|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ذات أمسية..! ـــ هيام المفلح1 - السعودية هامش: "لا تشدني الأنثى بجمال وجهها، ولا بقدها الممشوق... بل تشدني إليها: حصافة رأيها ونضج أفكارها، ورجاحة فعالها، وجاذبية حوارها!". عبد الله الجفري *** كعادتهما... جلسا في ركن الغرفة... كرسيه الهزاز، توضع قبالة كرسيها الطويل... و -ككل ليلة- كانت تتصفح كتاباً جديداً، بشغف بالغ. تأملها من خلال الضوء المنسكب من يسارها... " يا الله... ما أجملها"! للمرة الأولى -منذ عرفها- يلمح في وجهها كل هذا الجمال! وجهها الأبيض كقطعة من الماس نقية البريق يحتضنها حرير الشعر الأسود بدفء مغر. "ماذا جرى لي هذه الأمسية؟". إنها هي... هي... لم تتغير! عقلها الواعي الذي لا يكف عن التهام العلم بنهم كالحلوى، جعله يختارها من بين آلاف النساء. لم تكن امرأة عادية! "كان عقلها سرداب سري... وكنت من عشاق الفضول"! شلالات السذاجة، المنهمرة في أذهان كل من صادفهن، ومقتنياتهن الأنثوية التافهة، كانت تشكل يمّاً شاسعاً بينه وبينهن... ومن خضم هذا اليم... ظهر رأسها كحورية الأساطير. لم يصدق أنه التقى بها! لم يرها بعينيه، بل سمعها بأذنيه، وفهمها بعقله! كلّمها في الحياة وفلسفتها، فردت عليه بفلسفة أخرى وأسلوب آخر. كل جديد، في المعرفة، يجذبه إليه كالمغناطيس، وها هي، كل ما في عقلها جديد، فجذبته إليها، وتوّجها، بلا تردد، ملكة على قلبه! هو يحبها... كيف؟... لا يدري! ما يعنيه أنها، في كل يوم، تزيده علماً وتصقل حبه للفلسفة، وبكل ثانية، تضيف لصفحات معرفته سطراً لم يسبق له أن دخل عقله أو اخترق سمعه. قلبه قال إنه أحبها! دخلت إليه من أذنيه، ثم خطت إلى عقله، فلما أرضت العقل فيه، نزلت إلى القلب.. و استقرت هناك! وها هي الآن، في هذه الليلة بالذات، تقرأ له كتاباً حديثاً. كل مساء... يخلقان موضوعاً يتباحثان فيه ويتناقشان... يحاول كل منهما أن يسكب آراءه في رأس الآخر... قد يحتدم النقاش وتطول ساعاته، وقد لا يخرجا بنتيجة منتصرة، حين يأمر سلطان النوم جنوده كي تطوف حولهما، وتعتقل الصحو منهما، ثم ترميهما في أدغال النوم. ارتفع صوتها برتابة وهي تقرأ... توقفت قليلاً وقالت بإعجاب: - فيلسوف عبقري... الحياة في نظره مسرح يزدحم بالمتناقضات... يعجبني جداً تحليله لها! وكالعادة... دخلت كلماتها إلى أذنيه... ثم انتقلت إلى عقله. الكلمات تعرف طريقها في النفس البشرية تماماً، كما يعرف قطار الحياة مركز انطلاقته وآخر محطاته. تقلصت المسافة بين حاجبيه... إنها تفتح موضوعاً للمناقشة... فلم لا يجيب؟ لم يبد على وجهه أنه سمع كلامها... تصورها، في هذه اللحظة، كمذياع يثرثر ليسمعه معلومات، كانت، تثير فضوله! استمرت تقرأ... "جسدها يتلفع بثوب دافئ، وأنفاسها تفوح بحرارة تثير برودة الخريف الساكنة في عظامي". تقرأ بجدية... وكأن عنقها الطويل يفصل، بامتداده، بين رأسها وجسدها بأميال وأميال! "أنا أردتها هكذا... رأسها مفصول عن جسدها... فماذا جرى لي؟". كم يرغب لو يريح عقله لحظات، يضعه بجانبه، في مهد صغير، ويغطيه. تمنى لو كان رجلاً عادياً... ولو كانت هي امرأة عادية! تكاثر صمته... اشتعلت نظراته الظمأى إليها. "رموش عينيها الدائمة الحركة تومئ لي بالدخول إلى قلعة سيدتها اللاهية عني بالقراءة"! داعبت أنفه رائحة شلالات الأنوثة الناعمة التي طالما رفضها واحتقرها. "كيف أخرج الآن عن طوري الذي عرفتني به، والأهم من هذا، كيف أقنعها بالخروج من إطارها الذي اخترتها من أجله؟". الساعة اللاهثة على الحائط تدق ساعاتها الإثنتا عشرة. "ماذا لو رفعت رأسها قليلاً عن كتابه ونظرت في عيني، برومانسية ساحرة، وحاورتني، بصمت حميم، بعيداً عن العبارات الفلسفية البليدة؟". وبحركة لا إرادية... حمل معطفه المستلقي على المشجب وجرّ خطواته نحو الباب دون أن يلتفت إلى الوراء أو يسمح لأذنيه بالتقاط بعض الأسئلة والإستفسارات التي انفجرت في فضاء الغرفة! في الخارج... أسلم وجهه الثائر لهواء الخريف العابر في الطرقات، وعيناه ترمقان في فضول وغيظ، قمراً ارتمى بنشوة في أحضان غيمة عاشقة. 1 قاصة سعودية، وكاتبة صحفية في جريدة الرياض. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |