جريدة الاسبوع الادبي العدد 679 تاريخ 9/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

البادئ أظلم ـــ ماري رشو

منذ أيام وأنا في تقلّب يشبه ما يحيط بي، فلسعة البرد في الصباح الباكر دفعتني للتلّحف بغطاء ثقيل، أما انهمار المطر الذي عمّق صلاتي مع الشتاء فقد أوقعني في الدهشة. لكني غفوت.‏

احترت في الصباح وأنا أستعد للخروج إلى العمل. ما الذي سأرتديه؟.‏

كانت الشمس تظهر ثم تختنق مع هجوم طبقة متلبدة تشبه غيوم الشتاء. ألقيت نظرة على صفحة حزيران المعلقة على الجدار. نحن في منتصف الشهر الذي وصفت شمسه بالحر اللاذع، خرجت، كانت البرودة اللذيذة تلفحني، تذكرت الربيع الجميل، تذكرت الخريف، وحين وصلت إلى مقر عملي، لاحظت أن الجميع يعلّق على تبدل الطقس.‏

لم تمض ساعة من الوقت حتى هجمت الشمس إلى النوافذ. حطّت فوق كل شيء. كان الجو مضيئاً في الخارج وقد سكنت الأشياء. لم يرف للشجر غصن، حتى الطيور اختفت، وعاد حزيران يثبت وجوده من جديد.‏

همست إحدى الزميلات حازقة: "لا يغرّنكم المظهر. هذا الطقس يشبه فلاناً من الناس".‏

ضحك الزملاء بدون تعليق. غير أن شيئاً في أعماقي أخذ بالتحفز، فقد تعوّدنا إطلاق النعوت على الذين يتمتعون بالمراوغة أو التلون، ولم نعد نتعجب ممّا يصدر عنهم، فقد التصقت أقوالهم أو تصرفاتهم بهم، وأصبحت جزءاً من شخصياتهم، فلا نكاد نقول فلاناً حتى يحضر إلى الذهن جميع ما في السابق، وعلى المتفهمّ استيعاب هذا وتقبّل وجود هذا الفلان وما سينّمه من جديد برحابة صدر وربما بابتسامة، فلقد ولد وولدت معه صفاته.‏

لا أدري لماذا هاجمتني صور لأناس تشبه صورة فلان الذي سمتّه زميلتي، واستنكرت وجود العلاقة بين المشبه والمشبه به، كان علي الدفاع عن مناخ بلدي الذي أحبه من الأعماق، والذي ارتسم على صفحات قلبي وفي عقلي باعتدال، فهو واضح وضوح الحق، لا يتعدّى ربيعه على شتائه، أو خريفه على صيفه، له من الخير ما طاب، ومن الجمال ما يبعث في نفوسنا البشر والصفاء.‏

مرّت الدقائق ثقيلة، وقبل مجيء الظهر اكفهّرت السماء وكأنها ستطبق شيئاً فشيئاً. هذا يوم صعب، والصعب هو ما لم نتعودّه في أوقات وأزمان مشابهة، أو مالم نستعد لاستقباله بقناعة، فحين يفاجئني الحر في كانون أقع في مشكلة أبسطها إخماد المدفأة ورمي الثياب الصوفية، لكني أقع في حيرة لا أخرج منها إلا حين تتلبّد السماء ثانية أو يهطل المطر بغزارة وتجتاحني قشعريرة سببها برد الشتاء القارس.‏

كررت زميلتي الملاحظة مع التشديد على المقارنة، فلان والطقس، ضحك بثه الزملاء.‏

لم أضحك، فأنا أعيش هذه الظاهرة، أشعر بالبرد ثم بالحر، ترتسم صور مختلفة على صفحة عيني. سماء فضيّة أو معبّرة، إني أتقلب مع التقلبات، أبتهج أو أقنط، أفتح النافذة أو أغلقها، تتسع مقلة عيني أو تتكوّر، أصمت... ثم أصمت.‏

غادرتهم إلى الشرفة واستأثرت بالتفكير، إذ لم أستطع ردع تلك الخاطرة التي عصفت بي، وقبل السؤال عن تبدل المناخ في بلدي تلاحقت الصور في ذهني، في ذاك البلد إعصار، في آخر طوفان، في آخر حريق، وقبل المتابعة هاجمتني ظاهرة النينو، والنيشو و... الخ.‏

تلك اللحظة استفاق في ذهني جميع ما توصل إليه الإنسان من علم ومعرفة، كالعلاقة مع السكون الخارجي، مروراً بالذرة والانترنيت، والاستنساخ، ومردود هذه القدرة على الإنسان الذي تحوّل بطريقة أو بأخرى، لتستفيق عنده مفاهيم جديدة، بعد أن عاش المدّ والجزر السالب والموجب، الحلو والمر، واستطاع بلحظة ضعف، استبدال أجمل ما عنده، واستعاض شيئاً فشيئاً عن الحب بالكره، وعن السلم بالعدوان، وعن الأمن بالقتل والتدمير، وأخذ يترقب الخسوف والكسوف، وينتظر الهزات والزلازل، وأصبح دون أن يدري مهزوزاً لا أمن له ولا استقرار.‏

كانت السماء تتلبد أكثر، انتابتني القشعريرة، ولأنني أحب الطبيعة وأحب الإنسان داهمتني تلك الخاطرة. فهل من علاقة بين ما يحدث معنا نحن البشر من تقلبات في النفس أو الفكر أو التصرف، وما يحدث للطبيعة؟ هل من صلة بيننا؟ وإن كان لهذا المنطق من صحة.‏

فإني أتساءل. من كان المذنب؟ أو من كان البادئ أولاً... نحن. أم هي؟ أم...؟ فهل هناك من يدري؟.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244