جريدة الاسبوع الادبي العدد 679 تاريخ 9/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

سجل السوابق ـــ د.علي عقلة عرسان

في لقائه مع وزير الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين يوم الخميس السابع من تشرين الأول 1999 قال رئيس الكنيست الصهيوني إبراهام بورغ: " على الرئيس حافظ الأسد إذا أراد تسوية تعطيه مثل ما أخذ السادات أن يقوم بما قام به السادات فيأتي إلى الكنيست الإسرائيلي." وقبل أيام قال رأس الكيان الصهيوني عزرا وايزمن مخاطباً رئيس وزرائه باراك : "لا ينبغي الركض خلف الرئيس الأسد من أجل التسوية والمفاوضات فنحن لدينا اتفاقيات مع مصر والأردن والفلسطينيين وإذا أراد أن ينضم لهذه التسوية والاتفاقيات فليلتحق بها " !؟ ويوم الخميس 7 /تشرين الأول 1999 قرر باراك : " "ضمَّ هضبة الجولان إلى خريطة مناطق التطوير "أ" ، قائلاً : ستكون الجولان منطقة أفضلية قومية، ويجب الإصغاء باهتمام لمطالب وحاجات السكان هناك" ، حسب تعبيره؛ ومنذ أيام والطائرات الصهيونية المعادية تكثف من قصفها لمناطق الجنوب اللبناني في تحول تكتيكي يوحي باستراتيجية عمل جديدة. ويأتي هذا كله في إطار حملة تصعيد إعلامي وسياسي وعسكري، ربما تبدو غريبة ومريبة، في الوقت الذي يتم فيه حديث عن استئناف المفاوضات ، ويبذل جهد أميركي على مستوى الرئاسة من أجل تحريك المسار السوري اللبناني، ويعلن الملك عبد الله الذي يتحرك أيضاً في هذا المجال، وهو يحط رحاله في واشنطن حاملاً معه فيما يحمل رسالة من الرئيس صدام حسين إلى الرئيس كلنتون: أن " الطريق لن تكون قصيرة على المسار السوري الإسرائيلي، والمفاوضات تتقدم أكثر مما يبدو في الظاهر ".‏

فلماذا تسير الأمور على هذا النحو بعد أن كان باراك مهتماً بإنجاز خطوات على المسار السوري اللبناني تسمح له بسحب جيشه الغارق في وحل الجنوب اللبناني قبل شهر حزيران 1999 كما وعد ناخبيه، وهو أمر لا يمكن أن يكون سليماً من وجهة النظر الإسرائيلية، ما لم يقترن بمباركة سورية تمهد لنوع من الاطمئنان لترتيبات أمنية ملائمة في الجنوب تحد من توغل حزب الله والمقاومة اللبنانية في شمال فلسطين المحتلة، كما يطلب الكيان الصهيوني ويتمنى؟! ولماذا هذا الانقلاب المفاجئ في التكتيك الصهيوني عشية تلويح كلنتون بزيارة المنطقة لدفع عملية السلام إلى الأمام؟! ولم هذه الحدة في الخطاب والرغبة في التشدد والاستنفار الصهيوني العام؟!‏

لا يمكن الاكتفاء بربط ذلك بما طرحه بعض الساسة العرب/ أسامة الباز/ أمام الإسرائيليين من كلام عن الوضع الاقتصادي المتردي في سورية وأنها حين تضطر للانسحاب من لبنان بعد انسحاب " إسرائيل " منه سوف تزداد الأوضاع الاقتصادية فيها سوءاً ، ولذلك هي في مأزق وهناك متغيرات واحتمالات؛ ولا بترديد قول أحد المسؤولين الأميركيين الذين يركزون على تقديم صورة مهزوزة لسورية حين يقولون: " إنه من السحر أن نرى دولة مفلسة فقدت جميع أوراقها التفاوضية تستطيع أن تشدد مطالبها فيما يتعلق بالشروط المسبقة؟!". والسائرون في هذه الطريق يرمون إلى تشجع الإسرائيليين على التشبث بمواقعهم ومواقفهم المتشددة والعودة إلى الاسطوانة القديمة المشروخة،التي يلخصها القول: الموافقة على " انسحاب في الجولان ، وليس من الجولان".‏

إن لهذا كله معانيه ومدلولاته وأسبابه الأبعد، على الرغم من أنه قد يبدو غريباً كما أسلفت في ضوء الجهود المكثفة والتصريحات المتفائلة التي يصدرها مسؤولون هنا وهناك. وليس لنا أن ننظر إليه إلا على أنه جزء من حملة ضغط مكثفة وواسعة النطاق ذات أهداف محددة في ظروف معينة، تقوم بها أوساط " إسرائيلية " وصهيونية وأميركية وعربية متعاونة مع تلك الأوساط، ضد سورية؛ لجعلها تخفف من سقف مطالبها في الجولان، لا سيما بعد أن حملت عناصر من الإدارة الأميركية مطالب تفصيلية سورية إلى الكيان الصهيوني بشأن حدود الرابع من حزيران، فبدأت " صحيفة يديعوت أحرونوت الحملة بالقول: " إن الرئيس الأسد يشدد مطالبه المتعلقة بالأراضي فهو يطالب بكيبوتز "عين جيف" الواقع على الضفة الشرقية من بحيرة طبريا.. إن السوريين يريدون أن يكون لهم وجود على طول الضفة الشرقية من بحيرة طبريا وهذا ما يعيق استئناف المفاوضات. " / عن وكالة الصحافة الفرنسية 29/9/1999 /.‏

ولأن سورية منذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها المفاوضات على أساس القرارين 242 و 338 بعد مؤتمر مدريد، الذي أصبح من مرجعيته مبدأ "الأرض مقابل السلام" استناداً إلى القرارين المشار إليهما، تمسكت بضرورة أن تنسحب "إسرائيل"حتى حدود الرابع من حزيران 1967 ، وفي ذلك حكماً انسحاب من منابع نهر بانياس والضفة الشرقية لبحيرة طبريا والحمة وبقية الشريط الذي يقدمه الإسرائيليون على أنه حدود دولية، هي حدود "سايكس ـ بيكو" التي لا يأخذ بها أحد من العرب السوريين على الخصوص، وفي ما يتضمنه أيضاً حق الوصول الطبيعي إلى مياه البحيرة التي تشكل مصلحة حيوية لسورية؛ لأن ذلك كان كذلك، فإنه من المستهجن أن يرى الأميركيون أو الإسرائيليون في هذا تصعيداً سورياً للمطالب السورية أو تشدداً فيها.‏

وربما يشي هذا الوضع التصعيدي الجديد / عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً وإعلامياً/ بقراءة صهيونية جديدة للأوضاع في ظل إمكانيات وتطورات ومعطيات واحتمالات يراها قراؤها، من الباحثين والاستراتيجيين والإعلاميين والساسة، تفضي إلى خطط ملائمة لقضم مزيد من الأرض والحق والإرادة في وطن العرب، استناداً منها إلى: أوضاع عربية متردية، ودعم أميركي "لإسرائيل" بلا حدود سوف يصل بعد أقل من خمس سنوات إلى تزويدها بالجيل الأحدث على الإطلاق من الأسلحة الحديثة، حيث لن يلحق بها من بعد أحد مطلقاً كم يقولون؛ واستناداً منها أيضاً إلى إنجازات " إسرائيلية " متقدمة في مجال التقنية والتسلح وامتلاك مواد وأدوات وإمكانيات تساعد على تطوير القدرات العسكرية ذات القوة التدميرية الشاملة؛ فقد جاء في تقرير أميركي حديث : "أن إسرائيل تملك 300 ـ 500 كغ من مادة البلوتونيم المشعة، مما يسمح لها بإنتاج 250 قنبلة نووية/ وهو سادس أكبر مخزون من البلوتونيوم في العالم.". وهي ترفض الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولا يوجد أحد من القوى الكبرى يجبرها على ذلك، من الذين يزعمون بأنهم يهتمون بالقضاء على انتشار الأسلحة ذات القوة التدميرية الشاملة، اللهم إلا إذا كان أولئك عرب أو مسلمون، فهم يتابعون عمليات التفتيش الدقيقة والدائمة في دنيا العرب عمن يمكن أن يملك فكرة قابلة للتجسد في هذا المجال ولو بعد مئة سنة من الآن ليقضوا عليه وعلى فكرته في المهد. ويكتفون من " إسرائيل" بقولها: "إن عدم انتشار الأسلحة النووية في المنطقة هو من صلب عقيدتها وهذا يكفي ..!؟" و" إسرائيل " تعني فعلاً ما تقول وهم يدركون ما تعنيه جيداً: ففي صلب عقيدتها ألا يملك أحد سواها في المنطقة أسلحة نووية!؟!‏

ربما يشي هذا الوضع برغبة "إسرائيلية" في التملّص من الموضوع برمته، استناداً إلى اتفاقيات عربية ـ " إسرائيلية " تتسع، وتنازلات عربية تترى، حتى عن القدس وحق الفلسطينيين في العودة ، وتمزّق عربي يزداد ترسخاً، وعلاقات عربية مع العدو تعود إليها الحيوية ، وإنذارات أميركية صهيونية على لسان أولبرايت وجِّهت لعدد كبير من الدول العربية بضرورة تطبيع علاقاتها مع " إسرائيل" بعد توقيع اتفاق شرم الشيخ مع السلطة الفلسطينية، وهزيمة عربية منكرة تلو هزيمة منكرة حتى أمام " والت ديزني" وسماسرتها من العرب!؟.‏

والرغبة في التملص مما كان يشار إليه على أنه وعد رابين بالانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران 1967 ، وهو ما يشكل النقطة التي توقفت عندها المفاوضات في واي بلانتيشن 1996 وما تصر سورية على استئناف المفاوضات منها، لأن السيادة على الجولان تاريخية ولا يتم التفاوض على السيادة والأمور السيادية؛ تلك الرغبة في التملص أمر قائم ومستمر، وتعد مدخلاً لتخفيف سقف المطالب السورية من جهة ولفصل المسارين السوري واللبناني أحدهما عن الآخر، إن أمكن، من جهة أخرى. وهو الحلم الصهيوني الأميركي العسير المنال .‏

وربما لهذا يكثر الكلام عما ُسمي " وعد رابين" وتكثر التناقضات حوله، ولنا أن نتساءل : لماذا التناقض في أقوال الإسرائيليين أنفسهم حول ما تم بين رابين وكريستوفر حول موضوع الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران، أهو بحكم الخلافات الإسرائيلية الداخلية، أم هو لتضييع الآخرين !؟ أم لامتحان الموقف السوري والذاكرة السورية!؟‏

لا يمكن إنكار الاختلاف والتناقض ، ولكن لا يمكن في الوقت نفسه قبول أكاذيب شمعون بيريس الذي يسأل دائماً : " إذا كان الرئيس الأسد قد تلقى وعداً بذلك من رابين فلماذا لم يتم اتفاق وتوقيع.. لماذا لم يوقع"!؟ السبب في السابق والحالي واللاحق فيما يبدو هو الطبيعة الصهيونية الغادرة، التي بينها وبين الوفاء بأي التزام من أي نوع قطيعة خُلُقية،وتراها مستعدة في أي وقت لنكث ما وعدت به إذا ما تبدَّى لها بصيص قوة أو منفذ لكسب المزيد مما لا يتوقف عنده الطمع اليهودي المعروف تاريخياً عند حدود.‏

في موضوع ما توصلت إليه المفاوضات في واي بلانتيشن، أو تدقيق وعد رابين لكروستوفر بشأن الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران، ولماذا لم يتم التوقيع على اتفاق، قال أرئيل شارون: " إن رجال الدولة في الولايات المتحدة نصحوا إسحق رابين وبنيامين نتنياهو بعدم الاستعجال كثيراً للوصول إلى اتفاقية سلام نهائية مع سورية في الوقت الحالي وشرحوا لهم بأن تغيرات هائلة ستحدث في سورية مستقبلاً وبالتالي فإن إسرائيل عندها ستصبح من دون سلام ومن دون مرتفعات الجولان." / جيروزالم بوست 2/10/1999 / هذا هو السبب كما يبينه شارون. وربما هناك ظروف يراها الصهاينة ملائمة الآن وتساعد على تجديد النصيحة والأخذ بمضمونها، ولذلك تقوم حملة التشدد الصهيوني من جديد!!.‏

وفي متابعة لبيان التناقضات حول الموضوع نشير إلى ما قاله داني ياتوم في 3/10/1999 لإذاعة الجيش الإسرائيلي، وهو الذي كان ملحقاً عسكرياً لرابين في الولايات المتحدة الأميركية، قال: " رابين لم يقطع أي تعهد رسمي للأميركيين أو للسوريين بانسحاب كامل من الجولان."، وقال ياتوم للإذاعة الإسرائيلية يوم 4/10/1999 : " إن رابين قال في حينه: إنه بعد التوصل إلى سلام يضمن جميع العناصر ومنها الأمن والمياه فإنه سيكون على استعداد لدراسة احتمال الانسحاب.. وأنه ثمة تسجيل دقيق للمحادثة التي جرت في حينه بين رابين وكريستوفر. ". وجاء في تصريحات شمعون بيريس قوله: " .. نحن نعرف ماذا قال رابين لكريستوفر وليست هناك أمور مسجلة ومدونة." والتناقض بين أقوال داني ياتوم وشمعون بيريس واضح تماماً. وسورية على حق عندما تؤكد ما تم الاتفاق عليه في واي بلانتيشن، وأنه لم يتم التوقيع لأنه لم يتم استكمال للأمور المدرجة على جدول أعمال المتفاوضين.‏

ولسنا بحاجة إلى مزيد من الأدلة على الطبيعة الصهيونية التي تكيِّف الحقائق والوقائع والقيم والأخلاق بما يخدم المصالح والنهج العنصري والمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني. ونؤكد مع باحث صهيوني مختص بالشؤون السورية هبَّ ليشارك في الحملة الصهيونية الحالية هو إيال زيسر، نؤكد معه قوله:" الأسد لن يخفف من ثمن السلام " ونضيف إنه لن يذهب إلى الكنيست مستجدياً حق الشعب العربي السوري في أرضه من إبراهام بورغ وبقية القتلة والإرهابيين في الكيان الصهيوني الملطخ بأجمعه بدماء العرب الأبرياء. وليس لحافظ الأسد سجل سوابق السادات، لكي يطالبه بورغ بالسير على خطاه، ولن يكون له ذلك السجل.‏

وعلى الصهاينة أن يدركوا جيداً: أن أرضنا ليس مما يمكن التنازل عنه لقوة الاحتلال ، وإرادتنا ليست مما يُثْلَم ويستسلم على الرغم من الضغط والشدة وارتفاع التكاليف، وأن من ينشد حقاً وتحريراً وحرية وكرامة ، يتحمل تبعة ما يرفع من أهداف، ومن يحمل شرف الانتماء لأمة العرب وتاريخها وعقيدتها، ويرفع أهدافاً قومية سامية،ويؤمن بالله والوطن، لا يمرِّغ شرف أمته بالوحل، ولا ينحني لغير الله.‏

دمشق في 8/10/1999‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244