جريدة الاسبوع الادبي العدد 679 تاريخ 9/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

بين الموضوعية والتناحرية ـــ محمد رجب رجب

في جمعية الشعر باتحاد الكتاب العرب أعقب تلاوةً لشاعرين زميلين، أحدهما يمثل خط القصيدة (العمودية) في حين ينتمي الآخر إلى قصيدة (الحداثة)، مداخلاتٍ نستطيع أن نقول -دونما تجنٍّ- بأنها حامية الوطيس. وإذا كنت سأضرب صفحاً عن مجال التقويم في هاتين التلاوتين، فإنني أجد نفسي مضطراً إلى التعريج على ظاهرة متفشيّة الآن -وبكل أسف- بين زملائنا الشعراء. ظاهرة أقل مانصفها بالساديّة النقدية، دونما ترك هامشٍ مقنعٍ لعقلانية هذا النقد أو موضوعيته -على افتراض أنه من النقد في حقيقة- إذ فبرغم اشتراك أسماءٍ لامعة في عملية الحوار بين مناصرٍ لقصيدة (الحداثة) وبين مناهضٍ لها من دعاة البحر (الخليليّ)، غير أن هرْجاً ومرْجاً ساد الجميع -إلا قلة قليلة منهم- على أنهم في الحالتين ابتعدوا في آرائهم التقويمية عما يفترض أنها النظرة الثاقبة للإبداع وليس إلى شكل القصيدة وكفى! لقد بدأ أنهم وبغالبيتهم المطلقة إنما كانوا يعبّرون عن مواقف ذاتية نرجسيّة لاعلاقة للمشهد النقدي بها أبداً. وإلى حيث أن كلا الفريقين قد اختطّ لنفسه موقفاً تَخَنْدَقَ به في مواجهة الفريق الآخر، وهنا تكمن المفارقة. إذن نحن أمام تيّارين لدودين في عدائهما الأدبي المتقابل، كل منهما يريد إلغاء الآخر لا حواره والوصول معه وبه إلى تعميق خط الإبداع الشعري.‏

هكذا وبكل بساطة يتحول المشهد الشعري إلى نوع من التعارك والتطاحن ناسين ومتناسين أن ميادين العربية تتسع لكل أنماط السلوك الإبداعي دونما حاجةٍ لهذا القدر أو ذاك من الضراوة النقدية إلى درجة أن زميلاً شاعراً (حداثوياً) أعلن في حينها، وعلى الأشهاد، موت القصيدة (الخليلية)، هكذا وبكل بساطة، مفرقعاً عظام المتنبي وامرئ القيس والمعري والبدوي والجواهري وغيرهم من أساطين الشعر ومبدعيه، موازياً -في رأيه- بين عدمية هؤلاء وبين خرافة قيام الجنة (كما يزعم هو طبعاً)، فكأني به قد تعاظم وتنافخ فيقول: (ليغادر الشعراء من متردمٍ...)‏

ما هكذا تورد الإبل أيها الزملاء...‏

سلفاً دعونا نقرر أن الساحة الشعرية هي ملك جميع المبدعين. كلٌّ بأسلوبه الذي يختار، مايهم هو الإبداع والإبداع فقط أياً كان منهله وأياً كانت طريقته، ثمة حقيقة أخرى علينا ألاّ نغيّبها أبداً:‏

أين هو الناقد الممتلك لأدواته النقدية بعيداً عن الميل والهوى؟‏

لا أبالغ حينما أؤكد أن ماسمي بالناقد الآن إنما يفتقر بين ظهرانيه إلى الكثير من مقومات النقد ومصطلحاته وأدواته. من هنا كان مايطرح من آراء -هنا وهناك- حول شاعر أو قصيدة لايتعدى كونه وجهات نظر ليس إلا، ومن هنا أيضاً كان على أصحاب هذه المواقف الذاتية (المزاجية) ألاّ يتجاوزوا حُدودَ مااصُطلح عليه من أعرافٍ أدبية فلا تنطلق سهامهم الخصومية عشوائياً فتصيب مقتلاً أو تجترح إساءة قد لايندمل نزيفها.‏

مايؤكد قولنا حول هذه الحديّة من الآراء المتصادمة أن كلا فريقيها لديه مايؤاخذ عليه. فهو إما أنه يكتب نمطاً واحداً من أشكال القصيدة، أو أنه -وهو الغالب- لايعرف غير هذا الشكل فيما درج عليه، أتأتى ذلك عن ضعفٍ أم عن ثبات قناعة. وفي كلا الحالين يقودنا المشهد إلى تساؤل معقول:‏

مادام كلٌّ يمتلك رؤيته المستقلة المتجذّرة. فلم التبجّح إذن والإدعاء بما يسفّه رأي الآخرين وخصوصيتهم؟‏

أما كان الأجدر بأولئك الذين يتبرّأون من إبداعات غيرهم أن يتفيّأوا ظلال غَيْريَّتهم. فيدعُوا جانباً غَيْرتَهُمْ ويتسلقوا معاً نحو قمة الهرم بجدارة الباحث المبدع، لا الناعق المشنّع؟‏

إن ميدان الشعر يتسع لكل مبدع حقيقي تأبط جعبة الإبداع وتقلد أدواته الباسلة. وماعلى المتنطّع لهذه المهمة الصعبة إلا أن يهب الحقيقة عقله وجسده معاً فلا يتقوقع في برجه العاجيّ لا يرى غير نفسه وحدها فيقنعها ويقتنع معها أنه الأوحد بين فرسان الكلمة والأجدر بين حُداتها، المفوَّهُ في امتلاك ناصيتها المجنّحة.. أم أن النساء عَقَرَتْ ولن تنجب أبداً...؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244