جريدة الاسبوع الادبي العدد 679 تاريخ 9/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ملفّات ليلى المشرقيّة ـــ نصر محسن

يجب أن أخرج مرفوع الرأس، لست سارقاً ولا مجرماً ولا... ليس لديّ شيء أخاف عليه، ولا شيء أخاف منه. لا أعرف لماذا طلبوني!! أبلغوني -بالأمس- ضرورة مراجعتهم، عدت إلى البيت ورحت أسترجع الماضي، أقلّب أوراقي القديمة، كانت كلّها بيضاء، هل نسيت شيئاً..؟ نشّطت ذاكرتي بشكل غير طبيعيّ، أحضرت أربعين سنة بساعة واحدة، لم أنم ليلة أمس، راح فكري يلفّ ويدور، من زملائي في المدرسة والمدير الذي أختلف معه دائماً إلى المحاسب الذي صار يحسب حساباً خاصّاً لي بشأن راتبي، كنّا نختلف كثيراً ونتشاجر كثيراً، إلى مرحلة الجامعة وعلاقتي بالزّملاء القدامى، وحالةِ الحبّ الوحيدة، وموقفِ الأساتذة منّي.‏

كانت حالة الحبّ تلك تشغل فكري، وما زالت تشغله أحياناً كثيرة، كانت ليلى تعبر مثل طيفٍ جميل، أبتسم لها، وأعلن شوقي أمام طيفها.‏

نهضت من السّرير ومشيت صوب الخزانة، فتّشت عن بطاقتي الشخصيّة، وضعتها في جيبي ورحت أهيّئ نفسي للذَّهاب، وبعد قليل كنت أغلق باب غرفتي جيّداً؛ وأنطلق.‏

انتظرت كثيراً في الممّر الطّويل قبل أن يأتي أحدهم ويقول:‏

- ادخل.‏

كان المكان هادئاً، رطباً، أحسست بصمت ثقيل، كدت أختنق. حللت ربطة عنقي، ولم أجرؤ على الجلوس، كان المحقّق يتلهّى بأوراق فوق طاولته، ظننتُ أنه لم ينتبه لحضوري، تنحنحت، نظر إليّ بازرداء، وتابع تقليب أوراقه. وبعد قليل التفت إليّ وقال ببرود:‏

- أتعرف ليلى المشرقيّة..؟‏

أعادني سؤاله إلى الجامعة وحالة الحبّ الوحيدة، ذكّرني المحقّق بها، منذ مدّة طويلة لم أرها، اختفت فجأة، غابت ابتساماتها ووجهها الجميل وصوتها الكناريّ الآسر، مازلت أذكر أغنياتها عن الربيع والعصافير والحبّ والتسامي والانطلاق، وهاهو المحقّق يفاجئني بسؤاله عنها. قلت له:‏

- بلى.. أعرفها.‏

وعدت إلى التفكير بها، لماذا يسألني المحقّق عنها..؟ سرحت في الماضي قليلاً، انتابني شرود موحش، لكن المحقّق قطع شرودي وقال:‏

- منذ متى تعرفها...؟‏

- لا أذكر بالضبط، منذ أيام الجامعة.‏

- حسناً، يبدو أنك ستساعدنا ...‏

جمع أوراقه ووضعها في درج مخفّي، قرع الجرس وجاء رجل آخر، أمسكني من يدي وأخرجني، أغلق الباب وقال:‏

- انتظرهنا.‏

وبعد ساعتين أعطاني بطاقتي الشخصيّة وقال:‏

- تعال غداً...‏

***‏

عدت مسرعاً، أحسستُ بشوق إلى غرفتي وكتبي وأشيائي، وعند المساء جاء مدير المدرسة لزيارتي والاطمئنان عليّ، شعرت تجاهه بمودّة فائقة، صافحته، وكأنني لم أره منذ سنة، سألته عن المدرسة، عن تلاميذي وزملائي. لقد اشتقت إليهم جميعاً.‏

لم أفكر كثيراً قبل أن أنام، فقد عرفتُ أن الموضوع متعلق بها، حننتُ إلى ضحكاتها، إلى شعرها المنسدل بتلقائية محبّبة، إلى فستانها الأزرق بلون البحر. كانت تضيء جلساتنا بروحها الفوّارة وقلبها الآسر، عشقناها جميعاً، حتى الفتيات رأين فيها نموذجاً للمرأة الناجحة، الأساتذة كانوا ينظرون إليها بحذر شديد، ورغبة بالتقرّب منها، لكنها كانت تبتعد عنهم، وحين تخرّجنا في الجامعة تفرّقنا، ذهب كل منا إلى جهة، وبقيت الذكرى. كنت أتابع أخبارها فأفرح لنجاحها. سمعت أنها تزوّجت وسافرت مع زوجها إلى بلد آخر، حزنت كثيراً ورحت أُبعدها عن ساحة تفكيري محاولاً نسيانها.‏

***‏

صباحاً... ذهبت إليهم، وانتظرت طويلاً في الممّر الطّويل. جاء رجل آخر وقادني إلى غرفة أخرى، كانت الغرفة التي دخلتها بالأمس مغلقة، رمقتها بفتور ثم تجاوزتها منطلقاً خلف الرّجل، أوقفني أمام باب آخر، قرعه؛ ثم فتحه بهدوء قائلاً: ادخل ثم أغلق الباب ورائي.‏

فوجئت بمحقق آخر، نظر إليّ باسماً، ثم اتّجه صوبي وقال:‏

- تفضّل اجلس، اجلس يا أخ سميح.‏

جلستُ على كنبة قريبة من الباب، وعاد المحقّق إلى طاولته، أمسك بقلم رصاص وراح يعبث به، نظر إليّ ثانية وقال:‏

- قلت أنك تعرف ليلى المشرقية منذ زمن بعيد، أليس كذلك..؟‏

- بلى.. قلت ذلك، وهذه هي الحقيقة، أعرفها منذ أيام الجامعة، ولكن لماذا تسألونني عنها...؟‏

كان قد تناول رزمة من الأوراق المضمومة إلى مغلّف سميك، وراح يفتش فيها، ظننتُ أنه لم يسمعني فالتزمتُ الصمت منتظراً أن ينتبه إليّ لأكمل حديثي رفع رأسه وابتسم ثانية، رأيتُ أسنانه الناصعة فأضمرت له حبّاً، أشعل سيجارة بعدما اعتذرت عن التدخين شاكراً، قطّب حاجبيه وقال:‏

- تعرفها منذ أيام الجامعة إذاً...؟!‏

وراح يَهُزُّ رأسه وكأنه يتوعّد.‏

تغيّرت ملامحي، وتغيّرت مشاعري نحوه أيضاً، فقد كان يبتسم منذ قليل، لماذا يقطّب الآن في وجهي..؟ هل قلت ما يسيء..؟ وهل في معرفتي لها ما يزعجه...؟ التزمت الصمت وأسبلت عينيّ.‏

انتابتني حالة من تشوّش الأفكار وفقدان المعرفة أو اضطرابها. وربما اضطراب الذاكرة أيضاً. لاحظ المحقّق حالتي، فعاد إلى ابتسامته وأسئلته:‏

- كيف كانت علاقتك بها...؟‏

- كانت ليلى زميلة، لا أكثر.‏

رمقني بنظرة عدائيّة، ثم تقدّم مني، ناولني بطاقتي الشخصيّة عبس في وجهي، وقال:‏

- لا تحاول إخفاء شيء، هل تفهم...؟ اذهب إلى بيتك وتذكّر جيداً، يجب أن نعرف كل شيء، عد صباحاً. مع السلامة.‏

***‏

خرجت من مكتبه ومشيت ساهماً في الممّر الطّويل، كان الرجال يرمقونني بنظرات شرسة، وكان الممّر يضيق حولي، هكذا شعرت، أسرعت بالخروج، جاءني مدير المدرسة ثانية في المساء، سألني عما جرى لي، فشرحت له بالتفصيل الممّل، ثم تركني وحيداً بعدما أعرب عن تعاطفه معي، وتمنّى لي الخروج بسلام.‏

لم أكن أعلم أن هناك أيّ احتمال لعدم خروجي بسلام، راحت الأفكار تأخذني وتعود بي، تؤرجحني بين الجامعة والمدرسة التي أعلّم فيها، بين المدير الذي يأتي دائماً للاطمئنان عليّ وبين المحقّقين والغرف المغلقة، بين تلك الملفّات التي تُفتح أمامي على الطاولات وبين كتبي وأوراقي وذكريات جميلة أحملها من ليلى وزملاء الدراسة.‏

أغمضتُ عينيّ في محاولة يائسة للنوم، لأنني مطالب بالاستيقاظ باكراً، والتذكّر جيّداً، وعدم إخفاء أي شيء عنهم.‏

تكرّرت زياراتي كثيراً إلى هناك، في كل زيارة أسئلة جديدة ومحقّق جديد، عرف جيراني قصتي، فصاروا ينظرون إليّ نظرات لا تُسرّ، زملائي في المدرسة قاطعوني، حتى المدير لم يعد يتردّد إليّ كما كان، أضمر الناس أشياء كثيرة تجاهي، لم يعد أحد يصدّقني، عبثاً كنت أقول إنني أذهب إليهم ليستشيروني فقط.‏

كنت حذراً أمام المحقّقين، فقد قرّرت منذ البداية أن أخرج مرفوع الرأس، لكنّ الأمور تسير باتّجاه آخر، لم أعد أطمئن إلى أحد، ولم أعد واثقاً من أنني سأخرج مرفوع الرأس.‏

هذا الرأس الذي امتلأ إعجاباً بليلى المشرقيّة، لن أقول إنني كنتُ معجباً بها، ولن أقول إنني طلبتها للزواج ورفضتْ، لن أقول إنها أرسلت لي منذ مدّة ديوان شعر من تأليفها، وكتبت عليه إهداءً جميلاً. لقد سررتُ كثيراً بذلك الديوان، قرأته مرّات عديدة، وحفظت معظم قصائده عن ظهر قلب.‏

كل هذه الأشياء أخاف أن أقولها، أخاف أن أقول إنها ما زالت تراسلني وتقول إنها مشتاقة لزملاء الجامعة كثيراً وتتمنّى لو نجتمع كل مدّة. أشياء كثيرة بتّ أخاف أن أقولها.‏

كنت أتّصل أحياناً ببعض الزّملاء الذين ما زلتُ على علاقة بهم، فأفاجأ بأنها أرسلت لكل واحد منهم نسخة من أشعارها، وأبلغت الجميع رغبتها في الاجتماع بنا، فقد حنّت كثيراً إلى أيام الجامعة.‏

***‏

هذا الصّباح لم أنتظر طويلاً في الممّر، فقد كان الرجل بانتظاري، ابتسم لي وقال: هيّا.‏

أدخلني إلى غرفة في صدر الممّر بعدما تجاوزت رجالاً كثيرين يقفون مستندين إلى الجدران، ومررت بأبواب كثيرة مفتوحةٍ ومغلقة، كانت نظرات الازدراء تهطل عليّ كأنها لعنات أو اتهامات أو ما شابه ذلك، كان المحقّقون مجتمعين حول طاولة عريضة، وحين دخلت انتشروا على المقاعد وراحوا يحدّقون إليّ، شعرت برأسي يزداد ثقلاً فينحني إلى الأمام. وقفتُ أمام الطّاولة ورحت أرنو إلى الرّجل المسنّ الجالس وراءها، كانت نظراته ودودة، لكنّها سرعان ما تتغيّر، هنا يتحوّل الناس بسرعة مدهشة من محبّين إلى خصوم، يتحوّل الرأس أيضاً من حالة شموخ مادام أصرّ على الاحتفاظ بها إلى حالة من الانحناء الكامل. صرت على يقين من أنني لن أخرج مرفوع الرأس، يكفيني أن أخرج حاملاً رأسي، بتّ أخاف أن أنساه في إحدى الغرف، أو أن يسقط في الممّر الطّويل دون أن أنتبه إليه، الآن أيقنت أن الرأس عبءٌ على الجسد.‏

كانت الأضابير والملفّات تملأ الطّاولة، تمتدّ الأيدي إليها لترفعها من مكان وتضعها في مكان آخر، خمّنت أن هذه الملفّات خاصّةٌ بليلى المشرقيّة، رأيتُ ليلى تخرج من بين الأوراق وتبتسم في وجهي. لمحت ديوان الشعر الذي أهدته إليّ بين الأوراق. رفعه الرجل المسنّ ورماه في الدّرج الأسفل، كان يمسكه بقرف وينظر إليه باشمئزاز، أدركتُ أنه لم يقرأه، نظرت إليه ففاجأني بنظرة بدأت بحدّة من أعلى رأسي ثم هبطت ببطء شديد تتمعّن قامتي المديدة.‏

نهض من وراء الطاولة ومضى صوب الباب حاملاً معه بعض الأوراق، جمع أوراقه وضمّها بيد واحدة، وباليد الأخرى كان يسوّي هندامه، تحلّق الرجال حوله وراحوا يتهامسون، ثم خرج بعضهم معه وعاد البعض إلى الجلوس.‏

بقيت واقفاً، مررت عليهم بنظرة سريعة مستفسرة ومترجيّة، تجاهلني الجميع وكأنني لا أعني لهم شيئاً.‏

بالأمس كانوا يُبدون اهتماماً شديداً بأسئلتهم وأجوبتي، أمّا الآن فهم حياديّون تماماً بالنسبة إليّ، كانوا ينتظرون عودة الرّجل المسّن، عاد مبتسماً دون أوراق، نظر إليّ نظرة محيّرة أحسستُ من خلالها أنني مجرم، ثم طلب إلى أحد المحقّقين مرافقتي.‏

خرج الرجل، وسرت بجانبه، نزلنا إلى الأسفل، حيث رافقنا رجل آخر شرع يطقطق برزمة مفاتيح، أيقنت أنني سوف أبيت هنا، فُتح باب حديديّ، ثم أُغلق خلفي وأُوصد جيّداً.‏

***‏

كان المكان واسعاً مليئاً بالناس ذوي النظرات المنكسرة. بعضهم واقفون وبعضهم جالسون، والكثيرون منهم يستندون بظهورهم إلى الحائط المتّسخ. فتّشت بين الوجوه التي التفتت جميعها إليّ، رأيتُ رجالاً يهرعون نحوي، يصافحونني، تأمّلتهم جيّداً... إنهم زملائي منذ أيام الجامعة، ابتسمت لهم وصافحتهم، أحسستُ بالأمان، انفتحت آفاق كثيرة أمامي، عاد رأسي إلى وضعه الطبيعيّ، عرفتُ أنهم قادمون حديثاً إلى هنا، وأنهم مرّوا بنفس المحطّات التي مررتُ بها.‏

اجتمعنا في زاوية نائية ورحنا نثرثر، نتذكّر أيام الجامعة وليلى المشرقيّة، ونضحك، ثم تنقطع الضحكات حين نتذكّر أننا محجوزون، نبتسم بأسى، كل واحد يتذكّر أهله، زوجته وأولاده، أمّا أنا فقد حمدت الله على أنني لم أتزوّج بعد. ضحكوا قائلين:‏

- أنت لم تتزوّج بسببها، أما زلت تنتظر...؟ هي لم تبالِ بعواطفكِ، بل على العكس، لقد أوصلتك إلى هنا، أوصلتنا جميعاً، سامحها الله.‏

قلت:‏

- ألا ترون أننا لم نجتمع منذ مدّة طويلة...؟ كدنا ننسى بعضنا، يجب أن نشكرها لأنها السببُ في لقائنا هذا.‏

جاء أحد الموقوفين، تقدّم منا، كان التعب بادياً على وجهه، نظر إلينا نظرات شاحبة، ثم قال:‏

- أنصحكم بعدم التجمّع وبقلّة الكلام.‏

ثم تلفّت حوله وغادرنا عائداً ليسند ظهره على الحائط المتّسخ.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244