جريدة الاسبوع الادبي العدد 679 تاريخ 9/10/1999
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

بياض اليقين ـــ خالد العبّود

المشهد السياسيّ العربي في (بياض اليقين)‏

من أين تأتي متعة النصّ الإبداعي..؟، إن لم نقل، من أين تأتي متعة العمل أو الفعل الإبداعي..؟، في رأيي أنّ متعة أيّ فعل إبداعيّ تأتي من مقدرة هذا الفعل، أو العمل، على ملامسة الداخل النفسي المتشكّل لكل فرد على حدة، وقد يكون هذا النفسيّ التكويني للذات البشريّة مختلفاً من ذاتٍ لأخرى؛ وعلى أساسه تتم عملية التلقي، ومنها تنتج ثنائية التجاذب والتنابذ، مع هذا الفعل أو ذاك، وعلى هذا الأساس تتشكّل الملكة الخاصة. لكل منا، وذلك في الحكم بداية على ما يواجه أو يسمح، من هنا، فقد نعذر من يقول، بأنّ المتعة النصيّة، لأيّ منتوج شعري، تقوم أساساً على مقدرة هذا النص من التقارب مع الوجدان الإنساني، ويقصد بذلك الجانب العاطفي التكويني للذات البشريّة، باعتبار أن الجانب العاطفي هو القاسم المشترك الأعظم الإنساني، وهو القسم الخلقي الطبيعي، وهذا ما يأتي موازياً لقوله تعالى:‏

{ يريدُ اللّهُ أنْ يخفّفَ عنْكُمْ وخُلِقَ الإنسانُ ضعيفً } [النساء: 28]‏

بينما نجد أنّ المكونات الأخرى، للذات البشريّة هي مكونات مكتسبة، ناتجة عن فعل التعامل الحياتي مع المحيط المعيشي الممارس، لكل فرد على حدة، وهنا، وعلى هذا الأساس الأخير تتشكّل المواقف الفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة وغيرها، باعتبارها، جميعاً، نتاج حركة الذات من الذوات الأخرى، ومع الأشياء في الواقع الحياتي العام..‏

وعليه، نستطيع القول إنّ النصّ الإبداعي الشعرية قد يصل لذات المتلقي من خلال مجموعة من المداخل، منها المداخل الوجدانيّة، وهي المساحة الأعظم من جغرافية الذات البشرية، وقد تكون فكريّة مستجيبة المكّون الفكري بالنسبة للمتلقي، أو سياسيّة أو اجتماعية تأتي موازية لمجموعة من المواقف والمفاهيم السياسيّة والاجتماعيّة، التي تنسجم مع ما تختزنه هذه الذات من خلال خطوط أساسية في هذا المقام، وقسْ على ذلك جميع المكونات الأخرى، لهذه الذات في المطلق العام..‏

أمّا جمالية الإبداع فهي مختلفة تماماً عن متعة الإبداع ذاته، فهي، أي الجمالية، خاضعة لمجموعة مختلفة من المكونات الأخرى، فأهم مكوناتها كامنةُ في الصورة وفي اللغة وفي الموسيقى أو في المقدرة على التعامل مع هذه المكونات جميعاً لخلق نصّ غير منسوخ، أو نصّ غير مكرّر..‏

وأضيف هنا، أنّ جمالية الإبداع ذاتها، قد تتحوّل عند البعض إلى متعة نصيّة، وعليه فنحن نقول صدق البعض حين قالوا، بأنّ أيّ نصّ جميلٍ ممتع، وهي الحالة التي يصل بها النص الشعري إلى خدمة ذاته، بمعنى أن ينسلخ عن الواقع المتحرّك المعاش، فيبقى، حتّى، خارج روح المتلقي، وهنا يصحّ أو ينطبق قولنا، على مثل هذا النص الشعري، (الشعر من أجل الشعر). ولكنّا نرى أنّ للشعر أدواراً جمّة، يجبب أن يؤديها في حياة الناس، وهو يجب أن يبقى، كما كان دوماً، أحد أهم أدوات التغيير والمؤشر الحقيقي لحركة السياسي والاقتصادي والاجتماعي والروحي.‏

ومنه فإنّ متعة الإبداع تنتمي لمفهوم المتحوّل، وذلك في وصول النصّ أو عدم وصوله، أمّا بالنسبة لجمالية الإبداع فهي تكاد تقترب، أو تلامس الثابت، باعتبار أنّ مكوناتها تكاد، أيضاً، أن تقترب من مفهوم الثابت..‏

ضمن هذا الفهم، ومن خلاله، في فرز مفهوم المتعة والجمالية في النصّ الشعري، سوف أقوم بقراءة المجموعة الشعريّة الجديدة (بياض اليقين) للزميل الشاعر الدكتور أمين اسبر، الصادرة عن اتحاد الكتاب والأدباء اليمنيين، تاركاً، نوعاً ما، جماليّة النصّ، بالمفهوم المطلق لمعنى الجمالية، قافزاً نحو متعة القائمة على أساس من تظافر وانسجام ثنائية المتعة مع بعض فصول تلك الجمالية التي جاءت حاملة لبعض أجزاء هذا الخطاب، متخطيّاً بذلك بعضاً من المآخذ، التي شابت النصّ الشعري، في أجزائه الأخرى، من الناحية الجماليّة، وذلك نظراً للمتعة النصيّة التي سحبني إليها، خطابه الشعري، وتحديداً في الجانب السياسي والفكري، وهو على ما يبدو جاء منسجماً مع مخزوني السياسي والفكري، فوصلني دون عوائق أو منغصات..‏

فبعد قراءتي الأولى والثانية للمجموعة سلبني هذا الموقف للشاعر، بل هذا التحليل، من مجمل قضايا الواقع والمنتوج السياسي العربي، وكان من أهم ما لفت انتباهي هذا المشهد السياسي العربي المرسوم والمرصود من قبله، والموازي في خطوطه، لواقع سياسيّ عربيّ مفضوح، ومطابق لواقعٍ عربيّ منهزمٍ متراجعٍ مقبوض، ملزوزٍ بضغوطات حادّة وتشوهات فكريّة وتاريخيّة، إضافية إلى عبثية المُمَارس الواقعي من قبل النظام العربي الرسمي، وتلك الخروقات التي تنال من التاريخ والجغرافيا وتحطّ من قيمة الذات العربيّة، على الصعيد القومي، على حساب مجموعة هائلة من المصالح الفرديّة والعشائريّة والمذهبية والطائفيّة.‏

فنراه بداية، يرسم المشهد السياسي الخارجي والداخلي لهذا القهر والظلم والتغييب العربي، فهو ينظر إلى ذلك الواقع التراجعي، فيراه كما هو، واقعاً مصادراً مقبوضاً مضغوطاً، كما أسلفنا، على حساب مجموعة من المصالح الأخرى، لم يخف عليه هذا المشهد الأوّل، كما لم تغره الشعارات القطرية والحزبيّة، التي لا يمكن لها أن تغطي هذه المساحات الهائلة من القبح، لقد داخل كلّ شيء كي يحكم عليه بعبارة واحدة، لم يستثنِ أحداً فيها، أو شيئاً، فقد وصف المشهد العام بوجع القيامة..‏

بأيِّ لغةٍ /أتلو على ضلوعِ الأرضِ والناسِ/ وجعَ القيامة؟؟‏

ومن خلال إشارات سريعة، نفهم، أنّ الواقع رديء، فضلوع الأرض والناس تساوت، في سوية الخطاب، والحسّ أضيف لمسمّى جديدٍ لم يكن منه أو له، كما يقدّم لنا مشهداً مأساويّاً لوطن من السلاحف والتوابيت، وهذا ما يمكن قراءته في قصيدته (ألف باء ياء) حيث يقول:‏

بأيِّ لغةٍ/ أتلو على ضلوعِ الأرضِ والناسِ،/ وجع القيامة؟؟‏

بِرَمَدِ الأعيُنِ الناعسة /في حفيف القَصَبِ،/ وحسِّ الأحجارِ؟؟‏

أمْ بدخانِ السنديانِ الذي يحترِقُ، /على مَجَرَّةِ وطنٍ/ من التوابيتِ والسلاحفْ!! (1)‏

بهذه اللوحة يكون الشاعر قد قدّم تعريفاً كاملاً لوطن يعيش حالة من الاحتضار، لا بل قل، حالة من السبات والتغييب، وهو لا يتراجع عن هذه الصورة العامة حين يدلّل أكثر على أنّ القيامة شاملة عامة، وكي يحدّد بالمعنى الجغرافي والتاريخي مفهوم الوطن لديه، يقول في وصف جلابيّة بهيّة:‏

بيضاءُ من القطنِ المصريِّ/ وخضراء من مباهج الأمل/ وزرقاءُ بلونِ الأبيض المتوسط/ وحمراءُ من عطاءِ الصدّيقين والشهداء.‏

أصلّي!!/ يصلّي معي جميعُ البحّارةِ/ على سجّادة القيامةِ العربيّة(2)..‏

فالقيامة قيامة عربيّة، وعندها نكون قد حدّدنا، لا بل استطعنا أن نضع أيدينا على الملامح الأولى لأسّ الثابت الفكري السياسي عند الشاعر... فيرى وطنه العربيّ الكبير مغلولاً، وذلك على امتداد اثنين وعشرين قطراً، فحدُّ السيف يتبرّد، والمقبض الذهبيّ المليء بالأمجاد والحافل بالانتصارات والشموخ يسكن في اثنين وعشرين كثيباً من الرمال، وهذا يضيف لنا أنّ الشاعر مؤمنٌ بعروبة هذا الوطن، ضمن حدوده الجغرافية التي تعطيه هويته، وهو أيضاً رافض لهذه التجزئة، باعتبارها كانت وضعاً طارئاً، ولم تكن أساساً:‏

مغلولٌ.. مغلولٌ/ أنت.. يا وطني الكبير/ حدُّ السيفِ/ يتبرّدُ/ في اثنين وعشرين جدولاً../ طاحونة من الهواء./ والمقبض الذهبيّ الرخيمُ/ يسكنُ/ في اثنين وعشرين كثيباً من الرمال(3)..‏

بعد ذلك ينتقل الشاعر ليرسم المشهد السياسي السلطويّ، محدّداً بخطوطٍ شفافة وحادةٍ، بآنٍ معاً، أبعاد النظام وفرديّته، فاضحاً كلّ هذه الممارسات، من إعلام ممسوخ، إلى مجموعة هائلة من الألقاب والأنساب، مروراً بمسارح وسيناريوهات التأييد والتطبيل، وذلك على امتداد هذه الجداول العشرين:‏

الاسم/ والفعل/ الحرف/ خلاخيل تئنُّ في الأطراف السفلى../ ولهم../ واو المعيّةِ.. والتشجيعُ.. والهتافُ./ في مصارفِ/ الإمّعةِ الساهية اللاهية../ والإفكِ،/ والحجّاب.‏

الاستعارةُ/ من أسماء اللّه الحسنى.. لهم/ ولهم/ وحدهم فصل الخطاب(4)..‏

والشاعر لا ينسى الواقع العربي المتخلف، لعامة الناس، وهي هذه الجماهير، التي عاشت حالة من الاغتراب والقهر والسلب والنهب، فيرصد أكثر هذه البنى السياسيّة التي تتناهب أطراف هذه الأمّة، والتي رسّختها قوى المؤسسات المستفيدة والمتلاقية مع هذا المشهد المأساوي لواقع مفكّك، مرتكز على أعمدة وأطراف تنمو أكثر فأكثر، تتغذى على مواقع فرقٍ، وقواقع قوميات، وتيّاراتٍ دينيّة ومذهبيّة وطائفيّة:‏

المفردةُ الواحدةُ/تتناثر/ إلى فرقٍ.. وجرائمَ قتلٍ.. وقومياتٍ/ وأصوليين.. وأصوليّات(5).‏

يبدو لنا الشاعر من خلال هذا المشهد، أنّه يتبنى مجموعة من مقولات أقصى اليسار العربيّ، وهو لا يعفي نفسه من الدخول في ركائز بعض البنى السياسية المتخلفة، فيشرّحها في إشارات سريعة، يبيّن فيها، ومن خلالها، هذا التراجع والانقباض، لواقع من الناس عاشوا على بقايا من العقائد السلجوقية وفقه عثمانيّ بالٍ، وطقوسٍ من التناقضات الحادة، ضغطوا الإسلام من خلالها، وتكلّسوا في حدود المتشكّل خلال عصور الانحطاط والتخلف، تاركين وراء ظهورهم ثوابت الإسلام العظمى:‏

المشهدُ/ هو المشهدُ:‏

بعد الإفطار،/نزكّي./ وننامُ على طنافسِ الهوان.‏

وأثناء الحجِّ،/ نضحّي.‏

وبعد الصلاة/ ندعو(6)..‏

وفي إشارات أخّاذةٍ، ناهبةٍ للقلب، يرسم الشاعر، من خلالها، لوحة لغربة تمتدّ وتتنامى، ومجموعة من معاهدات الخنوع والهوان، التي وقّعت على دم الشهداء، في لفتة رائعة لنجمة داوود، وآية الكرسي الملاذ الروحي لوعي ووجع العامة من الناس، غير أنّ النوم والمحاجر المليئة بالدموع هي التي تبقى تؤطّر هذا المشهد القاتل، مع تأكيد مطلق في كلّ صباح، على مجموعة من البيانات الرسميّة التي تزكّيها الحكومات بالمزامير والطبول والدفوف، غير أنّ الظلّ يبقى يخيمُ على هذا الوطن:‏

تخلعُ بهيّة عن النيل/ قميصَ النهار/ المسكون في الظلّ/ تفكهُ عن أعناق النخيل الباسقِ/ نجمةً سداسيّةً.‏

ثمّ تقرأُ آيةَ الكرسيِّ/ وتنامُ../ تنامُ والدمع في محاجرها.‏

وكلّ صباحٍ/ تصحو بهيّة على القرنْ/ والظلّ/ والمزامير(7)..‏

أمّا على صعيد النزاع العربي الصهيوني، نرى أنّ الشاعر، وهو القادر على قراءة المشاهد على حقيقتها، لا يخفى عليه، سرّ حركة الأشياء وآلية توزّعها، تحت المجهر السياسيّ، فمن خلال الخطاب الصهيوني يتلاقى النيل ودجلة وبردى فوق صفحة القتل الجماعيّ، لا بل قل الاحتلال التوراتي المباشر. ويجثم على أعناق أهلها إله الدم والقتل، ويصول ويجول واضعاً أوراق اعتماده، احتلاله لآبار النفط في الخليج العربيّ، لا يسمح لأيّ انسجامٍ عربيّ عربيّ، وهي اللمحة المسبوكة بهذه المفردات المنفصلة، المتصلة، بكثير من المباشرة والاختزال والدقة، حيث يقول:‏

على الأهدابِ/ يستقرُّ/ زبدُ السياطِ/ ولم يعدْ مسموحاً لبلقيس/ أن تغسلَ ضفائرَها/ في دجلةَ أو النيلِ أو بردى.‏

وحدّهُ.. إلهُ الدمِ والشهوةِ،/ يسعلُ/ يتثاءبُ/ يختالُ/ يضعُ أوراقَ اعتماده/ على فوهةِ الآبار(8)..‏

وضمن هذا السياق يفتح الشاعر ملفات الهوان والهزائم، والضعف، الذي يجعل الواقع هشّاً وملحيّاً، فانظر معي إلى هذا التداخل الجميل، الذي يحصل بين الذاتي، من خلال صوت داخليّ مرتفع، مع الجمعي العام، الممتدّ من البحر إلى البحر، فكلّ العواصمِ لم تعد قادرة على الصمود، أو على الوقوف، ولم تعد تمتلك قرارها القادر على تلبية حاجات الوجود المسنود بشيء من الكرامة:‏

يا ربّ/ أيّ شجرةٍ/ أتفيّأُ في ظلالها/ أتكئ على جذعها!/.. بعيدةٌ عنّي كلُّ الأشجار(9)..‏

ولعل الفكريّ هنا يتقاطع مع السياسيّ، في مفردة الأشجار، ليصبح دالاً أخاذاً ممتزجاً مع واقع الحال العربيّ، فكما هي العواصم، كذلك الأحزاب والأيديولوجيات، وكيف لا يكون ذلك كذلك، خاصة حين يكون المجروح وطناً، والمهزومُ أمّة:‏

الوطنُ يأتي إليّ/ جريحاً.. في الضوءِ والعتمةِ/ يا بلقيس.‏

أنا الجريحُ/ أنا الوطن.. أنا الوطن(10).‏

كذلك هي مجموعة المواثيق والمعاهدات والمؤامرات، وكذل هي كلّ القرارات والتصرفات والبيانات، لم تعد مقروءة، كونها أصبحت مكتوبة بالحبر السريّ، المغلّف بالتآمر والقطريّة والسلطويّة والعمالة والخيانة، والمحصن بتظليم وظلام دامسٍ لا يكفي لقراءتها:‏

يا ربّ/ أيّ رسالةٍ/ أقرأُ في ضوء السراجِ؟!/ وكلُّ الرسائل/ مكتوبةً/ بالحبر السريّ!!(11)..‏

ويدخل الشاعر مداخل المشهد العربيّ أكثر، فيتوقف عند حرب الخليج الأولى، وثماني سنوات من الدم المستمرّ، ليكشف بجملة شفّافة مباشرة عن نهر الدماء الذي توقّف، والذي لم يكن له ما يبرّره:‏

عَقدٌ من العزفِ/ على دماءِ الوترِ الفارسيِّ/ يتوقف(12)..‏

وهي جملة مثيرة، تجعل المتلقي مستعداً كي يتلقى جملاً أخرى، تتشكّل في ظلّ هذا التوقف، بحيث يبقي الباب مفتوحاً على مصراعيه، وفي ظلّ انبهارٍ وحزنٍ شديدين يباشرنا بقوله:‏

الطبولُ.. جاهزةً دوماً../ لا تستريح(13)..‏

وهي إشارة سريعة على أن التلفيق والتزوير والتقويل جاهزٌ، وأنّ كلّ الانكسارات والهزائم، وكلّ الدماء التي سالت فوق مشارح التجريب السياسي العربي السلطوي لها ما يبرّرها، في أدبيات الخطاب العربي ذاته، ولها ما يحوّلها من هزائم إلى انتصارات، ولها من يخرجها للناس من معارك جانبيةّ إلى معارك رئيسيّة، قوميّة عربيّة وإسلاميّة، ولها من يغلّفها بآيات اللّه وأحاديث رسوله..‏

ويجب أن نلاحظ هنا، كلمة الشاعر (لا تستريح)، وهي مفردة لم تأت عن عبث، بيد أنّه كان يعنيها تماماً، فهي الإشارة الأكيدة على أنّ إعلام النظام السياسي العربيّ جاهزٌ دائماً، من أجل التطبيل والترميز، ومن أجل القبح السياسيّ والاقتصادي والاجتماعي، ومن أجل أن يواري سوأة أخطائه وعجزه عن فهم الحاضر واستشراف آفاق المستقبل.‏

مياهُ الخليجِ،/ تتعكّر..‏

هكذا يباغتنا الشاعر، دون أيّة إشارة يطلع علينا، كي يقول:‏

مياهُ الخليج../ تتعكّر/ للمرة الثانية،/ بالنيّة غير الصالحة./ شايُ الدواوين تسمّم(14)..‏

ويضبط مشهداً عاماً، كي يوضّح من خلاله وجع البعد الاجتماعي والثقافي، وتفاصيل الحياة العاديّة، التي وصل لها الإنسان في شبه جزيرة العرب، باعتبار أنّ مفردة (الديوان) مستعملة بكثرة في هذه المنطقة، وهو يعطينا من خلال هذه اللقطة، أنّ الشاي الذي يعتبر المشروب الرئيسي في هذه الدواوين قد تسمّم، أي لم يعد به المذاق السابق والألفة والهدوء والطمأنينة، بيد أنّه في الوقت نفسه لم يغلق هذه الصورة، بمعنى أنّه ترك الباب مفتوحاً أمام إمكانيات واحتمالات وإشكاليات التسمّم تلك، وهذه تعتبر نقطة تناقضية في المعنى السياسي، لا بل قل نقطة توافقية باتجاه آخر، فهو لم يوضّح بماذا مياه الخليج تعكّرت، ومن قبل من كما أنّ في قوله (بالنيّة غير الصالحة) لم تحدّد هويّة المسبب، أو هكذا نفهم على الأقل، وهذا يتوافق تماماً مع ما جرى في الشارع العربي.‏

لكنّ الشاعر، بكلّ المبررات المقدّمة، والمعروضة على طاولة احتمال الموقف السياسي والعسكري، يفضح هذا التدخل الأجنبي، بآلته العسكرية، في الخليج العربي، ليؤكد أنّ هناك تدخلاً تجارياً لم يكن له يكن ما يبرّره، أيضاً:‏

سقطَ/ نصيفُ المتجرّدةِ/ فكْت/ عاصفةُ الصحراءِ زنّار الخصر/ انتشر.. الجربُ/ وصدورُ النساءِ/ تحّكها.. تدميها أصابعُ العارِ الغريب(15)..‏

ونلاحظ هنا هذا التحريك، بل هذا التوسيع، لجملة تاريخيّة، أو لرواية شعريّة، يستنهض من خلالها مجموعة من الكوامن باتجاه أوسع وأشمل، كي يعطي دلالة بحجم المرفوض لديه، إنّه نصيف المتجرّدة، حين أخرجه من بعده الفردي ليصبح نصيف نساء أمّة بكاملها، فقد كانت الأرض معدّة لدخول هذه البوارج وحاملات الطائرات، كما أنّها مهيّأة لاستقبال كلّ هذا الدمار والقصف والحقد والويل، وهو بذلك لا يفرق بين أرض، أو بلادٍ، تدمّر وتحرق، وأخرى تصبح عارية أمام مقدّرات احتلال مباشر، رافضاً مجموعة من المقولات السياسيّة المجانيّة التي سيقت في حينها، ولم تزلُ، حول موضوع التحرير ومشتقاته، كما أنّه يرفض من خلالها هذا الخلط في الأشياء، وذلك حين ضاع القاتل والقتيل، وصارت الأمّ تستغيث وتندب، في آنٍ معاً، قاتلاً وقتيلاً، وهي الحالة الخطيرة التي تصل إليها الأمّة، وذلك حين تغدو في نقطة من العماء الكامل والمطلق في رؤية ما يجري أمامها، وفي تحديد أبعاد ما يحصل على مرأى من عينيها:‏

الأرضُ../ معدّةٌ للمعادنِ الخسيسة/ رحمُ الرياحِ الغربيّةِ/ يقذفُ الحقد الأسودَ/ يصبُّ نارَ الويلِ/ ينشرُ وعرَ الضباب(16)..‏

الأمُّ/ تندبُ القاتلَ.. والقتيل.‏

الأمُّ/ تستغيثُ بالقاتل.. والقتيل.‏

الأمُّ/ تلعن/ النفط.. والغاز.. وتمثالَ الحريّة(17)..‏

ومن خلال جملته الأخيرة، النفط. والغاز.. وتمثال الحريّة، يحدّد بدقة فائقة ثنائيّة النزاع والتنازع، طرفيّ المعادلة الخطيرة في سحب مثل هذه الويلات التي سيقت، وتساق لها الأمّة..‏

ويرى أنّ هذا الخراب، الدمار، الويل، لم يكن يعني منطقة عربيّة دون أخرى بقدر ما كان يهدف الأمّة بكاملها، فالمؤامرات شاملة، والقتل لا تفريق فيه، والجميع مستهدفون، فيؤكّد على أنّ حريقاً يمتدّ إلى الجسد العربيّ، هذا الحريق الذي نال من كلّ المدن والشرفات والمنازل والحارات، حتّى وصل إلى الضمير، إنّه حريق الوطن بأكمله:‏

لسانهُ/ يمتدّ إلى كلِّ مدينةٍ وحارةٍ/ وضمير/ حريقٌ/ في العباءة العربيّة(18)..‏

حريقٌ شمل كل شيء، لم تسلم منه اللغة، كما لم يسلم منه التاريخ، إنّه الحريق الذي نال من الجسد الكامل، فمزّق، بل أتلف نسيج الجسد العربي:‏

حريقٌ في وعاء اللغةِ/ وألواحِ التاريخِ/ حريقٌ/ في نسيج الجسد الواحد.‏

حريقٌ.. حريقٌ.. حريقُ(19)...‏

والشاعر لا يفوته أن يعلن عن موقفه الرافض للحصار على العراق الشقيق، هذا الحصار الذي ينال من الإنسان العربي في العراق، ولا شيء آخر سواه، كما يفضح صمت العالم، هذا العالم الذي يقف متفرّجاً أمام أعنف مشهدٍ مأساويّ يساق له شعب، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، حيث الأطفال يموتون أمام لعنة الوحش البشريّ، وبهذا يخلّص الموقف من توابع وملحقات تنازع المصالح وذيول رأس المال، كي يقف أمام إنسانيّة الإنسان، وقيمته الأنقى:‏

العالمُ يتفرّج/ بضميره/ وقبل أن يدركه سهادُ الحسّ/ يقرأ.. يسمعُ.. كثيراً/ عن الأطفال.. والموت/ والوحشِ البشريّ..‏

احتجاجاً على الحصارِ/ شاهدٌ.. يموتُ بصمته/ شهادتُه.. ولادةُ الصمت (20)..‏

وفي ظلّ هذا السديم المأساوي، من شعب مغيّب مقهور مسلوب الإرادة إلى حصار يجتاح معنى العراق، مروراً بكلّ تلك التعفنات السياسية والفكرية وكلّ المؤامرات التي تحاك ضدّ هذه الأمّة، وكلّ هذه الدكتاتوريات الحاكمة على امتداد هذا الوطن، يظلّ الشاعر واقفاً، واثقاً، رغم ظلمة المشهد، وتردي حالة الطقس السياسي فيه، لا يلقي بآلامه وأحلامه، ثمّ يتمسّك، كما يتماسك في وجه هذا الجزر الخطير:‏

انتظرتُ عودةَ البحّارةِ/ والباخرة/ في المحطّات التسع، وما أزال(21)..‏

ويقولُ أيضاً:‏

الكوفيّةُ/ مخبأةٌ/ في خزانةِ الملابسِ/ مع نورِ الصباح/ لكلمةِ/ السرّ القادمة(22)..‏

ويقولُ أيضاً:‏

طوبى،/ لمن يبايعون ماء بردى،/ وقمّةَ قاسيون/ وسيفَ أكتوبر.‏

طوبى،/ لبناة الأحلامِ.. بوقعِ الفعلِ،/ شهداء... وأحياء(23)..‏

الهوامش:‏

1-(بياض اليقين- ص31- 32)‏

2-(بياض اليقين- ص43-44)‏

3-(بياض اليقين- ص126)‏

4-(بياض اليقين- ص128)‏

5-(بياض اليقين- ص134)‏

6-(بياض اليقين- ص135)‏

7-(بياض اليقين- ص48-49)‏

8-(بياض اليقين- ص50-51)‏

9-(بياض اليقين- ص53)‏

10-(بياض اليقين- ص57)‏

11-(بياض اليقين- ص54)‏

12-(بياض اليقين- ص73)‏

13-(بياض اليقين- ص74)‏

14-(بياض اليقين- ص75)‏

15-(بياض اليقين- ص88)‏

16-(بياض اليقين- ص90)‏

17-(بياض اليقين- ص92)‏

18-(بياض اليقين- ص77)‏

19-(بياض اليقين- ص78)‏

20-(بياض اليقين- ص103-104)‏

21-(بياض اليقين- ص56)‏

22-(بياض اليقين- ص83)‏

23-(بياض اليقين- ص146)‏

988.DOC 21\8\99 2:26 م 4 2554 اسمه‏

4‏

1‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244