|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
أصول منهج طه حسين في الشّك ـــ د.أَحمد علي محمّد* قد لا نجد من بين أُدباء العربية في العصر الحديث مَنْ يفوقُ د. طه حُسين براعةً في تحسين هيئة الكلام، وتهذيب لغة الخطاب ولا سيما فيما يطوّل القارئَ من أقواله؛ لأنّه أعظمُ من أشركه في النص. فتراه دوماً يحاوره ويبالغ في محاورته، ثم يستعطفه ويثخن في استعطافه، ويقاسمه الرأي ليستميله، لا بل ليستولي على فؤاده. من أَجل ذلكَ ترى عنده المتلقي حاضراً مثل حضور المنشئ. ولكن أُسلوب طه حُسين هذا لم يكنْ خيراً كلَّه؛ لأنه لم يجوده حباً بتجويد الأسلوب، وإنما يجوده ليبلغَ به غايةً أبعدَ من مُحاكاة الجمال. فهو لم يعرضْ من خلال ذلك الأسلوب المهذب رأياً بلا إثارة، أو فكرة دونما ضجيج. لهذا تجد معظم كلامه على الأَدب، وإنْ أحيط بهالةٍ أسلوبية أخاذة، إلا أنّه لم ينطوِ على معانٍ تشعّ منها ألوانٌ جديدةٌ، ذلك أنّ أفكاره التي صدرَ لها رنينٌ هائلٌ تكاد تكون معروفةً، أو هي معروفةٌ حقاً عند متقدميه من الأُدباء. وقد يكون كتابُه "في الشعر الجاهلي" مثالاً دالاً على ما نقول، ففيه من الثراء اللفظي والتجويد الكلامي ما يجوزُ به حد الإمتاع إلى ما يشبه السحر الذي يحول بين المرء وعقله. لقد أثار د. طه حُسين في كتابه هذا قضيتين ضخمتين: الشّكَ في قيمة الشعر الجاهلي، وتطبيق المنهج العلمي على دراسة الأدب العربي. ففي معرض معالجتِهِ مسألةَ الشك قال: "وأَول شيءٍ أَفجؤك به في هذا الحديث أني شككتُ في قيمة الشعر الجاهلي، وألححتُ في الشك، أو قل ألحّ عليّ الشك، فأخذت أبحث وأفكر وأقرأ وأتدبر، حتى انتهى بي هذا كله إلى شيءٍ إنْ لم يكنْ يقيناً فهو قريبٌ من اليقين. ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعراً جاهلياً ليستْ من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحلةٌ بعد ظهور الإسلام"(1). وإذا ما وضعنا كلام ابن سلام (231هـ) الآتي عن الوضع والانتحال: "فلما راجعتِ العربُ رواية الشّعر، وذكر أَيامها ومآثرها، استقلَّ بعضُ العشائر شعرَ شعرائهم، وما ذهب من ذكر وقائعهم وأشعارهم، وأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار، فقالوا على ألسنِ شعرائهم، ثم كانت الرواة بعد، فزادوا في الأشعار التي قيلتْ"(2)، بإزاء كلام طه حسين لم نجد لشّك حُسين معنىً لأنّه مسبوقٌ إلى ذلك. إلا من جهة رفضه شعر العرب في جاهليتها رفضاً مطلقاً وفي الإطلاق يكمنُ الخطلُ إذ المتقدمون قيدوا كلامهم على الانتحال بأمثلةٍ محددة يقولُ الجاحظ: "وقد رأيتُ عند داود ابن محمد الهاشمي كتاباً في الحيات أكثر من عشرة أجلاد ما يصحّ منها مقدار جلد ونصف، ولقد ولدوا على لسان خلف الأَحمر والأصمعي أرجازاً كثيرةً، فما ظنك بتوليدهم على ألسنة القدماء.."(3). وأما معالجتُهُ قضيةَ المنهج العلمي في دراسة الشعر العربي فيصورها قوله: "أريد أن أقول إني سأسلك في هذا النحو من البحث مسلك المحدثين من أصحاب العلم والفلسفة فيما يتناولون من العلم والفلسفة. أريد أن أصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء"(4). وحتى في هذه المسألة كان د. طه حسين عالةً على السابقين، إذ سبقه الجاحظ (ت 255هـ) إلى أسلوب الشك في قوله: "ولا يعجبني الإقرار بهذا الخبر، وكذلك لا يعجبني الإنكار له، وليكن قلبُكَ إلى إنكاره أَميل. وبعد هذا فاعرف مواضع الشّك وحالاتها الموجبة له، لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة له..."(5). وسبقه أيضاً إلى تطبيق المنهج العلمي أيضاً، ففي كتابه "الحيوان" تناول مباحث الطبيعة والأحياء، وأجرى بنفسه التجارب، فقد لاحظ أنّ النمل تأخذُ من الحب الذي تدخره للشتاء جزء الإنبات والتناسل لئلا يفسد، وكذّب ما زعمتْهُ العامةُ أنّ الأفاعي تكرهُ ريحَ السذاب والشيح وتستريح إلى نبات الحرمل، فجرّب ذلك فلم يجدْ دليلاً على ما قالوه، وكذلك نفى ما كان شائعاً عند الناس في عصره أَنَّ الجمل إذا نُحِرَ وماتَ، فالتمستْ خصيته وشقيقته لا توجدان(6). وفي مجال الشعر حلل مضامينه بحيادٍ وموضوعية، مع أنّ كتابَهُ كتابُ أَدبٍ وثقافة إلاّ أنّه انتهج فيه أسلوباً علمياً عماده الشك للوصول إلى اليقين. إنّ د. طه حسين مسبوق إلى الشك ومسبوق إلى درس الأدب بموضوعية وحياد علمي فما المثير إذن في كتابه الآنف؟ الحق أنّ الجديد الذي انطوى عليه كتابه "في الشعر الجاهلي" تقليده ديكارت ليس في أُسلوبه العلمي أَو الفلسفي، وإنّما في هجومه على كل ما هو راسخٌ في ضمير الإنسان من مقدسات، أو ما هو أَثيرٌ في قرارة وجدانه من مُثُلٍ كالدين والقومية، يقولُ دالاً على ذلك: "يجب حين نستقبلُ البحث عن الأدب العربي وتأريخه أَنْ ننسى قوميتنا وكلّ مشخصاتها، وننسى ديننا وكلّ ما يتصل به، يجب ألا نتقيد بشيء ولا نذعن لشيءٍ إلا لمناهج البحث"(7). ويحسبُ المرءُ أنّ لكلامه هنا ظاهراً يتمثل بانحيازه إلى الحياد والموضوعية ولا شيءَ غير ذلك، والحق أن لكلامه ظاهراً وباطناً في آن فباطنه إنما هو التحلل من مشخصات العقيدة والانتماء، فهذا هو موطن الإثارة في كلامه على الشعر الجاهلي لا بل هذا الذي أثار عليه الناس، لأنّ مجردَ الدعوة إلى الشك، أو تطبيق المنهج العلمي لا يوغر الصدور مثلما توغرها الاستهانة بمقدسات الأُمة، ومثلما يوغرها العبث بشخصيتها. فالدعوة إلى التجديد وإن لقيتْ مَنْ يعارضها في البدء إلا أَنّ النفوس سرعان ما تألفها، لأنّ ذلك من دواعي التطور، أو هو جزءٌ من منطق الحياة. ود. طه حسين أَراد أَنْ يكون مجدداً بمخالفته سنن التجديد ومخالفته سنن التطور، لهذا جُردت أقلام كثيرة للرد عليه(8)، وكان قد أحس بعضُ أصحابها بالظفر يومذاك لمّا بدّل كتابه "في الشعر الجاهلي" بكتابه "في الأدب الجاهلي"، لكنّه في الواقع لم يتراجع عما أذاعه في السابق، وكل ما هنالك أنّه عمد في كتابه الجديد إلى إثارةٍ من نوعٍ آخر، إنها إثارةُ العنوانات مثل العنوان الذي وضعه بين يدي كتابه الجديد، وقد سماه "الحرية والأدب"، فبدأه بقوله: "أنا أُحبُّ ألا تضجر ولا تسأم، فلن أحدثك عن حرية الرأي كما تعود أصحاب القانون والدستور والصحف أن يحدثوك عنها... وإنما أُريد أن أحدثك عن هذه الحرية التي يطمع فيها كل علم ناشئ ليستطيع أن يقوى وينمو ويأخذ بحظّهِ من الحياة"(9). ومؤدى هذه الحرية الدعوة إلى التحلل من المقدسات بعد أن وجد اللّغة والأدب مقدسان مبتذلان يقول: "اللّغة والأدب مقدسة مبتذلة، وهي من حيث هي مقدسة لا تستطيع أن تخضع للبحث العلمي الصحيح، والبحث العلمي الصحيح قد يستلزم النقد والتكذيب والإنكار والشك وما رأيك في الذي يعرض الأشياء المقدسة لمثل هذه الأمور! وهي من حيث هي مبتذلة لا تستطيع أن تخضع للبحث العلمي، ومن ذا الذي يُعنى بالأدب واللّغة وعلومهما وهي وسائل؟ أليس خيراً من ذلك أن يُعنى بالغايات"(10). إن وجه القداسة للغة عند طه حسين يبرز عندما تكون اللّغة أداة لعلم الفقه وعلوم الدين عامة، ووجه القداسة للأدب يظهر عندما يحمل قبساً من تعاليم الدين وخلجات الوجدان، أما وجه الابتذال فيهما فيبدو لطه حسين عندما تدرس اللّغة أو يدرس الأدب بوصفهما وسائل لهذه العلوم لا بوصفهما غايات. لهذا دعا إلى التحلل من المقدسات هنا أيضاً حتى تصبح عنده اللّغة والآداب مادتين لمنهجه العلمي يقول: "أظن أنّك استطعتَ أَنْ توافقني على أنَّ الحرية بهذا المعنى شرط أساسي لنشأة التاريخ الأدبي في لغتنا العربية. فأنا أُريد أَنْ أدرس تأريخ الآداب في حرية وشرف، كما يدرس صاحب العلم الطبيعي علم الحيوان والنبات، لا أخشى في هذا الدرس أيّ سلطان"(11). إننا نلاحظ بعد الذي تقدم أنّ دعوة د. طه حسين إلى منهج الشك في درس الأدب، والتي ترددت في كتابيه ليست أصيلةً في بابها؛ لأنه مسبوق إلى ذلك، سبقه ابن سلام إلى ملاحظة وجوه الوضع والانتحال في الشعر الجاهلي، ثم سبقه الجاحظ إلى ترجيح الشك وإيثار النهج العلمي في البحث الأدبي. الهوامش: 1- حسين، طه (في الشعر الجاهلي) ط1 دار الكتب المصرية، القاهرة 1926م ص:7. 2- ابن سلام (طبقات فحول الشعراء) تحقيق: محمود شاكر ط دار الكتب ص: 1/87. 3- الجاحظ (الحيوان) تحقيق: عبد السلام هارون ص: 4/140. 4- حسين، طه (في الشعر الجاهلي) ص: 8 5- الجاحظ (الحيوان) ص: 4/181. 6- بروكلمان (تاريخ الأدب العربي) ص: 3/108. 7-حسين، طه (في الشعر الجاهلي) ص: 8. 8- حسين، طه (في الأدب الجاهلي) دار المعارف بمصر 1927 ص:55. 9- المرجع السابق. 10- المرجع السابق. 11- المرجع السابق. * عضو هيئة تدريس بكلية الآداب- جامعة البعث (حمص- سورية). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |