جريدة الاسبوع الادبي العدد 679 تاريخ 9/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

غونتر غراس ـــ حسن حميد

-1-‏

أجل،‏

إنه كاتب إشكالي آخر ينال جائزة نوبل للآداب، مختتماً جوائز أدب القرن العشرين بفوز مثير جاء نتيجة لحياة أدبية مثيرة، وسلوك ثقافي مثير للجدل والخصب أيضاً.‏

حياة غراس، وكتاباته، وحواراته.. هي من كوّن الإشكالية التي غفلت كل مظهريات السلوك والنشاط الأدبي لديه ، فقد اتصف غراس بالصراحة والوضوح والمجابهة ومخالفة الآراء السائدة (إن كانت لاتتوافق ورؤيته)، وتلك الصفات هي التي سببت له مواجهات عدائية حادة مع دور النشر، والنقاد، والقراء أيضاً. ولعل طرفاً من إشكالية غراس يتبدى من خلال احتفائه بالحيوانات كأبطال بدلاء للشخصيات الإنسانية في رواياته، واتخاذه من نبرة السخرية والنقد اللاذع أسلوباً للتعبير عن قضايا العصر، وأوهام المدينة والحضارة التي راحت تسحق الإنسان وتبعد عن صدارة الاهتمامات الأولى تحت شعارات خادعة، ومقولات زائفة.‏

عمل غراس في بداية حياته في سلاح الجو الألماني وعايش آثار الحرب العالمية الثانية (هو من مواليد 1927) التي أصابت المجتمع الألماني بالكوارث البادية من اقتسام ألمانيا، إلى تراجع الاقتصاد، إلى اختلال توازن الروح الإنسانية لدى المواطن الألماني، إلى مراجعة الفلسفات والأفكار التي قادت إلى الحرب المدمرة التي راح ضحيتها الملايين من أبناء المجتمع الإنساني، وقد انضم غراس في مطلع شبابه إلى مجموعة (47) التي تشكلت سنة 1947 والمكونة من أدباء وشعراء وفنانين في مدينة ميونخ الألمانية، وقد جاءت هذه المجموعة بأفكار تدين الحرب، والذل الذي فرضته أوربا وأمريكا على ألمانيا.‏

لقد قيّض لي الزمان أن ألتقي غونتر غراس في ألمانيا مع مجموعة من الأدباء العرب ضمن حلقة حوار قامت بها إحدى الصحف الألمانية اليسارية، اجتمعنا حوله، وقد افترشت كتبه الطاولة الكبيرة الواسعة، ورحنا نسأله أسئلة عديدة منها مايتعلق بحياته وطفولته، ومنها مايتعلق بكتابته للشعر والرواية، ومنها ماله علاقة بمواقفه السياسية (فهو منتسب للحزب الاشتراكي الديمقوقراطي الألماني الذي يحكم ألمانيا اليوم بزعامة المستشار شرودر). حكى عن طفولته باعتبارها طفولة منهوبة من أبوين لم تصفُ الحياة لهما في كل الأوقات، وتحدث عن أجداده الذين لم يرث منهم الحكايات أو التخطيطات الأولية لبدء حياة مثمرة. تخبط في أعماق عديدة، واحتك مع عمال المناجم كثيراً، أي أنه عايش العمال الغرباء (الأتراك) والعمال السود (أي غير المرخص لهم بالعمل) ووقف على معاناتهم، والظروف اللاإنسانية التي تلفّهم، وقد كتب عنهم رواية عنوانها (عامل المنجم) وهي ترصد حياة رجل تركي يعمل في أحد المناجم الألمانية والمفارقات التي يعيشها مابين العمل الجدي تحت الأرض، والاحتقار الذي يناله من الألمان فوق الأرض باعتباره غريباً، كما تحدث عن السياسة، فرأى أنه لابدّ للأديب من رؤية سياسية يعمل عليها ومن أجلها لتحديد اتجاه كتابته، فالكتابة ليس إنشاءً لكلام جميل وصور فاتنة (في الشعر) ولا حكايات أو دعابات للتسلية (في الرواية) وإنما هي موقف من الواقع باعتباره سيولة تاريخية لها رأسان الأول يمضي نحو الماضي، والثاني يمضي نحو المستقبل وكلاهما يتقدم بخطوات متوازنة.‏

غراس يساري حارب القسوة في الشيوعية، أي أنه ضد القسوة الستالينية في الشيوعية لأنه أراد أن يخلص الإنسان من التبعيات الأيديولوجية، كما أنه ضد الفاشية الامبريالية في أوربا وأمريكا لأنها تجعل من الإنسان احتكاراً لابدّ من الاستيلاء عليه ليصير عنصراً من مجموعة عناصرها المسيطر عليها. وهو بذلك أدان الأخطاء في النظامين الشيوعي والرأسمالي ودعا إلى حرية الإنسان وخلاصه من أشكال الاحتكار، والأيديولوجيات المغلقة (أو المعلبة) وقد كان لآرائه السياسية آثار كبيرة على شرائح المجتمع في ألمانيا قبل وحدة الألمانيتين وبعد الوحدة، فهو قبل الوحدة أدان التصرفات الستالينية في ألمانيا الشرقية التي لم تكن تهتم بالانتقادات السلبية التي وجهت إليها، كما أدان الغطرسة الرأسمالية وسياسة الاحتكارات الاستغلالية في ألمانية الغربية، وقد عبّر في حواره صراحة بأنه ضد الوحدة الألمانية، وأنه حقيقة يخشى من هذه الوحدة وقوتها على أوربا، ومحاولة الانتفاض مرة أخرى والوقوف بوجه المجتمع الأوربي في مغامرة حربية جديدة، ورأى أن ألمانيا الغربية التهمت ألمانيا الشرقية، وأن الوحدة ولّدت الكثير من الإحباطات في نفوس الشرقيين، وهذا بالضبط ماعبر عنه في روايته (حقل فسيح) حيث عنى بذلك أن ألمانيا الشرقية حقل فسيح، وأن ألمانيا الغربية أخذت هذا الحقل وخيراته دون أن تهتم بأصحاب هذا الحقل الحقيقيين. وقد رأيت على إحدى شاشات التلفزيون الألماني ناقداً ألمانياً معروفاً جداً، له سطوة نقدية قوية، وجمهور واسع وهو يمزق هذه الرواية على شاشة التلفزيون ويرميها أمامه في سلة المهملات قائلاً: هنا مكانها الحقيقي لأنها قذارة، وتفاهة، وشيء مهمل غير جدير بالقراءة أو الاحتفاء. وحين سئل غراس عن هذه الواقعة، قال: كنت أتفرج على المشهد بإعجاب شديد لأن النفاق مدرسة وخبرة، وأنا غير مهتم بمثل هذه المدارس ولا بخريجيها المتفوقين.‏

طبعاً آراء غراس في السياسة، والوحدة الألمانية، بل وفي الآراء الثقافية حول بعض الكتب والكتّاب (وجميع المبدعين في ألمانيا يسمون بالشعراء وإن لم يكتبوا شعراً) لاتلقى قبولاً أوشعبية لأنها حادة ومتطرفة، وغير منطقية أحياناً. وعن اهتماماته الثقافية ومطالعاته ومعرفته بأدباء العالم، قال غراس: إنه معجب بأدب ماركيز، ورواية أمريكا اللاتينية عموماً، وإن اطلاعه على الأدب العربي الحديث قليل، ولكنه لاينكر أن للشرق أفكاراً مهمة وعظيمة، بل إنه يعد الشرق شجرة الأفكار الخصبة الخالدة، وتحدث قليلاً عن ألف ليلة وليلة كمثال. وعن عزوبيته الطويلة قال: كان يخاف على أبنائه من الحروب، والاحتكارات، والأسلحة النووية، ولهذا امتدت عزوبيته وقتاً طويلاً إلى أن وقع أخيراً في قفص الزواج.‏

-2-‏

أتذكر الآن،‏

ذلك الحوار الذي سجلت بعض عناوينه قبل سنوات، وأعود إليه، فأقرأ ملاحظاتي عنه، بأنه رجل واثق من نفسه، غير معني بما يقوله الآخرون عنه، هدفه الصدق في كتابته وإعلاء شأن القيم، واضح في آرائه، لايميل إلى المجاملة أو المسايرة، لديه مفردات بذيئة (هو يسميها الكلمات اللائقة) يستخدمها بكثرة في حديثه تعبيراً عن سخطه وتذمره من المظاهر، والأشياء، والأفكار، والواقع، ودور النشر، والكتب والكتّاب معاً.‏

ولعل من أهم آرائه التي علقت في ذاكرتي قوله: إنني أقول الحقيقة، وإنني منبوذ، أعرف هذا، ولن أتنازل عن الشق الأول (قول الحقيقة) لكي أمحو الشق الثاني (المنبوذية) أنا سعيد بكلا الشقين قول الحقيقة، والمنبوذية، ولي الحق أن أقول بأنني معجب بقولي للحقيقة مع أن الآخرين غير معجبين بذلك، وأنني كاره لهذه المنبوذية مع أن الآخرين يعجبون بها.. إنها ثنائية القط والفأر، وهذه من أهم القصص التي عرفتها البشرية!‏

-3-‏

وبعد، أعتقد أن فوز غراس بجائزة نوبل للآداب في عام 1999 هو فوز مثمر للحقيقة، والقيم الإنسانية، والصوت الحر للأدب وذلك إذا مانظر إلى الأسماء الأدبية التي كانت مرشحة لنيل الجائزة معه وهم جون ابديل، فيليب روث، جويس كارول أوتيس، ماريو فارغاس يوسا، كارلوس فونتيس، هوجو كلاوس، وسلمان رشدي أيضاً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244