الانتماء ـــ حسين حموي حين يشعر أحدنا أن بيته محاصر بالنيران، أو مهدد بأخطار خارجية؛ يستنفر قواه الداخلية، وأبناءه، ويحاول ردّ تلك الأخطار بالوسائل الممكنة، ليدفع عنه وعن أبنائه كيد النار والمخاطر. وحين تتسع دائرة الخطر، لتشمل الوطن كله؛ يستنفر الوطن أبناءه على اختلاف أعمارهم، وأفكارهم، وأعمالهم للدفاع عن بيتهم الكبير (الوطن) الانتماء الأول والأخير الذي يفوق أي انتماء، والمصداقية في هذا الانتماء لا تتأتى من خلال الأقوال المنطوقة، أو الكلمات المكتوبة أو الشعارات المرفوعة، بل من خلال الأفعال والممارسات والسلوكات الاجتماعية والسياسية التي يؤديها الفرد مع الآخرين على اختلاف مشاربهم، بما يرضي الذات، والضمير، ويحقق مصداقية هذا الانتماء. فالوطن ليس لشخص، أو فئة أو طائفة، أو عشيرة، والوطنية لا تُمنح من هذا الفصيل، أو هذه الفئة لمواطن آخر من الدرجة الثانية؛ بل هي وعي لمسؤولية الإنسان تجاه وطنه وأمته وشعبه وترجمة هذا الوعي إلى انتماء فعلي وليس سياحياً بالوطن وقضاياه، ثم إلى سلوك ومواقف تؤكد مصداقية هذا الوعي والانتماء. إننا حين نقرأ صفحات التاريخ البعيد والقريب، ونقف عند بعض الأسماء التي كان لها آثار بصمات واضحة في كتابة هذا التاريخ؛ سواء على الصعيد النضالي الفكري والسياسي، أو على الصعيد الكفاحي ضدّ الاستعمار بجميع أشكاله. أو على الصعيد الاستشهادي ؛ فإننا نجد مصداقية الانتماء الوطني والقومي، ليست محصورة في بلد معين، ولا في فئة معينة، ولا في عشيرة معينة، بل في جميع أبناء هذا الوطن على اختلاف مذاهبهم، وأفكارهم، ومناطقهم. فالوطن لجميع أبنائه، والأبناء البررة المخلصون لأوطانهم؛ هم الجديرون بالانتماء إلى أبيهم وأمهم الوطن. والجميع معنيون بالدفاع عنه عندما تتهدده الأخطار أو تحيق به الخطوب والمحن. ويتوجب عليهم جميعاً بلا استثناء افتداءه بالمهج والأرواح، ومداد القلوب، عندما يناديهم للتضحية والفداء. أما الذين ينصّبون أنفسهم مخاتير للنضال، والوطنية، والبذل والعطاء بالكلام فقط، ويوزعون شهادات الوطنية واللاوطنية على هواهم، فهؤلاء أبعد الناس عن مصداقية الانتماء لهذا الوطن. إذا لم أقل هم أعداء له فيما يمارسونه من أفعال تفتت عضده وتضعف التواصل، وأواصر القربى، والوحدة الوطنية بين شرائحه العريضة. وإذا كان من أمرٍ يعتز به، أبناء سورية التاريخ والحضارة؛ هو هذه الوحدة الوطنية الراسخة الشامخة كالطود في وجه الأعداء على مرّ العصور. إن قراءة سريعة للتاريخ البعيد والقريب. وللأسماء المضيئة التي ساهمت بشكل أو بآخر في صياغة هذا التاريخ. تؤكد رسوخ هذه الوحدة الوطنية، ومصداقية هذا الانتماء في مقاومة الاستعمار العثماني، ثم في مقاومة الاستعمار الفرنسي، وأخيراً في الحروب والتضحيات التي قُدمت على مذبح الحرية والكرامة في تشرين التحرير. وحرب الاستنزاف التي دامت قرابة ثلاثة أشهر على الجبهة السورية، وما كان لها أن تتوقف لولا الواقع العربي المفكك، والمتغيرات الدولية التي انعكست سلباً على الأمة العربية في صراعها مع العدو الصهيوني. وعلى الرغم مما أصاب حرب تشرين من ارتكاسات، وتشوّهات، وما أعقبها من اتفاقات سرّية وعلنيّة، فلا تزال تشكل ملمحاً من أهم الملامح المشرقة في تاريخنا المعاصر ليس فقط من حيث امتزاج الدم العربي في مشرق الوطن العربي ومغربه على أرض سيناء والجولان، وإنما من حيث أنها كانت منعطفاً في الحياة العربية، والتعامل العربي مع الغزو الإسرائيلي؛ إذ كانت المرّة الأولى في تاريخ صراعنا مع هذا العدو التي ينتقل فيها العرب من الدفاع إلى الهجوم، ويمسكون فيها زمام المبادرة، كما أنّها المرة الأولى التي يظهر فيها المستوى المتميز للجندي العربي، تنظيماً وتدريباً وبسالة، ولم تستطع دعاية الأوساط الصهيونية، وحلفائها أن تحجب عن العالم هذه الحقيقة. إن البطولات والتضحيات التي برزت في تشرين، ستظل في الذاكرة العربية مع كل جيل، "مهما انقضى من الزمن، ورغم كل أعمال الخيانة والغدر والتآمر على ذلك العمل التحريري العظيم الذي قامت به قواتنا المسلحة ببطولة فذة، وبالأداء المشرّف" في جميع التشكيلات، والاختصاصات، ومن جميع أبنائه المخلصين المضحّين في سبيل عزته، وشموخه، وهذا هو الانتماء الحقيقي للوطن الذي لا يعلو عليه انتماء. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |