جريدة الاسبوع الادبي العدد 679 تاريخ 9/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الدولة العصرية والنهج العصري ـــ شاكر اليساوي

لا تكاد تخلو كتابات بعض المثقفين، وخاصة التقدميين منهم، من التأكيد على وجوب بناء الدولة العربية العصرية، وتبقى هذه الصيغة عمومية إذا لم يتم تحديد مواصفات هذه الدولة من حيث النهج والمضمون.‏

وللمقارنة الأولية في هذا الموضوع يمكن القول: إن مفهوم الدولة بشكل عام ومنذ القديم حين ظهور الملكية الخاصة وتقسيم العمل، مرادف أساساً لفكرة العدالة والكفاية، وتنظيم الحريات، وإحلال الاستقرار، وإشاعة الطمأنينة بين المواطنين. وفي كل عصر نظر البعض إلى الدولة العصرية بمنظور خاص بعصره، والنظريات حول الدولة كلها كانت تتطلع إلى بناء تلك الدولة.‏

فـ"جان جاك روسو" رأى أن الدولة العصرية لابد أن تستند على العقد الاجتماعي وتفاهم الناس وتحالفهم لما فيه خير الجميع وسعادتهم.‏

أما الدولة الهيغلية، فإنها أقل واقعية وأكثر تجريداً، إنها دولة يختلط فيها ماهو مثالي بما هو مادي، وتسعى إلى تحقيق ايديولوجيا ميتافيزيقية في التاريخ.‏

أما الماركسية فتدعو إلى سلطة الطبقة العاملة التي تقود التطور إلى نهاياته القصوى، وتمثل تطلعات المجتمع، وصيانة المصلحة العامة من تفرد طبقة أخرى واحتكارها للسلطة.‏

وأخيراً الدولة الأوتوقراطية الدينية، التي هي تجسيد عملي لعبادة الله وتحقيق تعاليمه ووصاياه بكل أمان وتفان.‏

وتقع على أطراف هذه النظريات الكبرى للدولة، نماذج أخرى، ابتداءً من مدينة أفلاطون المثالية الفاضلة، وصولاً إلى نظريات الفوضويين المعاصرة. من هنا كان لكل زمن دولته، وبما أن التاريخ يتألف من سلسلة عصور تأخذ برقاب بعضها البعض لذا فإن لكل عصر دولته العصرية.‏

إن الدولة العصرية التي نقصدها في هذا المقال هي دولة العصر الراهن الذي نعيشه ونحياه، والتي تحوز على خواص نوعية وموضوعية تؤهلها لأن تمثل عصرها كنموذج يحتذى به.‏

ويمكن البحث عن خصائص الدولة العصرية في نوعين من الدول:‏

1 - "هي الدولة التي كانت في عصرها تمثل نموذجاً للتفوق طبقاً لمقاييس ذلك العصر"، كذلك هي الدولة التي تكون مثالاً للتقدم الإنساني، فتعمل على إعداد الإنسان العقلاني، الواعي، الذي يؤمن بالحرية له وللآخرين ويدافع عنها، ويؤمن بحق الإنسان بحياة كريمة أياً كان جنسه أو لونه. فقد كانت لنا يوماً الدولة العربية- الإسلامية التي كانت منارة ورمزاً لحضارة الإنسان وتقدمه لمدة طويلة.‏

"هناك جذورنا الحضارية وتراثنا الحضاري، ولكن التاريخ لا يعيد نفسه، وغاية الجذور أن تمدنا بعصارة لازمة للمقدرة على الإثمار الحضاري، غير أن كل ثمرة بنت أوانها. كذلك الدولة التي يستهدفها النضال العربي ستكون دولة العصر الذي نعيش فيه مع أنها امتداد لتاريخنا الخصيب.‏

2 - هي تلك الدولة الطوبائية التي يكون ساحاتها الذهن المجرد والتصورات المثالية، والتي نبني خصائصها ومقوماتها تحت ضغط أوهامنا وأحلامنا، دون أن يكون لهذه التصورات من مؤيدات واقعنا الموضوعي وقوانين التطور في هذا العصر، إنها الدولة التي من الممكن أن نتكلم عنها كثيراً، ولكننا لا نعرف السبيل إلى بنائها وتجسيدها في الواقع، لأن متطلبات بنائها تكمن في المقدرة على التطور في العصر الراهن.‏

بهذا تصبح السمات التي يجب أن تجتمع لدولة ما لتكون عصرية سمات موضوعية مصدرها حقائق العصر وليس الانتقائية والاختيار التحكمي. فواقع العصر هو الذي يحدد خصائص الدولة العصرية، غير أن هذا العصر ذاته حقبة تاريخية تتعايش فيها وتتعاقب، دول مختلفة التكوين السياسي والاقتصادي والاجتماعي، متباينة الأهداف والغايات، في كل منها شيء من روح العصر. إن الدولة العصرية لا تستمد خصائصها من مدى مطابقتها هذه الدولة أو تلك، بل من المميزات العامة للعصر ذاته، وهي مميزات يمكن معرفتها عن طريق الدراسة المقارنة للعصور المتتابعة كمراحل إنسانية، وليس من الجوانب التي تستهوينا من حياة بعض الدول المعاصرة، ومعنى هذا أننا حين نتحدث عن الدولة العصرية نعني بها الدولة التي تحمل ذلك الطابع الذي يميز عصرنا عن العصور السابقة، فما هو ذلك الطابع الذي يميز عصرنا الراهن عن العصور السابقة؟‏

لقد سمي عصر البخار عندما بدأ اكتشاف طاقة البخار المحركة، ثم لم يلبث أن سمي عصر الذرة عندما كسر الحاجز الذي كان مستقراً في كل العصور بين المادة والطاقة، فاستطاع أن يحول كل منهما إلى الآخر، أو أن يستعمل كليهما. ثم سمي عصر الفضاء عندما تجاوز الأرض بحثاً عن مجالات جديدة في العالم الخارجي...‏

إنه عصر متميز بتحولاته النوعية الكبرى التي شكلت قطعاً ابستمولوجياً في كل الميادين الفكرية والاجتماعية والمادية التي لا تقع تحت حساب أو حصر، "فلكل من يستهويه أحد منجزاته أن يسميه باسمه، فهو عصر الصناعة والروبوت وثورة المعلوماتية والاتصالات، وهو عصر الديمقراطية، وهو عصر الاشتراكية والطبقة العاملة والفلاحين، كما هو عصر الرأسمالية والامبريالية وهيمنة حفنة من الناس على مقدرات الكون..إلخ. إن دراسة هذه المنجزات تكشف دلالات مشتركة هي: تقدم الإنسان خطوات واثقة وحثيثة على دروب المعرفة والعلم في مواجهة قوى الطبيعة وإخضاعها وحل ألغازها ومبهماتها والسيطرة على مظاهرها في العديد من الميادين، حيث انتقل الإنسان نوعياً من عنصر منفعل خاضع إلى عنصر فاعل مسيطر عليها، وعلى الظروف الاجتماعية التي تفرزها: "من هنا نستطيع أن نقول بشكل عام إننا نعيش نسبياً عصر سيطرة الإنسان الذي يرجع بصفة أساسية إلى الطريقة أو "المنهج" الذي يتناول فيه ماتطرحه الطبيعة والمجتمع من مشكلات، فبينما بددت عصور سابقة قروناً كثيرة تتلمس فيها التغلب على مشكلاتها في متاهات الميتافيزيقيا، اهتدى عصرنا إلى العلم منهجاً سوياً لفرض إرادته على الطبيعة وعلى الظروف الاجتماعية معاً فتميز به وامتاز... فهو عصر العلم، عصر المنهج العلمي في التفكير والتدبير والعمل".(1)‏

النهج العصري: إن ما نشاهده في عالم اليوم من تطور سريع ومذهل، يترجم في حقيقة فضيلة امتلاك المعرفة التي تجسدت بثورة علمية وتقنية، أثمرت ثورة المعلوماتية والاتصالات والمواصلات، فوسمت العصر بطابعها، وأصبح كل من يتخلف عن هذه الثورة خارج العصر. وإذا أردنا نحن العرب أن نكون داخل هذا العصر عضواً فعالاً، فعلينا أن نندمج فيه، ونسير على الدروب التي تؤدي إلى تحصيل المعرفة والعلم، كما علينا أن نتصالح مع العصر على صعيد إنجازاته ولا نختلق الذرائع للتراجع عنها، وأن نقدم العقل على ماسواه، ولا نخرج من إطار العقلانية، لأن النهج العصري، هو عبارة عن معادلة مركبة من عنصرين هما العقل والعلم، فإنجازات العلم وما يتفرع عنها من معطيات عديدة، زائد إعادة الاعتبار إلى العقل وتوظيفه بصورة عقلانية، واقعية، وموضوعية، هو مايمكن أن نطلق عليه النهج العلمي.‏

"إذا أردنا فعلاً أن نحمي هويتنا، ونحفظ خصوصيتنا، فيجب أن ننخرط في خضم هذه الثورة، لا، أن ننسحب منها، فالدولة العصرية المأمول بنائها وإنجازها بحاجة إلى نهج عصري أيضاً، فلا دولة عصرية بلا نهج عصري. والنهج العصري هو منهج شامل ومتكامل يستهدف الإنسان والعالم، ولا يمكن أن يفلت منه أمر من أمور الحياة البشرية المعاصرة، من سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية وغيرها"...إلخ.‏

إن النهج العصري نهج مركب من "الأنا" و"الآخر"، أي من الذاتي والموضوعي، وهو نهج إبداع وابتكار لأنه يقدم إضافات جديدة متميزة على ماسبق، لذا فإن النهج العصري نهج علمي يتماشى مع آخر لحظات التطور.‏

إن للنهج العصري منطق وآلية علمية وموضوعية، مبنية على حسابات عقلانية وواقعية دقيقة لكل مرحلة من مراحل التحديث والعصرنة.‏

صحيح أن هذا النهج وما يشتمل عليه من تحولات ظهرت في الغرب بالدرجة الأولى، فهو نهج غربي، إلا أنّه نتاج الجهد الإنساني، منذ وجد الإنسان على هذه الأرض، وهو بهذا النهج عالمي، ثم تأتي آثاره لتشمل العالم بأسره، فتتأكد عالميته بهذا المعنى العام.‏

ماهي آثار هذا النهج وتحولاته الأخيرة، سلبية أو إيجابية؟‏

يتميز النهج العصري بتفجير المعرفة في أعمق أبعادها، والتي سميت بالثورة العلمية، فهي ثورة في مبناها ومعناها، تسير في وتيرة تتضاعف فيها اليوم بحسب بعض الباحثين، في أقل من عقد من الزمان، وهو ماكان يستغرق آلاف السنين في مراحل تاريخية وحضارية سابقة. وقد حققت نتائج عظيمة. تبدأ بتفتيت الذرة والإطلال على نهاية الصفر، وتصل إلى العبور إلى الفضاء الخارجي،وملامسة لا نهائية الكبر، مروراً بلا نهائية تداخل العلوم والفنون ونسبية الحقائق. وما زال هذا النهج يطلع علينا بالجديد في مختلف الميادين. إنه انقلاب حقيقي في توقعات الإنسان وفي علائقه وفي البنى التكوينية لمختلف قطاعات الحياة وميادينها، ولأن هذا النهج توجه إلى الأشياء قبل توجهه إلى الإنسان، فإن إنسانية اليوم مازالت متخلفة لا تدرك المطالب التوحيدية التي تفرضها الثورات العصرية، ولم يعد بالإمكان رأب الصدع وحل المشكلات إلا بمعارك حاسمة كلية وشمولية، قومية وعلى الجبهة العالمية، ومن وحي النهج العصري".‏

ويمكن القول:إن للنهج العصري أو المعاصرة، إيجابيات لابد من الأخذ بها، وسلبيات لابد من التصدي لها... ولا يمكن التصدي للسلبيات إلا بالأخذ بالإيجابيات هنا...‏

أولها ما أحرزته المعرفة من تطور، وما عرفه العلم من تقدم، كماً ونوعاً، حتى بات عالمنا، هو عالم العلم والمعرفة، ومجتمعنا المنشود هو مجتمع العقل والعلم والمعرفة، لأن العقلانية هي صفة النهج العلمي الأول. وثانيها أن هذه المعرفة وسعت من دائرة الإنتاج الإنساني، وقد استطاع اتساع دائرة الإنتاج أن يغير معالم العالم، وأن يسقط الكثير من النظريات والفرضيات. وثالثها تطور المواصلات بما أحدث ثورة في تقريب المسافات. ورابعها التقدم في ميادين الطب والصحة العامة، فانخفضت نسبة الوفيات وارتفع عمر الإنسان عدة عقود، وخامسها تفتح أعين الشعوب على الحرية وازدياد الوعي السياسي للمواطنين. وسادسها الوفرة الاقتصادية. وسابعها سيادة أنماط من التعليم والعلاقات الاجتماعية أكثر تقدماً وتطوراً. وقد أنتج ذلك كله نمطاً من الإنسان العصري، يتصف بخصائص محددة، فهو إنسان متسامح أكثر وعياً بمبدأ الحرية والديمقراطية، وأكثر استعداداً لقبول التغيير نحو الأفضل، ويعرف قيمة الزمان، ويعيش في الحاضر.‏

ويهتم بالمستقبل أكثر من الماضي، بل إنه يمتلك رؤية ديناميكية للزمان والمكان، وهو فاعل في الزمان والمكان، ويعرف أن التقدم والتطور يستلزم تجميع عناصر متعددة وتنسيقها وجعلها تعمل مجتمعة.‏

ولكن بالمقابل للنهج العصري سلبيات نوجزها على الوجه التالي: وأهمها أن حرية الفرد، تتعرض لمحنة كبرى بسبب طغيان الآلة والتكنولوجيا عموماً في الحياة العصرية، وبسبب تسارع إنتاج الآلات المتطورة وبالتالي ازدياد شعور الإنسان بالعجز.‏

وثانيها: خطر الحروب المتزايد بسبب تزايد الأسلحة القادرة على تدمير الحياة البشرية.‏

وثالثها: الآثار الاقتصادية لهذا التسلح والهدر الكبير في ثروات الشعوب إلى التقاتل في الجنوب دون الشمال. ورابعها: اتساع الهوة بين الشعوب التي تملك التكنولوجيا والشعوب التي لم تتوصل إلى امتلاكها، وبين الدول والشعوب القادرة، والشعوب والدول الضعيفة، اختلال النظام الاقتصادي العالمي وازدياد الأزمات الاقتصادية وتواترها، وحل الدول الكبرى لهذه الأزمات على حساب الدول الصغرى، فاختلت معدلات النمو وتفشت البطالة، وعرف العالم ظاهرة التضخم وارتفاع الأسعار وكثرت ديون مايسمى بالعالم الثالث، يضاف إلى ذلك تلوث البيئة وتهديد المحيط الحيوي الذي يعيش فيه الإنسان.‏

ثم تفاقم الشره الاستهلاكي الذي ظهر في الغرب وأمريكا، ثم أصبح ظاهرة عالمية، ومرضاً عصرياً، ويرافق ذلك ارتفاع نسبة الجريمة والإجرام وازدياد نسبة الانحراف وتوسع دائرة الإرهاب والعنف.‏

والسؤال: ماذا يعني لنا ذلك كله؟ هل يعني أن النهج العصري كل واحد لايتجزأ، إما أن نأخذ به أو نرفضه؟ إن النهج العصري الذي نتحدث عنه هو نهج فريق أو جماعة، وإن هذا النهج يتوقف على الآخذين به وأغراضهم ومصالحهم، وبالتالي فإن سلبياته أو إيجابياته أيضاً، ليست في أساسه أو صلبه، صحيح أن هذا النهج أنتج الكثير من الثورات، فالنهج العصري كأي نهج آخر ليس بالضرورة أخلاقي وغير أخلاقي، يحمل من بذور الخير كما يحمل من بذور الشر وكذلك الثورة التكنولوجية، فالنهج غير مسؤول والعلم غير مسؤول، هنا تكمن أزمة الحضارة الغربية أو بعضها، وهذا هو سبب الوحشية التي تتفجر بها تحولات العالم، إنها الرأسمالية والامبريالية التي تزهو بنفسها على ضجيج انهيار النظام الاشتراكي، ومحاولة حل مشكلاتها الداخلية على حساب أهل الجنوب(2).‏

هامش:‏

1 - في الحديث عن الدولة العصرية استخدمنا مقالة الدكتور عصمت سيف الدولة - قراءات في الفكر القومي- مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت- الجزء الثاني- ص 311-313.‏

2 - في الحديث عن النهج العصري- استخدمنا بتصرف- مقالة الدكتور معن زيادة- قضايا العرب والتحولات العالمية- الفكر العربي- ت1-ك1- 1991.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244