جريدة الاسبوع الادبي العدد 679 تاريخ 9/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

نشاطات ـــ إبراهيم محمد كسّار

في فرع اتحاد الكتّاب العرب، قدّم الأستاذ الدكتور أحمد زياد محبّك محاضرة بعنوان (صوت المرأة في شعر نزار قباني)، وقد مهّد لنا بأنّ هذا الموضوع هو جانب محدود من شعر الشاعر الكبير وأنّ المقصود من صوت المرأة هو القصائد التي كتبها القباني على لسان المرأة، وهي ثلاثون قصيدة وتعدّ هذه ظاهرة متميّزة لديه لم يُسبق إليها، وقد كتبت بدوافع متعدّدة، لعلّ أبرزها أنّ المرأة نادراً ما تعبّر عن ذاتها بصراحة. وهذه الأصوات إنّما هي متعدّدة، وهي أنماط مختلفة متباينة.

ثمّ عرض الدكتور أنواعها، فذكر منها:

1- المرأة المحرومة: حرمت من الحبّ، بسبب قسوة المجتمع، فمالت إلى الوهم والحلم تعويضاً:

لا أمُّهُ لانَتْ ولا أُمّي

 

 

وجدٌ ينامُ الآن في عظمي

مِن فضلِنا مِن بعضِ أفضالِنا

 

 

أنَّا اخترعنا عالمَ الحلمِ

2- المرأة المحبّة: تبوح بحبّها على استحياء: لا تسألوني ما اسمه حبيبي أخشى عليه ضوعة الطيوب فنزار يقدّم ما هو رقيق ولطيف، بعذوبة وجمال، فالمرأة تزداد ألقاً عندما تبوح بحبّها.

3- المرأة الوديعة: وهي النمط الشرقيّ المألوف، تتحمّل قسوة الرجل وتشكو منها:

أيظنّ أنّي لعبةٌ بيديهِ

 

 

أنا لا أفكّرُ في الرجوعِ إليهِ

وكذلك:

ماذا أقولُ لهُ لو جاءَ يسألُني

 

 

إنْ كنتُ أهواهُ؟ إنّي ألفُ أهواهُ

4- التعبير عن الأحاسيس: عبّر نزار عن المشاعر التي تحسّها المرأة، إنّها تشعر بوجود الرجل، وإحساسها بكيانه وتجاهه إحساس أنثويّ خاصّ لا يعرفه إلاّ المرأة:

أخذَ الكبريتَ وأشعلَ لي

 

 

ومضى كالصيفِ المرتحلِ

لم أعرفْ منه سوى يدِهِ

 

 

قالت عيناهُ ولم يقلِ

وتحسّ بمشاعرها الخاصّة فتبدو لها أشياؤها الخاصّة هامّة جدّاً كما في قصيدة (فستان تفتا)، وتهتّم بنفسها من أجل الرجل:

شَعري سريرٌ من ذَهَبْ

 

 

فرشتُهُ لمَنْ أحبّ

غمّستهُ في الشمسِ

 

 

أوجعتُ الشهبْ

وكذلك عبّر القبّاني عن بداية تفتّح الصبيّة وشروق أحاسيسها من مثل قصيدة (لوليتا):

صارَ عمري خمسَ عشره

 

 

صرتُ أحلى ألفَ مرّه

نلاحظ الترجّح بين البراءة وبداية الجرأة والوعي، وكذلك في قصيدة (شؤون صغيرة)، يخطو نزار نحو المزيد من الوعي والجرأة لدى المرأة التي تنتظر الرجل:

شذايَ الفرنسيُّ هل أثملَكْ

 

 

حبيبي، فإنّي تطيّبتُ لَكْ

 إنّه عطاء إنسانيّ جميل، يمنح الوجود الإنسانيّ ارتقاء، وهذه حال القباني في قصائده، وهو يلاحظ أمزجة المرأة المتنوّعة والغنيّة غنى الحياة، تطلب العنف في الحبّ كما تطلب اللطف:

لا تقبّلنْي بعنفٍ، زهرةُ الرمان ليست تحتملْ

لا تقبّلنْي فلو ذابَ فمي، ماذا ستفعلْ

وكذلك يعبّر عن المرأة المظلومة المخدوعة، تدافع عن وجودها وحبّها، وهنا يدعو نزار إلى الحبّ السامي رافضاً الخيانة:

لا تمتقعْ هي كلمةً عجلى

 

 

إنّي لأشعرُ أنّني حبلى

صوت جريءٌ واعٍ يدين خداع الرجال وخيانتهم: لا تدخلي /وسددت في وجهي الطريق بمرفقيك/ وزعمت لي...

وكذلك عبّر نزار عن المرأة تعلن حبّها لرجل آخر كردّ فعل على خيانة الرجل:

للمرّةِ العشرين كرّرتَها:

 

 

هل في حياتي رحلٌ آخرُ

نعمْ، نعمْ فهل تصوّرتني

 

 

مقبرةً ليسَ لها زائرُ

لو كنتَ إنساناً معي مرّةً

 

 

ما كانَ هذا الرجلُ الآخرُ

وقد أشار الدكتور محبّك إلى أنّ نزار لم لكتف بعرض الصوت الاجتماعي أو العاطفي للمرأة، بل دخل معها المعترك السياسيّ، وكشف زيف عالم البترول والمال، بثوريّة ذات بعد سياسي وإنساني، فالحبّ سلعة لدى تجار النفط ومالكي الذهب.

وأخيراً خلص المحاضر إلى نتيجة مفادها أنّ نزار عرض لجوانب مختلفة متناقضة من حياة المرأة ومشاعرها الخاصّة بغنى يدلّ على تجربته الغنيّة، لعلّ دوافعه في الكتابة بلسانها تعود إلى أسباب متعدّدة: حياؤها، عدم قدرتها على التعبير بسبب خارجّي (المجتمع) أو داخليّ (سمات المرأة الشرقيّة)، ربّما هو أنطقها بما يشتهي أن يسمعه منها، ليرضي غروره ورغباته، لذلك اتّهم بالنرجسيّة، يذكّرنا بابن أبي ربيعة، ونجد لديه المرأة مصابة بعقدة الكترا تارة، وبعقدة أوديب تارة أخرى، بحيث تكون طفلة بين ذراعي الرجل حيناً، ويكون طفلاً في حضنها حيناً آخر: فأنت كالأطفال يا حبيبي نحبّهم مهما لنا أساؤوا.

وأنهى د. محبّك محاضرته بأنّ المرأة أمّاً وأختاً وزوجاً وحبيبةً هي الجنس الآخر الذي جاءت باحترامه الديانات السماويّة، ودعت إليه الطبيعة البشريّة عبر التاريخ، ونزار قباني إنما عبّر بصوت المرأة تأكيداً منه على العلاقة السويّة بين الرجل والمرأة في هذه الحياة.

وقد أعقبت المحاضرة مناقشة حارّة، فكان أوّل الشاكرين والمناقشين الأستاذ عبدو محمد رئيس الفرع، حيث أشار إلى أنّ نزار قباني شاعر خلافيّ، وكذلك موضوع المحاضرة وإن يكن هامّاً، واللّه خلقنا من ذكر وأنثى كي نبني الحياة، إلاّ أننّا نسينا ذلك ووصلنا إلى ما وصلنا إليه. وقد رأى أنّ نزاراً لم يتعمّق بالعلاقة بين الجنسين، فهو قد تناول نوعاً خاصّاً ومعيّناً من النساء. ثمّ تحدّث القاصّ مأمون الجابري عن صعوبة الغوص في مثل هذا الموضوع الشائك وبخاصّة عند القباني، ولكنّ المحاضر أحسن اختيار القناة المائيّة المناسبة للغوص، وأورد الجابري أمثلة على الكاتبات اللواتي عبّرن عن بوحهنّ، ثمّ تساءل من أين لنزار تلك الدقّة في وصف مشاعر الأنثى الخاصّة، واستنكر تعبير نزار عن المرأة في الجانب السياسيّ، فالواقع والتاريخ مليء بالمناضلات.

بعد ذلك تحدّث الشاعر محمود أسد مشيراً إلى الإشكاليّة في شعر نزار، ورأى أنّ المحاضر قد عرض صوت المرأة بدون تحليل كاف، ولكنّه اختار أمثلته التي تحمل صراعاً واضحاً وبنية قصصّية ظاهرة، وقد رأى أنّ نزار نصّب نفسه للحديث عن الرجل، ومعظم قصائده التي ذكر الدكتور هي أغان معروفة طبعاً.

وتكلمّ د. محمّد علي زركان قائلاً بأنّه على معرفة بالشاعر القباني، وهو يعبّر عن ذاته وعلاقاته مع النساء، ولم ينصّب نفسه للحديث عن الرجال، وأورد أبياتاً لنزار ليؤكّد ذلك مشيراً إلى أنّ القبّاني ليس نقيّاً تماماً بعد ذلك تحدّث الشاعر سعيد رجّو شاكراً المحاضر، ورأى أنّ الموضوع طريف وهامّ، وأكّد أنّ الشاعر -أي شاعر- كثيراً ما يتحدّث بلسان الآخر. وقد كثر هذا عند نزار لأنّ الحبّ هو موضوعه الأوّل، وهو يعبّر عن نفسه بحسب علماء النفس والذكورة والأنوثة في الكائن البشريّ، وقد يكون الجانب الأنثويّ طاغياً لديه، ولكنّه كتب باسم الرجال كثيراً جدّاً من القصائد، ويذكّرني ههنا بسعيد عقل. وتكلّمت السيدة مارسيل رستم فذكرت أنّ صوت المرأة عند نزار عموماً هو صوت المرأة الشرقيّة التي تعاني من المجتمع وعاداته المتخلّفة. ورأت أنّ نزار أدان هذا الواقع مدافعاً عن إنسانيّة المرأة. والمهمّ في هذا المجال هو نظرة الرجل إلى المرأة، إذ عندما تتحرّر نظرته وأفكاره تجاه المرأة تتحررّ بالضرورة المرأة في مجتمعنا. وتحدّث الشاعر محمّد زينو السلّوم بعد ذلك متسائلاً عن تحوّل قصائد القباني إلى أغاني إن كان الشاعر أعدّها خصيصاً لذلك، وإن كان تقمّص نزار للمرأة يعود لطغيان الأنوثة لديه أو لشيء آخر، وقد شارك آخرون في الحوار، بعضهم وقف إلى جانبه وأيدّ ما ذهب إليه المحاضر، والآخر اتّهم نزاراً بالعقد النفسيّة أو الأخلاقيّة وغير ذلك. وقد أجاب الدكتور عن تساؤلات الحضور ومداخلاتهم بأنّه يمكن دراسة نزار قباني بطرق مختلفة بعضها بعلم النفس أو الاجتماع أو سواهما للكشف عن عقده وغير ذلك، ولكنّه -الدكتور- اختار النقد الأدبيّ في محاضرته، وأكدّ من خلال الردود على أنّ القباني وقف مدافعاً عن المرأة، وأدان نوعاً معيّناً من الرجال في موقفهم منها، وما تقمّصه للرجل أو للمرأة إلاّ محاولة فنيّة، فالفرق كبير بين الصدق الواقعيّ والصدق الفنيّ، والأخير هو ما يعنينا هنا، وأخيراً فإنّ نزار قباني دعا في شعره إلى تحرّر الرجال والنساء على حدّ سواء من عقد المجتمع، ورأى الحلّ يكمن في الثقافة والحوار والحبّ.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244