|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
لماذا تحتضر الشمس؟ شظايا مسرح المونودراما المتفوق ـــ هيثم يحيى الخواجة الذي أود أن أشير إليه بداءة هو أن مسرح المونودراما يبقى أسير عاشقيه نظراً لأن كتاب المونودراما في الوطن العربي قلة وأن الفنانين الذين خاضوا غمار هذه التجربة قلة أيضاً... وهذا العشق - في رأيي ليس مجانياً مادام يصدر عن توق إلى مسرح جميل هادف، وإلى إيمان عميق بأن المونودراما تشكل رافداً مسرحياً لا يقل قيمة عن الروافد الأخرى، ولهذا فإن الادعاء بأن مسرح المونودراما عمل فردي لا يمت إلى الجماعة بصلة، ويعبر عن تضخم ذات الفنان غير مقبول شكلاً ومضموناً، ذلك لأن الذي نراه على الخشبة هو ممثل وحيد، لكن معاونيه في العرض يشكلون جماعة فهناك عناصر فنية متنوعة ومتعددة تعمل إلى جانب هذا الممثل، ولها دورها المهم. إن ممثل المونودراما يمتلك صفات استثنائية في الأداء والقدرات ليقنع النظارة، ويحقق تواصلاً حميماً مع الجمهور وهذا هو السبب الرئيس لعدم تصدي كثير من الممثلين لهذا الفن وتعتبر المسرحية المونودرامية "الشمس تحتضر" التي ألفها الشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي وأخرجها الدكتور عبد الواحد عذري أنموذجاً جيداً لهذا الفن وهو ما دعاني إلى التفصيل فيها كونها تجربة أضحت معروفة لدى جمهور الإمارات الذي شاهد العرض في أيام الشارقة المسرحية لهذا العام. استثناء: ما يلفت النظر في هذا العرض أن هذه المسرحية لم تعتمد الحبكة التقليدية وأهملت الصراع الخارجي، ونمو الشخصية، وتطور الأحداث، وانطلقت من مبدأ مخاطبة عقول وقلوب الجماهير بحرفية عالية وتقنيات مدروسة، وتلك تجربة استثنائية ذلك لأن النص كان نصاً شعرياً أي أن عناصر النص المونودرامي غير متكاملة فنياً، وهذه مغامرة في مثل هذا العرض وأية مغامرة: تكامل: إن التركيز على فن العرض المونودرامي والاهتمام بالتواصل مع الجمهور وشغل الممثل الفائق... كل ذلك أدى إلى التكامل والاندماج مع الفنيات المساعدة التي أدت دوراً مهماً في العرض... فهل كان المخرج أم الممثل أم النص أم الموسيقا أم الإضاءة أم السينوغرافيا كلها وراء نجاح العرض.. الحق يقال إن الجميع ساهم في ذلك بسبب تكامل العرض واتساق أنساقه وعناصره. في رحاب العرض: اعتمد المخرج أسلوب "المسرح الفقير" في العرض غير مهتم بالتزويق والفخامة...فمدرسته الإخراجية تنطلق من الإبهار الناتج عن شغل الممثل وسينوغرافية العرض إنه يقتنص لحظة مركزية حارة ويفرد في أبعادها معتمداً على الموقف وملء فضاء المسرح وإيقاعية التعبير الجسدي والحواري والموسيقي. وبناء على ما تقدم شاهد الجمهور المسرح فارغاً إلا من قمر أحمر يتوسط الجدار الخلفي والبساط الأزرق الممتد من الأمام وإلى الوسط وحتى نهاية الخشبة ومع بداية العرض تتحول الإضاءة إلى مصباحين أزرقين يتدليان من السقف. وفي الوسط تجلس الممثلة تحاور المكان ويحاورها... لكأن المصباحين الممثلة وحديث النفس للنفس... وينطلق صوت جهوري يغني للحياة ومن عبقه تتحرك الممثلة ثريا جبران على محيط دائرة ضوئية وهي تنادي: "بابل تهدم... بابل تهدم... هل في وسع الشجرة أن تكذب؟... هل مازال للمارة عيون... الخوف من الحياة أزاح الخوف من الموت... لن تتخلف الأمطار... سوف تضرب خواتم الزهور...". وتتابع الممثلة هذه اللغة الشاعرية، وهي تعبر عن ضمير الإنسان العربي وآلامه وآماله وتمزقاته وانكساراته... لا للتذكير فحسب؟ بل لاستنهاض الهمم ضد الحرب والظلم والقهر معتمداً على التسامح الخلاّق من أجل حياة أفضل يسودها التعاضد والتآزر. "سأمنح حبي الخالص للكائن الوحيد الذي أسمعه يجذب علي اسم الإنسان" وعبر الإلقاء الموقع الذي يعرف كيف يستغل الحرف، ويجعله يتماهى مع التعبير والإيماء ولغة الجسد تستطيع الممثلة أن تأسر الجمهور يساندها في ذلك صوت قوي مؤثر اعتمد الغناء كعنصر من عناصر الفعل المسرحي لتقديم أبعاد جمالية وانفعالية فاعلة وملء فضاء المحيط الخارجي ليسهم في استنفار المشاعر ودغدغة الأحلام مصاحباً وموازياً لحركة وفعل وحوار الممثلة. "لا ليس هذا زمن الحلم... الحلم عديم الجدوى مثل دموع الشاعر. لكن ليس من عالم سوى هذا العالم... لتكن حكمته مقدسة... يوجد كل شيء في هذا العالم الذي نمعن في تحقيره... ماذا تريدون أكثر من هذا؟ هذا العالم ليس كاملاً، لكنه الوحيد الموجود.. اعثروا لنا إذن عن عالم آخر.". ويتصاعد الموقف للتعبير عن الرؤية المبتغاة، ولكنها رؤية غير متوقعة... وتتحرك الممثلة في اتجاهات مختلفة وهي تزيل عنها لفافة القماش الطويلة، والتي لا يعرف منتهاها؛ لكنها تزيل عن الجسد الأنثى -رمز الخصب والتجدد- ركام الأيام وظلمها وغبار الأخطاء وعواصفها... تفعل ذلك وهي تردد: "أود... أود... أود... أود أن أنامَ قرناً أو قرنين، ثم أصحو بأهواء أخرى... بأفكار أخرى... بعين مفتوحة في الجبين أو الرقبة... أود كلما بسطت يدي أن تأتي يد مجهولة وتدعوني للمسات كونية إلى المشاركة في وجبة لا تكون وجبة خيانة... أود أن أخرج من غرفتي ألتقي بامرأة أسعد مني. بيدها صغيرة تشبهها تماماً، وهي تقول: هذا جزاء الشاعر... أود أن يأتي الرخ ينقض علي... يطير بي إلى وادي الورود...". وتتابع ثريا جبران انفعالاتها التي انعكست على حركة الجسد الرافض لهذا الركام القماشي الملفوف حوله، وعلى تعبيرات الوجه الذي يرفض كابوس الأشياء... وبين الفينة والفينة تصمت رافضة فيجلجل صوت الغناء الذي يبحث عن نشيد الحياة بعيداً عن غازات الموت والحروب والخواء الذي يلد الخواء. في نهاية المسرحية تصرخ في وجه الجمهور: "ترفعوا عن الحقد والضغينة... انثروا عليها أصواتكم". ويرتفع صوت الغناء ليؤكد نجاح العرض الذي قدم صورة جميلة لهذا الفن وتجربة تستحق الإشادة والتقدير إذ لا قيمة للعرض إذا لم يكن ذكياً؛ لأن مثل هذا العرض يحترمه الجمهور لأنه يخاطب ذكاءه... وفي ذلك ذكاء أيضاً يستحق الثناء. * مسرحية "الشمس تحتضر: تأليف الشاعر عبد اللطيف اللعبي، غناء وموسيقا: مصطفى باكو، إخراج: الدكتور عبدالواحد عذري، وتمثيل: ثريا جبران. 1177.DOC 16/04/2003 2 824 ماجدة 2 1 |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |