جريدة الاسبوع الادبي العدد 679 تاريخ 9/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

بجماليون على باب المدير ـــ حمدي موصلي

* لستُ أدري ماذا أقول؟... صدقوني‏

لحظتها تذكرت فقط، من أنا ومن هو... ومن هم؟...‏

أبوه فلاح طيب الخلق، جميل المعشر، استصلح أرضاً جبلية وحوّلها إلى أرض زراعية وحفر فيها بئراً صغيرة، كان ذلك قبل أكثر من ربع قرن. كان والدي موظف محترم (ابن حكومة)... كما يقال، والموظف يومذاك، عملة صعبة وقمة بالأخلاق والطيبة والتفاني في خدمة الناس والعمل.‏

رغم راتبه العادي، كان يكفيه بطريقة أو بأخرى، وأحياناً يتحايل عليه ويخفي جزءاً يسيراً منه، يستعمله وقت الشدة. لم يكن لدينا تليفون أو تلفزيون، وحتى لوكان لدينا تلفزيون، فالبث لم يكن قد وصل المدينة (البلدة) بعد، وكانت دارنا بالأجرة، أما أسرة صديقي فكانت تقطن القرية القريبة من المدينة (البلدة)... مجرد كيلو مترات قليلة تفصل بينهما وعلى صديقي قطعها يومياً للذهاب صباحاً والعودة مساءاً من المدرسة الثانوية الوحيدة يومذاك، وكانت وساطة النقل التي يستعملها إما (بوسطا) عابرة أو على حماره الذي يصطحبه وقت المطر الغزير وانقطاع السير، أما حماره فيقضي طوال نهاره ينتظر مربوطاً إلى جذع شجرة سروٍ في البستان المجاور للمدرسة...‏

كانت لنا أحلامنا... كنا نتحدث وبجرأة عن الحرية والإقطاع والاشتراكية عن الصراع الطبقي، وعن الأحزاب والسياسة والاصلاح الزراعي وعن فلسطين والمقاومة وحرق الأقصى وعن الرجعية وملوك النفط،وكثيراً ما يطيب لنا الحديث عن المرأة والجنس والقوادين وأنصاف العاهرات وعن النهر والفيضان وعن التهريب والجنائية وأولاد الحرام وعن المقبرة والاجتماعات السرية والطقوس المعتادة التي نمارسها وعن المشيخة والشيخ عباس والححب والأشربة السرية والتكايا والمضافات وسيارات الشفر واللاندروفر والخيل والثأر وأسلحة البورنو والهشكيز وحرس الحدود التركي ... ويطول بنا الحديث عن (بجماليون) الحكيم، وسارة العقاد وسكرية محفوظ وبردة شوقي وطفولة نهد القباني وكافكا وسارتر وتشيخوف وبيكيت وآنوي وبريخت...و... و...‏

- عفواً.. بجماليون.. عفواً صديقي الذي كان؟!... كان يحب بجماليون.‏

- من هو بجماليون..؟‏

(بجماليون).. أسطورة يونانية قديمة، تحكي أن نحاتاً يدعى (بجماليون)، صنع تمثالاً لامرأة جميلة ساحرة، سماها (جلاتيا) ولم يلبث أن هام بها حباً وعشقاً.‏

وقد استغل هذه الأسطورة الكثير من الكتاب العالميين مثل الايرلندي (برنارد شو) وتوفيق الحكيم عند العرب وآخرون... وبرنارد شو، كان من أصل بورجوازي نبيل، لكنه كان مؤمناً بالعدل الاجتماعي بين المواطنين وساهم مساهمة فعّالة في تحطيم الفوارق الطبقية بين الناس، ولقد انعكس ذلك في مسرحيته(بجماليون). حيث نجد. بجماليون في المسرحية أستاذاً ارستقراطياً في إحدى الجامعات يلتقي ببائعة زهور في الشارع فيدرك أنها تتمتع بذكاء وحسن استعداد، فيأخذ على عاتقه تعليمها (آتي كيت) الطبقة البرجوازية الأرستقراطية وطريقة الحديث التي تتحدث بها، حتى تصبح من فتيات الصالونات في لندن. وهو بذلك استطاع أن يخلق هذه الفتاة خلقاً جديداً، كما صنع بجماليون تمثال (جلاتيا) من العدم ثم يحب الأستاذ الجامعي الفتاة التي صنعها ويعرض عليها الزواج ولكنها ترفض، لأنها لا تريد أن تربط حياتها بطبقته التي تقوم على المظاهر الكاذبة، وتفضل الزواج من سائق "تاكسي" لأنها ستجد سعادتها معه.‏

و(برنارد شو) في هذه المسرحية يقول لنا: إن الفوارق الطبقية بين الناس ليست إلاّ فوارق مصنعة يسهل على أفراد الطبقة الشعبية تحطيمها...‏

- تحدثت عن أنا وعن هو... فماذا عنهم؟...‏

الذي كان صديقي،. أصبح بقدرة قادر مدير... وبدأ مثل أمير في طلّته وحلته... يدخن السيجار في غرفٍ مكيفة، في مكتبه وعلى يمينه عدد من الهواتف مع "فاكس" دخل مؤخراً، وعلى يساره تلفزيون(24) بوصة ملون مع جهاز تحكم وآلة تسجيل ياباني و(أنترنيت قادم)...وسيارة له وأخرى للعائلة الكريمة.‏

- في مسرحية (غريغور غريغورني)... الطريق إلى الشهرة... وعلى لسان بطلة(هيروسترات) يقول: أنا هيروسترات... مواطن حر من مدينةٍ "آفس" عمري اثنان وثلاثون عاماً.. تاجر أسماك وصوف وخضار عندي ثوران وعبدان...بعد إفلاسي بصقت على مهنتي وأصبحت مجرماً محترفاً، حارقاً للمعابد ودخلت السجن(؟)...‏

- المراجعين أمام مكتبه كثيرون، هذا يتوسل وآخر يبكي وثالث يشتم والجميع لا حول لهم ولا قوة...‏

مرة ومن أجل امرأة عجوز ألمت بها مشكلة ولا تحل إلاّ عنده حصراً، ومع أني أكره لقاءه والدخول عليه، وجدت نفسي حيال هذه المشكلة مضطراً للدخول.‏

- عند مدير مكتبه انتظرت ومعي العجوز، زهاء ساعتين، وبعد ذلك خرج مدير مكتبه من غرفة المدير ليقول: آسف... المدير اضطر للخروج من المكتب ولديه اجتماع عاجل.‏

ضج المكتب بما فيه من مراجعين لدرجة اضطر المستخدم ومدير المكتب ومن معه من الموظفين، استخدام العضلات لإخراج المراجعين.‏

- على كل حال لم يزعجني أحد منهم، بل على العكس اعتذروا لي قائلين: في الغد ينتظرك المدير... أستاذ.‏

وبفضول سألت مدير المكتب...‏

- أستاذ... لم أره يخرج؟!‏

- لقد خرج من الباب الثاني... قال مدير المكتب وابتسم...‏

ثلاثة أيام ونحن على هذه الحال، والمرأة العجوز ترافقني، وفي كل مرة يغادر المدير المكتب من الباب الثاني... وفي اليوم الرابع دخلت مكتبه الفاخر لأول مرة... كل شيء يوحي بأبهة مترفة.. باردة... أثاث وكراسي (أرابيسك) وزهور...و....و...؟!‏

بقينا واقفين لحظات طويلة ساكنة ننتظر من يقول لنا: اجلسا أو ماذا تريدان؟‏

تابعت استطلاع المكان بتفاصيله وبرغبة دفينة، وجدت على المكتب سيجاراً مازال ينفث دخاناً ويستقر على منفضة بلورية مزخرفةٍ، وكأساً من الزهورات وأخرى للماء...‏

- إذاً... المدير موجود... قلت لنفسي...‏

ونحن مازلنا واقفين، دخل علينا ثانية مدير المكتب وقدم لنا كأسين من الشاي وأشار قائلاً: اجلسا... دقائق قليلة ويكون السيد المديرهنا... مرت دقائق وساعة وساعتان وثلاثة... ونحن نأمل أن نقابله... إلى أن دخل علينا وللمرة الثالثة مدير المكتب ليقول باعتذار: آسف... السيد المدير يعتذر..‏

- سألت بانفعال... لكن السيجار مازال يحترق؟‏

- في الغد ينتظركم ... أجاب بهدوء...‏

- أعتقد... لابد.. قد يحضر... قلت في حيرة.‏

- الدوام انتهى... أستاذ... قال مدير المكتب وهوينظر إلى ساعته..‏

- وهل خرج من الباب الثاني... قلت بسخرية.‏

- بل خرج من الباب الثالث أو الرابع... لا أدري... قال مدير المكتب بوثوق وضحك في عبه..‏

خرجنا جميعاً والسيجار مازال يحترق.‏

-أعتذر يا أمي... قلت للسيدة العجوز.‏

- قالت سأنتظر... قالت السيدة العجوز.‏

- لابد أن يحضر... قلت وابتعدت في حيرة وبقي بجماليون على باب المدير ينتظر..؟!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244